5
ج ١ · ص ٢٠
وروى الزبير بن بكار قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه برجل يقول في بعض أزقة مكة:
يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بآل عبد الدار
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، أهكذا قال الشاعر؟ " قال: لا، يا رسول الله، ولكنه قال:
يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا سألت عن آل عبد مناف
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هكذا كنا نسمعها" 1.
ارتياحه للشعر:
وأما ارتياحه صلى الله عليه وسلم للشعر واستحسانه له، فقد جاء فيه الخبر من وجوه. من ذلك حديث النابغة الجعدي قال: أنشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قولي:
بلغنا السماء، مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أين المظهر يا أبا ليلى؟ " فقلت: الجنة، يا رسول الله، قال: "أجل إن شاء الله". ثم قال: أنشدني، فأنشدته من قولي:
6
ج ١ · ص ٢١
ولا خير في حلم، إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل، إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال صلى الله عليه وسلم: "أجدت، لا يفضض الله فاك". قال الراوي: فنظرت إليه، فكأن فاه البرد المنهل، ما سقطت له سن ولا انفلت، ترف غروبه1.
ومن ذلك حديث كعب بن زهير روي أن كعبا وأخاه بحيرا خرجا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغا أبرق العزاف، فقال كعب لبجير: الق هذا الرجل وأنا مقيم ههنا، فانظر ما يقول. وقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه الإسلام فأسلم، وبلغ ذلك كعبا، فقال في ذلك شعرا، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فكتب إليه بجير يأمره أن يسلم ويقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسقط ما كان قبل ذلك، قال: فقدم كعب وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته المعروفة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها، لم يفد، مغلول
وما سعاد غداة البين إذا رحلت ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول2