تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

71 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٦٦ من ٦٧٠.

71

ج ١ · ص ١٦٧

مثال آخر نادر لطيف في الخدمة:

واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح: "أكرمت وأكرمني عبد الله"1 لكنه شبيه به في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول "المشيئة" و "الإرادة"، لن الذي يأتي في جواب "لو" وأخواتها يدل عليه.

وإذا أردت ما هو صريح في ذلك، ثم هو نادر لطيف ينطوي على معنى دقيق وفائدة جليلة، فانظر إلى بيت البحتري:

قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا2

المعنى: قد طلبنا لك مثلا، ثم حذف، لأن ذكره في الثاني يدل عليه، ثم إن للمجيء به كذلك من الحسن والمزية والروعة ما لا يخفى3. ولو أنه قال: "قد طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده"، لم تر من هذا الحسن الذي تراه شيئا4. وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة، هو نفي الوجود عن "المثل"، فأما "الطلب"، فكالشيء يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكد به أمره. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قال: "قد طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده"، لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ "المثل"، وأوقعه على ضميره. ولن تبلغ الكناية مبلغ التصريح أبدا5.

ج ١ · ص ١٦٨

مثال آخر، من خطبة قيس بن خارجة بن سنان:

ويبين هذا، كلام ذكره أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين1، وأنا أكتب لك الفصل حتى تستبين الذي هو المراد، قال: "والسنة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب، ألا ترى أن قيس بن خارجة [بن سنان] لما ضرب بسيفه مؤخرة راحلة الحاملين في شأن حمالة داحس [والغبراء] 2 وقال: مالي فيها أيها العشمتان؟ 3 قالا: بل ما عندك؟ قال: عندي قرى كل نازل، ورضى كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى فيها عن التقاطع قالوا: فخطب يوما إلى الليل، فما أعاد كلمة ولا معنى4. فقيل لأبي يعقوب5: هلا اكتفى بالأمر بالتواصل، عن النهي عن التقاطع؟ أو ليس الأمر بالصلة هو النهي عن القطيعة؟ قال: أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإيضاح والتكشيف"6.انتهى الفصل الذي أردت أن أكتبه. فقد بصرك هذا أن لن يكون إيقاع نفي الوجود على صريح لفظ المثل، كإيقاعه على ضميره.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م