61
ج ١ · ص ١٥٠
فتأمل الآن هذه الأبيات كلها، واستقرها واحدا واحدا، وانظر إلى موقعها في نفسك، وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم فليت النفس عما تجد1، وألطفت النظر فيما تحس به. ثم تكلف أن ترد ما حذف الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك، وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد، وإن أردت ما هو أصدق من ذلك شهادة، وأدل دلالة، فانظر إلى قول عبد الله بن الزبير يذكر غريما له قد ألح عليه:
عرضت على زيد ليأخذ بعض ما ... يحاوله قبل اعتراض الشواغل
فدب دبيب البغل يألم ظهره ... وقال: تعلم، أنني غير فاعل
تثاءب حتى قلت: داسع نفسه ... وأخرج أنيابا له كالمعاول2
الأصل: حتى قلت: "هو داسع نفسه"، أي حسبته من شدة التثاؤب، ومما به من الجهد، يقذف نفسه من جوفه، ويخرجها من صدره، كما يدسع البعير جرته. ثم إنك ترى نصبة الكلام وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، وتباعده عن وهمك، وتجتهد أن لا يدور في خلدك، ولا يعرض لخاطرك، وتراك كأنك تتوقاه توقي الشيء تكره مكانه، والثقيل تخشى هجومه.
أمثلة من لطيف حذف المبتدأ:
ومن لطيف الحذف قول بكر بن النطاح:
62
ج ١ · ص ١٥١
العين تبدي الحب والغضا ... وتظهر الإبرام والنقضا
درة، ما أنصفتني في الهوى ... ولا رحمت الجسد المنضى
غضبى، ولا والله يا أهلها ... لا أطعم البارد أو ترضى1
يقوله في جارية كان يحبها2، وسعي به إلى أهلها فمنعوها منه.
والمقصود قوله: "غضبى"، وذلك أن التقدير "هي غضبى" أو "غضبى هي" لا محالة، ألا ترى أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف3، وكيف تأنس إلى إضماره؟ وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به؟
ومن جيد الأمثلة في هذا الباب قول الآخر، يخاطب امرأته وقد لامته على الجود:
قالت سمية: قد غويت بأن رأت ... حقا تناوب مالنا ووفود
غي لعمرك لا أزال أعوده ... ما دام مال عندنا موجود4
المعنى: "ذاك غي لا أزال أعود إليه، فدعي عنك لومي".
خلاصة في شأن ما يحذف:
وإذ عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ، فاعلم أن ذلك سبيله في كل شيء، فما من اسم أو فعل تجده قد حذف، ثم أصيب به موضعه، وحذف في الحال ينبغي أن يحذف فيها5، إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره، وترة إضماره في النفس أولى وآنس من النطق به.