56
ج ١ · ص ١٤٢
كان السؤال عن المعطي، أكان ممن عرفه قبل، أم كان إنسانا لم تتقدم منه معرفة له1.
تقديم النكرة في الخبر ومعناه:
وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في "الاستفهام" فأين "الخبر" عليه. فإذا قلت: "رجل جاءني": لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت. فإن لم ترد ذاك، كان الواجب أن تقول: "جاءني رجل"، فتقدم الفعل.
وكذلك إن قلت: "رجل طويل جاءني" لم يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد أتاك قصير، أو نزلته منزلة من ظن ذلك.
تفسير قولهم: "شر أهر ذاناب":
وقولههم "شراهر ذا ناب"2، إنما قدم فيه "شر"، لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول: "رجل جاءني" تريد أنه رجل لا امرأة، وقول العلماء إنه إنما يصلح،3 لأنه بمعنى "ما أهر ذا ناب إلا شر".
بيان لذلك: ألا ترى أنك لا تقول: "ما أتاني إلا رجل"، إلا حيث يتوهم السامع أنه قد أتتك امرأة، ذاك لأن الخبر ينقض النفي يكون حيث يراد
الكناية والاستعارة والتمثيل بالاستعارة
ج ١ · ص ١٤٣
أن يقصر الفعل على شيء1، وينفى عما عداه. فإذا قلت: "ما جاءني إلا زيد"، كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد، ونفيته عن كل من عداه. وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم، ومتى لم يرد بالنكرة الجنس، لم يقف منها السامع على معلوم، حتى تزعم أني أقصر له الفعل عليه، وأخبره أنه كان منه دون غيره.
واعلم أنا لم نرد بما قلناه2، من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم: "شر أهر ذا ناب"، لأنه أريد به الجنس، أن معنى "شر" و "الشر" سواء3، وإنما أردنا أن الغرض من الكلام أن نبين أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، كما أنا إذا قلنا في قولهم: "أرجل أتاك أم المرأة أتاك" ولكنا نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي أهو من جنس الرجال أم جنس النساء؟ فالنكرة إذن على أصلها منكونها لواحد من الجنس، إلا أن القصد منك لم يقع إلى كونه واحدا، وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال.
وعكس هذا أنك إذا قلت: "أرجل أتاك أم رجلان؟ "، كان القصد منك إلى كونه واحدا، دون كونه رجلا، فاعرف ذلك أصلا، وهو أنه قد يكون في