تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

56 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٤٠ من ٦٧٠.

56

ج ١ · ص ١٤١

فصل: "هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل، أو قدم الفعل عليها"

النكرة وتقديمها على الفعل في الاستفهام:

إذا قلت: "أجاءك رجل؟ "، فأنت تريد أن تسأله هل كان مجيء من واحد من الرجال إليه1، فإن قدمت الاسم فقلت: "أرجل جاءك؟ "، فأنت تسأله عن جنس من جاءه، أرجل هو أم امرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي، فسبيلك في ذلك سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتي فقلت: "أزيد جاءك أم عمرو؟ ".

ولا يجوز تقديم الاسم في المسئلة الأولى2، لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل، والسؤال عن الفاعل يكون إما عن عينه أو عن جنسه، ولا ثالث. وإذا كان كذلك، كان محالا أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس، لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق، من حيث لا يبقى بعد الجنس إلا العين. والنكرة لا تدل على عين شيء فيسأل بها عنه.

فإن قلت: "أرجل طويل جاءك أم قصير؟ "، كان السؤال عن أن الجائي كان3، من جنس طوال الرجال أم قصارهم؟ فإن وصفت النكرة بالجملة فقلت: "أرجل كنت عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه"،

ج ١ · ص ١٤٢

كان السؤال عن المعطي، أكان ممن عرفه قبل، أم كان إنسانا لم تتقدم منه معرفة له1.

تقديم النكرة في الخبر ومعناه:

وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في "الاستفهام" فأين "الخبر" عليه. فإذا قلت: "رجل جاءني": لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت. فإن لم ترد ذاك، كان الواجب أن تقول: "جاءني رجل"، فتقدم الفعل.

وكذلك إن قلت: "رجل طويل جاءني" لم يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد أتاك قصير، أو نزلته منزلة من ظن ذلك.

تفسير قولهم: "شر أهر ذاناب":

وقولههم "شراهر ذا ناب"2، إنما قدم فيه "شر"، لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول: "رجل جاءني" تريد أنه رجل لا امرأة، وقول العلماء إنه إنما يصلح،3 لأنه بمعنى "ما أهر ذا ناب إلا شر".

بيان لذلك: ألا ترى أنك لا تقول: "ما أتاني إلا رجل"، إلا حيث يتوهم السامع أنه قد أتتك امرأة، ذاك لأن الخبر ينقض النفي يكون حيث يراد

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م