تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

49 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٢٧ من ٦٧٠.

49

ج ١ · ص ١٢٨

لذلك تبدأ بذكره، وتوقعه أولا ومن قبل أن تذكر الفعل في نفسه1، لكي تباعده بذلك من الشبهة، وتمنعه من الإنكار، أو من أن يظن بك الغلط أو التزيد. ومثاله قولك: "هو يعطي الجزيل"، و "هو يحب الثناء"، لا تريد أن تزعم أنه ليس هنا من يعطي الجزيل ويحب الثناء غيره، ولا أن تعرض بإنسان وتحطه عنه، وتجعله لا يعطي كما يعطي، ولا يرغب كما يرغب2، ولكنك تريد أن تحقق على السامع أن إعطاء الجزيل وحب الثناء دأبه، وأن تمكن ذلك في نفسه.

ومثاله في الشعر:

هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا3

لم يرد أن يدعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها، وينص عليهم فيها، حتى كأنه يعرض بقوم آخرين، فينفي أن يكونوا أصحابها. هذا محال. وإنما أراد أن يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل، وأنهم يقتعدون الجياد منها4، وأن ذلك دأبهم، من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم، إلا أنه بدأ بذكرهم لينبه السامع لهم، ويعلم بديا قصده إليهم بما في نفسه من الصفة5،

ج ١ · ص ١٢٩

ليمنعه بذلك من الشك، ومن توهم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم، أو أن يكون قد أراد غيرهم فغلط إليه.

وعلى ذلك قول الآخر:

هم يضربون الكبش يبرق بيضه، ... على وجهه من الدماء سبائب1

لم يرد أن يدعي لهم الانفراد، ويجعل هذا الضرب لا يكون إلا منهم، ولكن أراد الذي ذكرت لك، من تنبيه السامع لقصدهم بالحديث من قبل ذكر الحديث، ليحقق الأمر ويؤكده.

ومن البين فيه قول عروة بن أذينة:

سليمى أزمعت بينا ... فأين نقولها أينا2

وذلك أنه ظاهر معلوم أنه لم يرد أن يجعل هذا الإزماع لها خاصة، ويجعلها من جماعة لم يزمع البين منهم أحد سواها. هذا محال، ولكنه أراد أن

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م