42
ج ١ · ص ١١٥
ومثل ذلك قولك للرجل يدعي أمرا وأنت تنكره1: "متى كان هذا؟ أفي ليل أم نهار؟ " وتضع الكلام وضع من سلم أن ذلك قد كان، ثم تطالبه ببيان وقته، لكي يتبين كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا ويفتضح. ومثله قولك: "من أمرك بهذا منا؟ وأينا أذن لك فيه؟ "، وأنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم، إلا أنك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيق عليه، وليظهر كذبه حين لا يستطيع أن يقول: "فلان"، وأن يحيل على واحد2.
تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل مضارع في الاستفهام:
وإذ قد بينا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم، والفعل ماض، فينبغي أن تنظر فيه والفعل مضارع.
والقول في ذلك أنك إذا قلت: "أتفعل؟ " و "أأنت تفعل؟ " لم يخل من أن تريد الحال أو الاستقبال. فإن أردت الحال كان المعنى شبيها بما مضى في الماضي، فإذا قلت: "أتفعل؟ " كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله، وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن وإذا قلت: "أأنت تفعل؟ "، كان المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل، وكان أمر الفعل في وجوده ظاهرا، وبحيث لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن وإن أردت ب "تفعل" المستقبل، كان المعنى إذا بدأت بالفعل على أنك تعمد بالإنكار إلى الفعل نفسه، وتزعم أنه لا يكون، أو أنه لا ينبغي أن يكون، فمثال الأول:
43
ج ١ · ص ١١٦
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ 1
فهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل2، وإنكار أن يقدر على ذلك ويستطيعه. ومثله أن يطمع طامع في أمر لا يكون مثله، فتجهله في طمعه فتقول: "أيرضى عنك فلان وأنت مقيم على ما يكره؟ أتجد عنده ما تحب وقد فعلت وصنعت؟ "، وعلى ذلك قوله تعالى: {أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} [هود: 28].
ومثال الثاني، قولك لرجل يركب الخطر: "أتخرج في هذا الوقت؟ أتذهب في غير الطريق؟ أتغرر بنفسك" وقولك لرجل يضيع الحق: "أتنسى قديم إحسان فلان؟ أتترك صحبته وتتغير عن حالك معه لأن تغير الزمان؟ " كما قال:
أأترك أن قلت دراهم خالد ... زيارته إني إذا للئيم3
تفسير تقديم الفعل المضارع:
وجملة الأمر أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل، فإن بدأت بالاسم فقلت: "أأنت تفعل؟ " أو قلت" "أهو يفعل؟ "، كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور، وأبيت أن تكون بموضع أن يجيء منه الفعل وممن يجيء منه، وأن يكون بتلك المثابة.