تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

40 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١١١ من ٦٧٠.

40

ج ١ · ص ١١٢

الفاعل من هو؟ وكان يصح أن يكون سؤالا عن الفعل أكان أم لم يكن؟ لكان ينبغي أن يستقيم ذلك1.

واعلم أن هذا الذي ذكرت لك في "الهمزة وهي للاستفهام" قائم فيها إذا هي كانت للتقرير. فإذا قلت: "أأنت فعلت ذاك؟ "، كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل.

الاستفهام للتقرير:

يبين ذلك قوله تعالى، حكاية عن قول نمروذ2: {أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} [الأنبياء: 62] لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له عليه السلام وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر بأنه منه كان، وكيف؟ 3 وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم: {أأنت فعلت هذا}، وقال هو عليه السلام في الجواب4: {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63]، ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب: "فعلت، أو: لم أفعل".

فإن قلت: أو ليس إذا قال "أفعلت؟ " فهو يريد أيضا أن يقرره بأن الفعل كان منه5، لا بأنه كان على الجملة، فأي فرق بين الحالين؟

41

ج ١ · ص ١١٣

فإنه إذا قال1: "أفعلت؟ " فهو يقرره بالفعل من غير أن يردده بينه وبين غيره2، وكان كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة وإذا قال: "أأنت فعلت؟ "، كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره، ولم يكن منه في نفي الفعل تردد3، ولم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أكان الفعل أم لم يكن، بدلالة أنك تقول لك والفعل ظاهر موجود مشار إليه، كما رأيت في الآية.

واعلم أن "الهمزة" فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان، وإنكار له لم كان، وتوبيخ لفاعله عليه.

ولها مذهب آخر، وهو أن يكون الإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله. ومثاله قوله تعالى {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما} [الإسراء: 40]، وقوله: عز وجل: {أصطفى البنات على البنين، ما لكم كيف تحكمون} [الصافات: 153، 154]، فهذا رد على المشركين وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم، وإذا قدم الاسم فيهذا صار الإنكار في الفاعل. ومثاله قولك للرجل قد انتحل شعرا: "أأنت قلت هذا الشعر؟ كذبت، لست ممن يحسن مثله"، أنكرت أن يكون القائل ولم تنكر الشعر.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م