النوع التاسع والعشرون: في آداب تلاوتها وكيفيتها
ج ٢ · ص ٣
من الأحكام ومن أراد الوقوف على ذلك فليطالع كتاب الإمام الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
ثم هو قسمان:
أحدهما: ما صرح به في الأحكام؛ وهو كثير وسورة البقرة والنساء والمائدة والأنعام مشتملة على كثير من ذلك والثاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط. ثم هو على قسمين: أحدهما: ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى كاستنباط الشافعي تحريم الاستمناء باليد من قوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} إلى قوله: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} واستنباط صحة أنكحة الكفار من قوله تعالى: {امرأت فرعون} {وامرأته حمالة الحطب} ونحوه.
واستنباطه عتق الأصل والفرع بمجرد الملك من قوله تعالى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} فجعل العبودية منافية للولادة حيث ذكرت في مقابلتها فدل على أنهما لا يجتمعان.
واستنباطه حجية الإجماع من قوله: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} واستنباطه صحة صوم الجنب من قوله تعالى: {فالآن باشروهن} إلى قوله: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} فدل على جواز الو قاع في جميع الليل، ويلزم منه تأخير الغسل إلى النهار؛ وإلا لوجب أن يحرم الوطء إلى آخر جزء من الليل بمقدار ما يقع الغسل فيه.
ج ٢ · ص ٤
والثاني: ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى، كاستنباط علي وابن عباس رضي الله عنهما أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} مع قوله: {وفصاله في عامين} ؛ وعليه جرى الشافعي واحتج بها أبو حنيفة على أن أكثر الرضاع سنتان ونصف ثلاثون شهرا.
ووجهه أن الله تعالى قدر لشيئين مدة واحدة فانصرفت المدة بكمالها إلى كل واحد منهما، فلما قام النص في أحدهما بقي الثاني على أصله، ومثل ذلك بالأجل الواحد للدينين، فإنه مضروب بكماله لكل واحد منهما، وأيضا فإنه لابد من اعتبار مدة يبقى فيها الإنسان بحيث يتغير الغذاء، فاعتبرت مدة يعتاد الصبي فيها غذاء طبيعيا غير اللبن، ومدة الحمل قصيرة، فقدمت الزيادة على الحولين.
فإن قيل: العادة الغالبة في مدة الحمل تسعة أشهر، وكان المناسب في مقام الامتنان ذكر الأكثر المعتاد، لا الأقل النادر كما في جانب الفصال.
قلنا: لأن هذه المدة أقل مدة الحمل، ولما كان الولد لا يعيش غالبا إذا وضع لستة أشهر، كانت مشقة الحمل في هذه المدة موجودة لا محالة في حق كل مخاطب، فكان ذكره أدخل في باب المناسبة، بخلاف الفصال لأنه لا حد لجانب القلة فيه، بل يجوز أن يعيش الولد بدون ارتضاع من الأم؛ ولهذا اعتبر فيه الأكثر، لأنه الغالب، ولأنه اختياري؛ كأنه قيل: حملته ستة أشهر لا محالة إن لم تحمله أكثر.
ومثله استنباط الأصوليين أن تارك الأمر يستحق العقاب من قوله تعالى: {أفعصيت أمري} مع قوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} ، وكذلك