تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬١٢٥ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ١١٨

الجبال أكنانا} وقوله في صدر السورة: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} .

فإن قيل: فما الحكمة في ذكر الوقايتين بعد قوله: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا} ،فإن هذه وقاية الحر، ثم قال: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} ،فهذه وقاية البرد على عادة العرب؟.

قيل: لأن ما تقدم بالنسبة إلى المساكن وهذه إلى الملابس، وقوله: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} لم يذكره السهيلي، وفيه الجوابان السابقان.

وأمثلة هذا القسم كثيرة، كقوله تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار} .

فإنه قيل: المراد: [وما تحرك] وإنما آثر ذكر السكون لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ولأن الساكن أكثر عددا من المتحرك أو لأن كل متحرك يصير إلى السكون ولأن السكون هو الأصل والحركة طارئة.

وقوله: {بيدك الخير} تقدير: [والشر] إذ مصادر الأمور كلها بيده جل جلاله وإنما آثر ذكر الخير لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم إليه أو لأنه أكثر وجودا في العالم من الشر ولأنه يجب في باب الأدب ألا يضاف إلى الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك".

وقيل: إن الكلام إنما ورد ردا على المشركين فيما أنكروه مما وعده الله به على لسان جبريل من فتح بلاد الروم وفارس ووعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فلما كان الكلام في الخير خصه بالذكر باعتبار الحال.

ج ٣ · ص ١١٩

وقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} ،أي والشهادة لأن الإيمان بكل منهما واجب وآثر الغيب لأنه أبدع ولأنه يستلزمالإيمان بالشهادة من غير عكس.

ومثله: {أم يجعل له ربي أمدا. عالم الغيب} ،أي والشهادة بدليل التصريح به في موضع آخر.

وقوله: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} ،فإنه سبحانه ذكر أولا الظلمات والرعد والبرق وطوى الباقي.

ومنه قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر} أي والبر، وإنما آثر ذكر البحر لأن ضرره أشد.

وقوله: {وما بينهما ورب المشارق} ،أي والمغارب.

وقوله: {لا يسألون الناس إلحافا} أي ولا غير إلحاف.

وقوله: {من أهل الكتاب أمة قائمة} ،أي وأخرى غير قائمة.

وقوله: {ولتستبين سبيل المجرمين} ،أي والمؤمنين.

وقوله: {هدى للمتقين} ،أي والكافرين. قاله ابن الأنباري، ويؤيده قوله: {هدى للناس} .

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م