تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬١٢٠ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ١١٣

وشرط بعضهم في الدليل اللفظي أن يكون على وفق المحذوف. وأنكر قول الفراء في قوله تعالى: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه. بلى قادرين على أن نسوي بنانه} أن التقدير: بلى حسبنا قادرين والحساب المذكور بمعنى الظن والمحذوف بمعنى العلم إذ التردد في الإعادة كفر فلا يكون مأمورا به.

ويجاب بأن الحساب المقدر بمعنى الجزم والاعتقاد لا بمعنى الظن وتقديره بذلك أولى لموافقته الملفوظ.

وقد يدل على المحذوف ذكره في مواضع أخر:.

منها: وهو أقواها، كقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} أي أمره بدليل قوله: {أو يأتي أمر ربك} .

وقوله في آل عمران: {وجنة عرضها السماوات والأرض} ،أي كعرض بدليل التصريح به في آية الحديد.

وفيه إيجاز بليغ فإنه إذا كان العرض كذلك فما ظنك بالطول! كقوله: {بطائنها من إستبرق} .

وقيل: إنما أراد التعظيم والسعة لأحقية العرض، كقوله:

كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المظلوم كفة حابل

ومنها: ألا يكون الفعل طالبا له بنفسه، فإن كان امتنع حذفه كالفاعل ومفعول ما لم يسم فاعله واسم كان وأخواتها وإنما لم يحذف لما في ذلك من نقض الغرض.

ج ٣ · ص ١١٤

ومنها: قال أبو الفتح بن جني ومن حق الحذف أن يكون في الأطراف لا في الوسط لأن طرف الشيء أضعف من قلبه ووسطه، قال تعالى: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} وقال الطائي الكبير:

كانت هي الوسط الممنوع فاستلبت ما حولها الخيل حتى أصبحت طرفا

فكأن الطرفين سياج للوسط ومبذولان للعوراض دونه، ولذلك تجد الإعلال عند التصريفيين بالحذف منها فحذفوا الفاء في المصادر من باب وعد نحو العدة والزنة والهبة واللام في نحواليد والدم والفم والأب والأخ وقلما تجد الحذف في العين لما ذكرنا وبهذا يظهر لطف هذه اللغة العربية.

تنبيهات:.

الأول: قد توجب صناعة النحو التقدير وإن كان المعنى غير متوقف عليه كما في قوله" لا إله إلا الله " فإن الخبر محذوف وقدره النحاة: [موجود] أو [لنا] .

وأنكره الإمام فخر الدين وقال: هذا كلام لا يحتاج إلى تقدير وتقديرهم فاسد لأن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة فإنها إذا انتفت مطلقة كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد وإذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر.

ولا معنى لهذا الإنكار فإن تقدير [في الوجود] يستلزم نفي كل إله غير الله قطعا فإن العدم لا كلام فيه فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة. ثم لا بد من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر ظاهرا أو مقدرا وإنما يقدر النحوي القواعد حقها وإن كان المعنى مفهوما وتقديرهم هنا أو غيره ليروا صورة التركيب من حيث.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م