تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٠٩٨ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٩١

الثاني: أنه فعل كذا لكذا أو أمر بكذا لكذا كقوله تعالى: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} .

وقوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا} .

{جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} .

{لئلا يعلم أهل الكتاب} .

{وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم} .

{وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} .

{وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به} وهو كثير.

فإن قيل: اللام فيه للعاقبة كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} ،وقوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة} ،وإنما قلنا ذلك لأن أفعال الله تعالى لا تعلل.

فالجواب أن معنى قولنا: إن أفعال الله تعالى لا تعلل أي لا تجب ولكنها لا تخلو عن الحكمة وقد أجاب الملائكة عن قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} بقوله: {قال إني أعلم ما لا تعلمون} .

ولو كان فعله سبحانه مجردا عن الحكم والغايات لم يسأل الملائكة عن حكمته ولم يصح الجواب بكونه يعلم ما لا يعلمون من الحكمة والمصالح وفرق بين العلم والحكمة،.

ج ٣ · ص ٩٢

ولأن لام العاقبة إنما تكون في حق من يجهل العاقبة كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} وأما من هو بكل شيء عليم فمستحيلة في حقه وإنما اللام الواردة في أحكامه وأفعاله لام الحكمة والغاية المطلوبة من الحكمة ثم قوله: {ليكون لهم عدوا وحزنا} هو تعليل لقضاء الله بالتقاطه وتقديره لهم فإن التقاطهم لهم إنما كان بقضائه وقدره وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه حزنا لهم وحسرة عليهم.

قاعدة تفسيرية:.

حيث دخلت واو العاطف على لام التعليل فله وجهان:.

أحدهما: أن يكون تعليلا معلله محذوف كقوله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} ، فالمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ذلك.

الثاني: أن يكون معطوفا على علة أخرى مضمرة ليظهر صحة العطف كقوله تعالى: {وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى} ، التقدير: ليستدل بها المكلف على قدرته تعالى ولتجزى. وكقوله: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه} ، التقدير: ليتصرف فيها ولنعلمه.

والفرق بين الوجهين: أنه في الأول عطف جملة على جملة، وفي الثاني عطف مفرد على مفرد.

وقد يحتملهما الكلام كقوله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} ، فالتقدير على الأول ولنجعله آية فعلنا ذلك، وعلى الثاني: ولنبين للناس قدرتنا ولنجعله آية ويطرد الوجهان في نظائره ويرجح كل واحد بحسب المقام وحذف المعلل هاهنا أرجح إذ لو فرض علة أخرى لم يكن بد من معلل محذوف وليس قبلها ما يصلح له.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م