تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٠٩٣ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٨٦

وأما قوله تعالى: {نذيرا للبشر} ،فإن كان [نذيرا] بمعنى المنذر، فهو مثل: {فعال لما يريد} ، وإن كان بمعنى الإنذار فاللام مثلها في: [سقيا لزيد] .

وقد تجيء اللام للتوكيد بعد النفي وتسمى لام الجحود وتقع بعد [كان] مثل: {وما كان الله ليعذبهم} ،اللام لتأكيد النفي كالباء الداخلة في خبر [ليس] ، ومعنى قولهم: [إنها للتأكيد] أنك إذا قلت: ما كنت أضربك. بغير لام، جاز أن يكون الضرب مما يجوز كونه فإذا قلت ما كنت لأضربك فاللام جعلته بمنزلة ما لا يكون أصلا.

وقد تأتي مؤكدة في موضع وتحذف في آخر لاقتضاء المقام ذلك.

ومن أمثلته قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} فإنه سبحانه أكد إثبات الموت الذي لا ريب فيه تأكيدين وأكد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا وكان المتبادر العكس لأن التأكيد إنما يكون حيث الإنكار لكن في النظم وجوه:.

أحدها: أن البعث لما قامت البراهين القطعية عليه صار المنكر له كالمنكر للبدهيات فلم يحتج إلى تأكيد وأما الموت فإنه وإن أقروا به لكن لما لم يعلموا ما بعده نزلوا منزلة من لم يقر به فاحتاج إلى تأكيد ذلك لأنه قد ينزل المنكر كغير المنكر إذا كان معه مالو تأمله ارتدع من الإنكار. ولما ظهر على المخاطبين من التمادي في الغفلة والإعراض عن العمل.

ج ٣ · ص ٨٧

لما بعده والانهماك في الدنيا وهي من أمارات إنكار الموت فلهذا قال: [ميتون] ولم يقل: تموتون وإنما أكد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا لظهور أدلته المزيلة للإنكار إذا تأملوا فيها ولهذا قيل: تبعثون على الأصل، وهو الاستقبال بخلاف [تموتون] .

الثاني: أن دخول اللام على ميتون أحق لأنه تعالى يرد على الدهرية القائلين ببقاء النوع الإنساني خلفا عن سلف وقد أخبر تعالى عن البعث في مواضع من القرآن وأكده وكذب منكره كقوله: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} قاله الشيخ تاج الدين بن الفركاح.

الثالث: أنه لما كان العطف يقتضي الاشتراك في الحكم استغني به عن إعادة لفظ اللام وكأنه قيل: [لتبعثون] واستغني بها في الثاني لذكرها في الأول.

الرابع: قال الزمخشري بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان أن يكون الموت نصب عينيه ولا يغفل عن ترقبه فإن مآله إليه فكأنه أكدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى لأن الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي كأنه مخلد ولم يؤكد جملة البعث إلا ب[إن] لأنه أبرز بصورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ولا يقبل إنكارا.

قلت: هذه الأجوبة من جهة المعنى وأما الصناعة فتوجب ما جاءت الآية الشريفة عليه وهو حذف اللام في [تبعثون] لأن اللام تخلص المضارع للحال فلا يجاء به مع يوم القيامة لأنه مستقبل ولأن تبعثون عامل في الظرف المستقبل.

وأما قوله: {وإن ربك ليحكم بينهم} فيمكن تأويلها بتقدير عامل.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م