تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٠٥٢ من ١٬٩٢٦.

النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة

ج ٣ · ص ٤٥

الكتاب لتبيننه} {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} .

الرابعة: القسم والشرط، يدخل كل منهما على الآخر، فإن تقدم القسم ودخل الشرط بينه وبين الجواب كان الجواب للقسم وأغنى عن جواب الشرط وإن عكس فبالعكس وأيهما تصدر كان الاعتماد عليه والجواب له.

ومن تقدم القسم قوله تعالى: {لئن لم تنته لأرجمنك} ، تقديره: [والله لئن لم تنته] فاللام الداخلة على الشرط ليس بلام القسم ولكنها زائدة وتسمى الموطئة للقسم ويعنون بذلك أنها مؤذنة بأن جواب القسم منتظر أي الشرط لا يصلح أن يكون جوابا لأن الجواب لا يكون إلا خبرا.

وليس دخولها على الشرط بواجب بدليل حذفها في قوله تعالى: {وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} .

والذي يدل على الجواب للقسم لا للشرط دخول اللام فيه وأنه ليس بمجزوم بدليل قوله تعالى: {لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} ولو كان جواب الشرط لكان مجزوما.

وأما قوله تعالى: {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون} ،فاللام في [ولئن] هي الموطئة للقسم واللام في {لإلى الله} هي لام القسم ولم تدخل نون التوكيد على الفعل للفصل بينه وبين اللام بالجار والمجرور. والأصل: [لئن متم أو قتلتم لتحشرون إلى الله] فلما قدم معمول الفعل عليه حذف منه.

ج ٣ · ص ٤٦

القسم التاسع عشر: إبراز الكلام في صورة المستحيل على طريق المبالغة ليدل على بقية جمله.

كقول العرب: لا أكلمك حتى يبيض القار وحتى يشيب الغراب وكقوله تعالى: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} ، يعني والجمل لا يلج في السم، فهؤلاء لا يدخلون فهو في المعنى متعلق بالحال فالمعنى أنهم لا يدخلون الجنة أصلا وليس للغاية هنا مفهوم ووجه التأكيد فيه كدعوى الشيء ببينة لأنه جعل ولوج الجمل في السم غاية لنفي دخولهم الجنة وتلك غاية لا توجد فلا يزال دخولهم الجنة منتفيا.

وغالى بعض الشعراء في وصف جسمه بالنحول فجاء بما يزيد على الآية فقال ولو أن ما بي من جوى وصبابة على جمل لم يبق في النار خالد وهذا على طريقة الشعراء في اعتبار المبالغة وإلا فمعارضات القرآن لا تجوز كما سبق التنبيه عليه.

ومنه قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} فإن المعنى إن كان ما سلف في الزمن السالف يمكن رجوعه فحله ثابت لكن لا يمكن رجوعه أبدا ولا يثبت حله أبدا وهو أبلغ في النهي المجرد.

ومنه قوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} ،أي ولكن ليس له ولد فلا أعبد سواه.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م