النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٣ · ص ٢٣
ومنه تكرار الإضراب.
واعلم أن بل إذا ذكرت بعد كلام موجب فمعناها الإضراب.
وهو إما أن يقع في كلام الخلق ومعناه إبطال ما سبق على طريق الغلط من المتكلم أو أن الثاني أولى.
وإما أن يقع في كلام الله تعالى وهو ضربان:.
أحدهما: أن يكون ما فيها من الرد راجعا إلى العباد كقوله تعالى: {قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} .
والثاني: أن يكون إبطالا ولكنه على أنه قد انقضى وقته وأن الذي بعده أولى بالذكر كقوله تعالى: {بل ادارك علمهم في الآخرة} . {بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب} .
وزعم ابن مالك في شرح [الكافية] أن [بل] حيث وقعت في القرآن فإنها للاستئناف لغرض آخر لإبطال وهو مردود بما سبق وبقوله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} ،فأضرب بها عن قولهم، وأبطل كذبهم.
وقوله: {بل أنتم قوم عادون} أضرب بها عن حقيقة إتيانهم الذكور وترك الأزواج.
ومنه قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله} ،.
ج ٣ · ص ٢٤
فالأول للمطلقين والثاني للشهود، نحو: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} ،أولها للأزواج وآخرها للأولياء.
ومنه تكرار الأمثال، كقوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات} .
وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة ثناه الله تعالى.
قال الزمخشري:" والثاني أبلغ من الأول لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته"، قال:" ولذلك أخر وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ".
ومنه تكرار القصص في القرآن كقصة إبليس في السجود لآدم وقصة موسى وغيره من الأنبياء، قال بعضهم: ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه، قال ابن العربي في القواصم:" ذكر الله قصة نوح في خمسة وعشرين آية، وقصة موسى في سبعين آية". انتهى.
وإنما كررها لفائدة خلت عنه في الموضع الآخر وهي أمور: