النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٣ · ص ٨
وقال الكوفيون: هو مصدر "فعل" والألف عوض من الياء في التفعيل والأول مذهب سيبويه.
وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة ظنا أنه لا فائدة له وليس كذلك بل هو من محاسنها لاسيما إذا تعلق بعضه ببعض وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذ أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه أو قصدت الدعاء عليه كررته توكيدا وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه أو الاجتهاد في الدعاء عليه حيث تقصد الدعاء وإنما نزل القرآن بلسانهم وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة وعلى ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة وكلها داعية إلى الشهوات ولا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ والقوارع قال تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر} قال في "الكشاف" أي سهلناه للادكار والاتعاظ بأن نسجناه بالمواعظ الشافية وصرفنا فيه من الوعد والوعيد.
ثم تارة يكون التكرار مرتين كقوله: {فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر} .
وقوله: {أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى} .
وقوله: {لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين} .
وقوله: {كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} .
ج ٣ · ص ٩
وقوله تعالى: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله} .
وقوله: {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} .
وفائدته العظمى التقرير وقد قيل الكلام إذا تكرر تقرر.
وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والأخبار في القرآن فقال: {ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون} .
وقال: {وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا} .
وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى خشية تناسي الأول لطول العهد به.
فإن أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه كقوله تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} .
فأعاد قوله: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} قوله: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} لا لتقرير الأول بل لغرض آخر لأن معنى الأول الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها ومعنى الثاني أنه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والإخلاص ولذلك قدم المفعول على فعل العبادة في الثاني.