تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

النوع الحادي والثلاثون: معرفة الأمثال الكائنة فيه — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ٥٣٠ من ١٬٩٢٦.

النوع الحادي والثلاثون: معرفة الأمثال الكائنة فيه

ج ٢ · ص ٣٧

ذلك بقوله: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} وهذا الناسخ مقدم في النظم على المنسوخ

قال القاضي أبو المعالي: وليس في القرآن ناسخ تقدم على المنسوخ إلا في موضعين: هذا أحدهما والثاني قوله: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} الآية فإنها ناسخة لقوله: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} .

قلت: وذكر بعضهم موضعا آخر وهو قوله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} هي متقدمة في التلاوة ولكنها منسوخة بقوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} .

وقيل: في تقديم الناسخة فائدة وهي أن تعتقد حكم المنسوخة قبل العلم بنسخها

ويجيء موضع رابع وهو آية الحشر في قوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} الآية فإنه لم يذكر فيها شيء للغانمين ورأى الشافعي أنها منسوخة بآية الأنفال وهي قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} .

واعلم أن هذا الضرب ينقسم إلى ما يحرم العمل به ولا يمتنع كقوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} ثم نسخ الوجوب. ومنه قوله: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} قيل: منسوخ بقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} .

ج ٢ · ص ٣٨

وقوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} نسختها آيات القيامة والكتاب والحساب.

وهنا سؤال وهو أن يسأل: ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟ والجواب من وجهين: أحدهما أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة

وثانيهما: أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة وأما حكمة النسخ قبل العمل كالصدقة عند النجوى فيثاب على الإيمان به وعلى نية طاعة الأمر

الثالث: نسخهما جميعا فلا تجوز قراءته ولا العمل به كآية التحريم بعشر رضعات فنسخن بخمس قالت عائشة: " كان مما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن" رواه مسلم

وقد تكلموا في قولها وهي "مما يقرأ" فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي وبعض الناس يقرؤها

وقال أبو موسى الأشعري: نزلت ثم رفعت.

وجعل الواحدي من هذا ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر وفيه نظر

وحكى القاضي أبو بكر في الانتصار عن قوم إنكار هذا القسم لأن

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م