تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

النوع الثامن والعشرون: هل في القرآن شيء أفضل من شيء — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ٤٨٩ من ١٬٩٢٦.

النوع الثامن والعشرون: هل في القرآن شيء أفضل من شيء

ج ١ · ص ٤٨٨

أما استعارته للحال فكقوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} أي حالهم العجيب الشأن كحال الذي استوقد نارا

وأما استعارته للوصف فكقوله تعالى: {ولله المثل الأعلى} أي الوصف الذي له شأن وكقوله: {مثلهم في التوراة ومثلهم في الأنجيل} وكقوله: {كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا} وقوله: {كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} وقوله سبحانه: {كمثل الحمار يحمل أسفارا}

وأما استعارته للقصة فكقوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة ثم أخذ في بيان عجائبها

لا يقال: إن في هذه الأقسام الثلاثة تداخلا فإن حال الشيء هي وصفه ووصفه هو حاله لأنا نقول الوصف يشعر ذكره بالأمور الثابتة الذاتية أو قاربها من جهة اللزوم للشيء وعدم الانفكاك عنه وأما الحال فيطلق على ما يتلبس به الشخص مما هو غير ذاتي له ولا لازم فتغايرا وإن أطلق أحدهما على الآخر فليس ذلك إطلاقا حقيقيا وقد يكون الشيء مثلا له في الجرم وقد يكون ما تعلقه النفس ويتوهم من الشيء مثلا كقوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} معناه أن الذي يتحصل في النفس الناظر في أمرهم كالذي يتحصل في نفس الناظر من أمر المستوقد قاله ابن عطية وبهذا يزول الإشكال الذي في تفسير قوله: {مثل الجنة} وقوله: {ليس كمثله شيء} لأن ما يحصل للعقل من وحدانيته وأزليته ونفي ما لا يجوز عليه ليس يماثله فيه شيء

ج ١ · ص ٤٨٩

وذلك المتحصل هو المثل الأعلى في قوله تعالى: {ولله المثل الأعلى} وقد جاء: {أنه لا إله إلا الله} ففسر بجهة الوحدانية

وقال مجاهد في قوله تعالى: {وقد خلت من قبلهم المثلات} هي الأمثال وقيل العقوبات

وقال الزمخشري: المثل في الأصل بمعنى المثل أي النظير يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ثم قال ويستعار للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة

وظاهر كلام أهل اللغة أن المثل بفتحتين الصفة كقوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} وكذا: {مثل الجنة} وما اقتضاه كلامه من اشتراط الغرابة مخالف أيضا لكلام اللغويين وما قاله من أن المثل والمثل بمعنى ينبغي أن يكون مراده باعتبار الأصل وهو الشبه وإلا فالمحققون كما قاله ابن العربي على أن المثل بالكسر عبارة عن شبه المحسوس وبفتحها عبارة عن شبه المعاني المعقولة فالإنسان مخالف للأسد في صورته مشبه له في جراءته وحدته فيقال للشجاع أسد أي يشبه الأسد في الجرأة ولذلك يخالف الإنسان الغيث في صورته والكريم من الإنسان يشابهه في عموم منفعته

وقال غيره لو كان المثل والمثل سيان للزم التنافي بين قوله: {ليس كمثله شيء} وبين قوله: {ولله المثل الأعلى} فإن الأولى نافية له والثانية مثبتة له

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م