تابع النوع السادس والأربعون
ج ٤ · ص ٤٨
ولعله للتنصيص على الإحياء الذي أنكروه {قل من رب السماوات السبع} وقوله {خلقهن العزيز العليم} لأن ظاهر أمرهم أنهم كانوا معطلة ودهرية فأريد التنصيص على اعترافهم بأنها مخلوقة
وقوله: {نبأني العليم الخبير} لأنها استغربت حصول النبأ الذي أسرته
وقال ابن الزملكاني في البرهان أطلق النحويون القول بأن زيدا فاعل إذا قلت: زيد في جواب من قام على تقدير قام زيد والذي يوجبه جماعة علم البيان أنه مبتدأ لوجهين:
أولهما: أنه مطابق للجملة التي هي جواب الجملة المسئول بها في الاسمية كما وقع التطابق في قوله تعالى {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} في الجملة الفعلية وإنما لم يقطع التطابق في قوله تعالى {ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} لأنهم لو طبقوا لكانوا مقرين بالإنزال وهم من الإذعان به على تفاوت الثاني: أن اللبس لم يقع عند السائل إلا فيمن فعل الفعل فوجب أن يقدم الفاعل في المعنى لأنه متعلق بغرض السائل وأما الفعل فمعلوم عنده ولا حاجة إلى السؤال عنه فحري أن يقع في الأخرى التي هي محل التكملات والفضلات
وكذلك: أزيد قام أم عمرو؟ فالوجه في جوابه أن تقول: زيد قام أو عمرو قام وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام في جواب:
ج ٤ · ص ٤٩
{أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا} فإن السؤال وقع عن الفاعل لا عن الفعل ومع ذلك صدر الجواب بالفعل مع أنهم لم يستفهموا عن كسر الأصنام بل كان عن الشخص الكاسر لها
والجواب أن ما بعد بل ليس بجواب للهمزة فإن بل لا يصلح أن يصدر بها الكلام ولأن جواب الهمزة بنعم أو بلى فالوجه أن يجعل إخبارا مستأنفا والجواب المحقق مقدر دل عليه سياق الكلام ولو صرح به لقال ما فعلته بل فعله كبيرهم وإنما اخترنا تقدير الجملة الفعلية على الجملة المعطوفة عليها في ذلك
فإن قلت: يلزم على ما ذكرت أن يكون الخلف واقعا في الجملتين المعطوف عليها المقدرة والمعطوفة الملفوظ بها بعد بل
قلت: وإنه لازم على أن يكون التقدير ما أنا فعلته بل فعله كبيرهم هذا مع زيادته بالخلف عما أفادته الجملة الأولى من التعريض إذا منطوقها نفي الفعل عن إبراهيم عليه السلام ومفهومها إثبات حصول التكسير من غيره
فإن قلت: ولابد من ذكر ما يكون مخلصا عن الخلف على كل حال
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن في التعريض مخلصا عن الكذب ولم يكن قصده عليه السلام أن ينسب الفعل الصادر منه إلى الصنم حقيقة بل قصده إثبات الفعل لنفسه على طريق التعريض ليحصل غرضه من التبكيت وهو في ذلك مثبت معترف لنفسه بالفعل وليس هذا من الكذب في شيء
والثاني: إنه غضب من تلك الأصنام غيرة لله تعالى ولما كانوا لأكبرها أشد تعظيما كان منه أشد غضبا فحمله ذلك على تكسيرها وذلك كله حامل للقوم على الأنفة