تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٥٢٥ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٤ · ص ٤٣

فيذكر عدل الكليم عن مقصود السائل إلى الجواب بما يعرف الصواب عند كيفية الخطاب ولا يستحق الجريان معه فأجابه بالوصف المنبه عن الظن المؤدي لمعرفته لكنه لما لم يطابق السؤال عنه فرعون لجهله واعتقد الجواب خطأ {قال لمن حوله ألا تستمعون} فأجابه الكليم بجواب يعم الجميع ويتضمن الإبطال لعين ما يعتقدونه من ربوبية فرعون لهم بقوله {ربكم ورب آبائكم الأولين} فأجاب بالأغلظ وهو ذكر الربوبية لكل ما هو من عالمهم نصا ولما لم يرهم موسى عليه السلام تفطنوا غلظ عليهم في الثالثة، بقوله: {إن كنتم تعقلون} فكأنه شك في حصول عقلهم

فإن قيل: قوله تعالى {يسألونك عن الشهر الحرام} ولم يقل عن قتال في الشهر الحرام لأنهم لم يسألوا إلا من أجل القتال فيه فكان ذكره أولى!

وقيل: لم يقع السؤال إلا بعد القتال فكان الاهتمام بالسؤال عن هذا الشهر هل أبيح فيه القتال وأعاده بلفظ الظاهر ولم يقل هو كبير ليعلم حكم قتال وقع في الشهر الحرام

وقد يعدل عن الجواب إذا كان السائل قصده التعنت كقوله تعالى {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} فذكر صاحب الإيضاح في خلق الإنسان إن اليهود إنما سألوا تعجيزا وتغليظا إذا كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان وجبريل وملك آخر يقال له الروح وصنف من الملائكة والقرآن وعيسى فقصد اليهود أن يسألوه فبأي يسمى أجابهم قالوا ليس هو فجاءهم الجواب مجملا فكان هذا الإجمال كيدا يرسل به كيدهم

ج ٤ · ص ٤٤

وقيل: إنما سألوا عن الروح: هل هي محدثة مخلوقة أم ليست كذلك؟ فأجابهم بأنها من أمر الله وهو جواب صحيح لأنه لا فرق بين أن يقول في الجواب ذلك أو يقول من أمر ربي لأنه إنما أراد أنها من فعله وخلقه

وقيل: إنهم سألوه عن الروح الذي هو في القرآن فقد سمى الله القرآن روحا في مواضع من الكتاب وحينئذ فوقع الجواب موقعه لأنه قال لهم الروح الذي هو القرآن من أمر ربي ومما أنزله الله على نبيه يجعله دلالة وعلما على صدقه وليس من فعل المخلوقين ولا مما يدخل في إمكانهم

وحكاه الشريف المرتضى في الغرر عن الحسن البصري قال ويقويه قوله بعد هذه الآية {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا} فكأنه قال تعالى إن القرآن من أمر ربي ولو شاء لرفعه

ومثال الزيادة في الجواب قوله تعالى {وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} فإنه عليه السلام فهم أن السؤال يعقبه أمر عظيم يحدثه الله في العصا فينبغي أن ينبه لصفاتها حتى يظهر له التفاوت بين الحالين وكذا قوله {وما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} وحسنه إظهار الابتهاج بعبادتها والاستمرار على مواظبتها ليزداد غيظ السائل

وقوله تعالى {الله ينجيكم منها ومن كل كرب} بعد قوله {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا} الآية ولولا قصد بسط الكلام ليشاكل ما تقدم لقال: "ينجيكم الله"

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م