تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬١٢٤ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ١١٧

وقال الزمخشري في قوله: {من الله} في القسم: إنها [ايمن] التي تستعمل في القسم حذفت نونها.

ومن هذا الترخيم ومنه قراءة بعضهم: [يا مال] على لغة من ينتظر ولما سمعها بعض السلف قال ما أشغل أهل النار عن الترخيم وأجاب بعضهم بأنهم لشدة ما هم فيه عجزوا عن إتمام الكلمة.

الثاني: الاكتفاء وهو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفى بأحدهما عن الآخر ويخص بالارتباط العطفي غالبا فإن الارتباط خمسة أنواع وجودي ولزومي وخبري وجوابي وعطفي.

ثم ليس المراد الاكتفاء بأحدهما كيف اتفق بل لأن فيه نكتة تقتضي الاقتصار عليه.

والمشهور في مثال هذا النوع قوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} أي والبرد هكذا قدروه. وأوردوا عليه سؤال الحكمة من تخصيص الحر بالذكر وأجابوا بأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة والوقاية عندهم من الحر أهم لأنه أشد من البرد عندهم.

والحق أن الآية ليست من هذا القسم فإن البرد ذكر الامتنان بوقايته قبل ذلك صريحا في قوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} وقوله: {وجعل لكم من.

ج ٣ · ص ١١٨

الجبال أكنانا} وقوله في صدر السورة: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} .

فإن قيل: فما الحكمة في ذكر الوقايتين بعد قوله: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا} ،فإن هذه وقاية الحر، ثم قال: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} ،فهذه وقاية البرد على عادة العرب؟.

قيل: لأن ما تقدم بالنسبة إلى المساكن وهذه إلى الملابس، وقوله: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} لم يذكره السهيلي، وفيه الجوابان السابقان.

وأمثلة هذا القسم كثيرة، كقوله تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار} .

فإنه قيل: المراد: [وما تحرك] وإنما آثر ذكر السكون لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ولأن الساكن أكثر عددا من المتحرك أو لأن كل متحرك يصير إلى السكون ولأن السكون هو الأصل والحركة طارئة.

وقوله: {بيدك الخير} تقدير: [والشر] إذ مصادر الأمور كلها بيده جل جلاله وإنما آثر ذكر الخير لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم إليه أو لأنه أكثر وجودا في العالم من الشر ولأنه يجب في باب الأدب ألا يضاف إلى الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك".

وقيل: إن الكلام إنما ورد ردا على المشركين فيما أنكروه مما وعده الله به على لسان جبريل من فتح بلاد الروم وفارس ووعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فلما كان الكلام في الخير خصه بالذكر باعتبار الحال.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م