تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ١٠٩
العقل لا يعين واحدا منها بل العادة دلت على أن المحذوف هو الثاني فإن الحب لا يلام عليه صاحبه لأنه يقهره ويغلبه وإنما اللوم فيما للنفس فيه اختيار وهو المراودة لقدرته على دفعها.
ومنها: أن تدل العادة على تعيين المحذوف كقوله تعالى: {لو نعلم قتالا} ، أي مكان قتال والمراد مكانا صالحا للقتال لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال والعادة تمنع أن يريدوا لو نعلم حقيقة القتال فلذلك قدره مجاهد: [مكان قتال] .
وقيل: إن تعيين المحذوف هنا من دلالة السياق لا العادة.
ومنها: أن يدل اللفظ على الحذف والشروع في الفعل على تعيين المحذوف كقوله: {بسم الله} فإن اللفظ يدل على أن فيه حذفا لأن حرف الجر لا بد له من متعلق ودل الشروع على تعيينه وهو الفعل الذي جعلت التسمية في مبدئه من قراءة أو أكل أو شرب ونحوه ويقدر في كل موضع ما يليق ففي القراءة أقرأ وفي الأكل: آكل ونحوه.
وقد اختلف هل يقدر الفعل أو الاسم وعلى الأول فهل يقدر عام كالابتداء أو خاص كما ذكرنا؟.
ومنها: اللغة كضربت فإن اللغة قاضية أن الفعل المتعدي لا بد له من مفعول نعم هي تدل على أصل الحدث لا تعيينه وكذلك حذف المبتدأ والخبر.
ومنها: تقدم ما يدل على المحذوف وما في سياقه كقوله: {وأبصر فسوف يبصرون} ، وفي موضع آخر نحو: {ما منعك أن تسجد} وفي موضع:.
ج ٣ · ص ١١٠
{ألا تسجد} . وكقوله: {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} أي هذا، بدليل ظهوره في سورة إبراهيم فقال تعالى: {هذا بلاغ للناس} ونظائره.
ومنها: اعتضاده بسبب النزول، كما في قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} فإنه لا بد فيه من تقدير فقال زيد بن أسلم أي قمتم من المضاجع يعني النوم وقال غيره إنما يعني إذا قمتم محدثين.
واحتج لزيد بأن هذه الآية إنما نزلت بسبب فقدان عائشة رضي الله عنها عقدها فأخروا الرحيل إلى أن أضاء الصبح فطلبوا الماء عند قيامهم من نومهم فلم يجدوه فأنزل الله هذه الآية.
وبما رجح من طريق النظر بأن الأحداث المذكورة بعد قوله: {إذا قمتم} الأولى أن يحمل قوله: {إذا قمتم} معنى غير الحدث لما فيه من زيادة الفائدة فتكون الآية جامعة للحدث ولسبب الحدث، فإن النوم ليس بحدث بل سبب للحدث.
شروط الحذف.
الوجه الرابع: في شروطه.
فمنها: أن تكون في المذكور دلالة على المحذوف إما من لفظه أو من سياقه وإلا لم يتمكن من معرفته فيصير اللفظ مخلا بالفهم ولئلا يصير الكلام لغزا فيهج في الفصاحة وهو معنى قولهم: لا بد أن يكون فيما أبقي دليل على ما ألقي.
وتلك الدلالة مقالية وحالية.
فالمقالية قد تحصل من إعراب اللفظ وذلك كما إذا كان منصوبا فيعلم أنه لا بد له.