تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬١١٢ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ١٠٥

شكل به المعنى لقوة الدلالة عليه أو يقصد به تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة فيحذف ويكتفي بدلالة الحال عليه وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها على الحال قال: وبهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل علىالنفوس ومنه قوله تعالى في وصف أهل الجنة: {إذا جاءوها وفتحت أبوابها} فحذف الجواب، إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه وتركت النفوس تقدر ما شأنه ولا يبلغ مع ذلك كنه ما هنالك لقوله عليه الصلاة والسلام: " لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".

قلت ومنه: {فغشيهم من اليم ما غشيهم} ما لا يعلم كنهه إلا الله قال الزمخشري وهذا من باب الاختصار ومن جوامع الكلم المتحملة مع قلتها للمعاني الكثيرة.

ومنها: التخفيف لكثرة دورانه في كلامهم كما حذف حرف النداء في نحو: {يوسف أعرض عن هذا} وغيره. قال سيبويه: العرب تقول لا أدر فيحذفون الياء والوجه [لا أدري] لأنه رفع وتقول: [لم أبل] فيحذفون الألف والوجه لم أبال ويقولون: [لم يك] فيحذفون النون كل ذلك يفعلونه استخفافا لكثرته في كلامهم.

ومنها: حذف نون التثنية والجمع وأثرها باق نحو: الضاربا زيدا، والضاربو زيدا. وقراءة من قرأ: {والمقيمى الصلاة} كأن النون ثابتة فعلوا ذلك لاستطالة الموصول.

ج ٣ · ص ١٠٦

في الصلة، نحو: {والليل إذا يسر} حذفت الياء للتخفيف.

ويحكى عن الأخفش أن المؤرج السدوسي سأله: [عن ذلك] فقال: لا أجيبك حتى تنام على بابي ليلة ففعل فقال له: إن عادة العرب إذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه والليل لما كان لا يسري وإنما يسرى فيه نقص منه حرف كما في قوله: {وما كانت أمك بغيا} الأصل [بغية] فلما حول ونقل عن فاعل نقص منه حرف انتهى.

ومنها: رعاية الفاصلة، نحو: {ما ودعك ربك وما قلى} . {والليل إذا يسر} ونحوه. وقال الرماني: إنما حذفت الياء في الفواصل لأنها على نية الوقف وهي في ذلك كالقوافي التي لا يوقف عليها بغير ياء.

ومنها: أن يحذف صيانة له كقوله تعالى: {قال فرعون وما رب العالمين} إلى قوله: {إن كنتم تعقلون} حذف المبتدأ في ثلاثة مواضع: قبل ذكر الرب، أي هو رب السموات. والله ربكم. والله رب المشرق، لأن موسى عليه السلام استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال تهيبا وتفخيما فاقتصر على ما يستدل به من أفعاله الخاصة به ليعرفه أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

ومنها: صيانة اللسان عنه كقوله تعالى: {صم بكم عمي} أي هم.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م