تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٠٧١ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٦٤

تعالى: {اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} ، فاحترس سبحانه بقوله: [من غير سوء] عن إمكان أن يدخل في ذلك البهق والبرص.

وقوله تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة وهو السهولة لتوهم أن ذلك لضعفهم فلما قيل: {أعزة على الكافرين} علم أنها منهم تواضع ولهذا عدي الذل بعلى لتضمنه معنى العطف.

وكذلك قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} .

وقوله تعالى: {لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} فقوله {وهم لا يشعرون} احتراس بين أن من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده أنهم لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بألا يشعروا بها.

وقد قيل: إنما كان تبسم سليمان سرورا بهذه الكلمة منها ولذلك أكد التبسم بالضحك لأنهم يقولون تبسم كتبسم الغضبان لينبه على أن تبسمه تبسم سرور.

ومثله قوله تعالى: {فتصيبكم منهم معرة بغير علم} التفات إلى أنهم لا يقصدون ضرر مسلم.

وقوله تعالى: {وقيل بعدا للقوم الظالمين} ،فإنه سبحانه لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان عقبهم بالدعاء عليهم ووصفهم بالظلم ليعلم أن جميعهم كان مستحقا للعذاب،.

ج ٣ · ص ٦٥

احتراس من ضعف يوهم أن الهلاك بعمومه ربما شمل من لا يستحق العذاب فلما دعا على الهالكين ووصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم وحل بساحتهم مع قوله أولا: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} .

وأعجب احتراس وقع في القرآن قوله تعالى مخاطبا لنبيه عليه السلام: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} الآية.

وقال حكاية عن موسى: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} ،فلما نفى سبحانه عن رسوله أن يكون بالمكان الذي قضى لموسى فيه الأمر عرف المكان بالغربي ولم يقل في هذا الموضع [الأيمن] كما قال: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفى عنه كونه بالجانب الأيمن أو يسلب عنه لفظا مشتقا من اليمن أو مشاركا لمادته ولما أخبر عن موسى عليه السلام ذكر الجانب الأيمن تشريفا لموسى فراعى في المقامين حسن الأدب معهما تعليما للأمة وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب.

وقوله: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} فإنه لو اختصر لترك: [والله يعلم] لأن سياق الآية لتكذيبهم في دعاوى الإخلاص في الشهادة لكن حسن ذكره رفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر.

وقوله حاكيا عن يوسف عليه السلام: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} ولم يذكر الجب مع أن النعمة فيه أعظم لوجهين:

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م