النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٣ · ص ٢٢
وقال المفسرون في غريب القرآن: هما في المعنى كالآيتين المتقدمتين فكرر للتأكيد وتشديد الوعيد.
ويحتمل أن يكون [الحين] في الأوليين يوم بدر، و [الحين] في هاتين يوم فتح مكة.
ومن فوائد قوله تعال في الأوليين: {وأبصرهم} وفي هاتين {وأبصر} أن الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلا وأسرا وهزيمة ورعبا فما تضمنت التشفي بهم قيل له: {وأبصرهم} ،وأما يوم الفتح فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم والهداية إلى إيمانهم فلم يكن وفقا للتشفي بهم بل كان في استسلامهم وإسلامهم لعينه قرة ولقلبه مسرة فقيل له: {أبصر} .
ويحتمل على هذا إن شاء الله أن يكون من فوائد قوله تعالى في هذه: {فسوف يبصرون} أي يبصرون منك عليهم بالأمان ومننا عليهم بالإيمان.
ومنه قوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} .
وللتكرار [هنا] فائدتان:.
إحداهما: أن التحريم قد يكون في الطرفين ولكن يكون المانع من إحداهما كما لو ارتدت الزوجية قبل الدخول يحرم النكاح من الطرفين والمانع من جهتهما فذكر الله سبحانه الثانية ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين كذلك المانع منهما.
والثانية: أن الأولى دلت على ثبوت التحريم في الماضي ولهذا أتى فيها بالاسم الدال على الثبوت والثانية في المستقبل ولهذا أتى فيها بالفعل المستقبل.
ج ٣ · ص ٢٣
ومنه تكرار الإضراب.
واعلم أن بل إذا ذكرت بعد كلام موجب فمعناها الإضراب.
وهو إما أن يقع في كلام الخلق ومعناه إبطال ما سبق على طريق الغلط من المتكلم أو أن الثاني أولى.
وإما أن يقع في كلام الله تعالى وهو ضربان:.
أحدهما: أن يكون ما فيها من الرد راجعا إلى العباد كقوله تعالى: {قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} .
والثاني: أن يكون إبطالا ولكنه على أنه قد انقضى وقته وأن الذي بعده أولى بالذكر كقوله تعالى: {بل ادارك علمهم في الآخرة} . {بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب} .
وزعم ابن مالك في شرح [الكافية] أن [بل] حيث وقعت في القرآن فإنها للاستئناف لغرض آخر لإبطال وهو مردود بما سبق وبقوله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} ،فأضرب بها عن قولهم، وأبطل كذبهم.
وقوله: {بل أنتم قوم عادون} أضرب بها عن حقيقة إتيانهم الذكور وترك الأزواج.
ومنه قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله} ،.