تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٠٢٨ من ١٬٩٢٦.

النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة

ج ٣ · ص ٢١

براءته ودوامها مما عبدوه ولو مرة بخلاف قوله: {لا أعبد ما تعبدون} فإن النفي من جنس الإثبات وكلاهما مضارع يظهران جملة ومنفردا.

ومنه تكرير الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات من سورة البقرة1 لن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس اليهود لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم وأهل النفاق أشد إنكارا له لأنه كان أول نسخ نزل وكفارة قريش قالوا ندم محمد على فراق ديننا فيرجع إليه كما رجع إلى قبلتناوكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبلتهما وآثر عليها قبلة اليهود وقال الله تعالى حين أمره بالصلاة إلى الكعبة: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} والاستثناء منقطع، أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون. وقال سبحانه: {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} أي الذين أشركوا فلا تمتر في ذلك وقال تعالى: {وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} ، أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء.

ومنه قوله تعالى: {فتول عنهم حتى حين. وأبصرهم فسوف يبصرون} .

وقال صاحب [الينبوع] :لم يبلغني عن المفسرين فيه شيء.

ج ٣ · ص ٢٢

وقال المفسرون في غريب القرآن: هما في المعنى كالآيتين المتقدمتين فكرر للتأكيد وتشديد الوعيد.

ويحتمل أن يكون [الحين] في الأوليين يوم بدر، و [الحين] في هاتين يوم فتح مكة.

ومن فوائد قوله تعال في الأوليين: {وأبصرهم} وفي هاتين {وأبصر} أن الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلا وأسرا وهزيمة ورعبا فما تضمنت التشفي بهم قيل له: {وأبصرهم} ،وأما يوم الفتح فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم والهداية إلى إيمانهم فلم يكن وفقا للتشفي بهم بل كان في استسلامهم وإسلامهم لعينه قرة ولقلبه مسرة فقيل له: {أبصر} .

ويحتمل على هذا إن شاء الله أن يكون من فوائد قوله تعالى في هذه: {فسوف يبصرون} أي يبصرون منك عليهم بالأمان ومننا عليهم بالإيمان.

ومنه قوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} .

وللتكرار [هنا] فائدتان:.

إحداهما: أن التحريم قد يكون في الطرفين ولكن يكون المانع من إحداهما كما لو ارتدت الزوجية قبل الدخول يحرم النكاح من الطرفين والمانع من جهتهما فذكر الله سبحانه الثانية ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين كذلك المانع منهما.

والثانية: أن الأولى دلت على ثبوت التحريم في الماضي ولهذا أتى فيها بالاسم الدال على الثبوت والثانية في المستقبل ولهذا أتى فيها بالفعل المستقبل.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م