باب ذكر تراكب التنوين وتتابعه وكيفية نقط ما يلقى من الحروف
ج ١ · ص ٦٩
وإن كان الحرف ياء أو واوا ففيه وجهان إن نقط ذلك على قراءة من أذهب غنة النون والتنوين مع الادغام الصحيح الذي لا يبقى للحرف الاول فيه أثر جعل على الياء والواو علامة التشديد كما فعل ذلك مع الاربعة الاحرف المتقدمة من حيث كان إدغام التنوين فيها إدغاما صحيحا وإن نقط ذلك على قراءة من بين الغنة ولم يذهبها رأسا جعل على الياء والواو نقطة لا غير ليفرق بذلك بين المذهبين ويدل به على القراءتين وذلك في نحو قوله {يومئذ يصدعون} و {يومئذ واهية} وشبهه كذا نقطه على الوجه الاول وعلى الثاني {يومئذ يصدعون} و {يومئذ واهية}
وإن كان الحرف قافا أو كافا أو جيما أو شيئا أو غيرها من باقي الحروف التي يخفى التنوين عندها او يقلب نحو الباء جعل على كل حرف منها نقطة فقط وأعري من علامة التشديد لعدمه فيه رأسا بظهور صوت النون والتنوين عنده فامتنعا بذلك من القلب والادغام اللذين بهما يتحقق التشديد ويتحصل التثقيل وذلك في نحو قوله {من قوم كافرين} و {على كل شيء قدير} وشيئا جنات عدن و {غفور شكور} و {يومئذ زرقا} و {سلاما سلاما} و {رجال صدقوا} و {قوما طاغين}
ج ١ · ص ٧٠
و {حرث قوم ظلموا} و {قوما ضالين} و {قوما فاسقين} و {جنات تجري} و {شهاب ثاقب} وظلمات بعضها وما اشبهه ذلك حيث وقع
والعلة في تتابع التنوين عند جميع ما تقدم من الحروف أنه لما كان لا يخلو عندها من أحد ثلاثة أوجه إما أن يدغم وإما أن يخفى وإما ان يقلب وهذه الاوجه الثلاثة تجب بالقرب أو بمعنى يرجع اليه وكان الادغام بابه أن يدخل الاول من المثلين والمتقاربين في الثاني إدخالا شديدا لا فرجة بينهما ولا فصل لأجل القلب والتشديد وكان الاخفاء قد شارك الادغام من طريق اشتقاق كلمة أدعمت واخفيت من حيث كان معنى أدغمت الشيء غيبته وأخفيته سترته فكلا الكلمتين معناهما السترة التي ضد الظهور والبيان فلما كان التنوين لا يخلو مما ذكرناه وكان معنى الادغام والاخفاء ما بيناه قربت النقطة التي هي علامة التنوين من الحروف المتقدمة دلالة على اتصاله بها ودخوله فيها وإعلاما بالتقارب الموجب للادغام والمحقق للاخفاء وإن تباينا في اللفظ وتفاصلا في الحقيقة فقد اجتمعا في أن عدل بكل واحد منهما عن البيان والعرب قد تحكم للشيء بحكم الشيء إذا اجتمعا في بعض المعاني والفرق عند النحويين بينهما في اللفظ أن المدغم مشدد والمخفى مخفف