فمن ذلك قول الأفوه الأودي: وأقطع الهوجل مستأنسا * بهوجل مستأنس عنتريس (3) عنى بالهوجل الأول: الأرض، وبالثاني: الناقة (4) .
ومثله قول زياد الاعجم: ونبئتهم يستنصرون بكاهل * وللؤم فيهم كاهل وسنام (5) / ومثله قول أبى داود: عهدت لها منزلا داثرا * وآلا على الماء يحملن آلا (6) فالآل الأول: أعمدة الخيام تنصب على البئر للسقي، والآل الثاني: السراب (7) .
وليس عنده قول من قال: المطابقة إنما تكون باجتماع الشئ وضده - بشئ.
ومن المعنى الأول قول الشاعر: أهين لهم نفسي لأكرمها بهم * ولن تكرم النفس التي لا تهينها (1) ومثله قول امرئ القيس: وتردى على صم صلاب ملاطس * شديدات عقد لينات متان (2) / وكقول النابغة: ولا يحسبون الخير لا شر بعده * ولا يحسبون الشر ضربة لازب (3) وكقول زهير، وقد جمع فيه طباقين: بعزمة مأمور مطيع وآمر * مطاع، فلا يلفى لحزمهم مثل (4)
وكقول الفرزدق: والشيب ينهض في الشباب كأنه * ليل يصيح بجانبيه نهار (5) ومما قيل فيه ثلاث تطبيقات قول جرير: وباسط خير فيكم بيمينه * وقابض شر عنكم بشماليا (6) وكقول رجل من بلعنبر (7) : يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا (8)
/ وروي عن الحسن (1) بن علي، رضي الله عنهما، أنه تمثل بقول القائل:
فلا الجود يفني المال والجد مقبل * ولا البخل يبقي المال والجد مدبر (2) وكقول الآخر: فسري كإعلاني وتلك سجيتي * وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا وكقول قيس بن الخطيم: إذا أنت لم تنفع فضر، فإنما * يرجى الفتى كيما يضر وينفعا (3) وكقول السموأل: وما ضرنا أنا قليل وجارنا * عزيز وجار الأكثرين ذليل (4) فهذا باب يرونه من البديع.
* * * وباب آخر وهو " التجنيس ".
ومعنى ذلك: أن تأتى بكلمتين متجانستين: فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى في تأليف حروفها [ومعناها] (5) .
وإليه ذهب الخليل (6) .
/ ومنهم من زعم أن المجانسة أن تشترك اللفظتان على جهة الاشتقاق (7) كقوله عز وجل: (فأقم وجهك للدين القيم) (8) .
وكقوله: (وأسلمت مع سليمان) (9) .
وكقوله: (يا أسفا على يوسف) (10)
وكقوله: (الذين آمنوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) (1) .
وكقوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه) (2) .
وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله، [وتجيب أجابت الله ورسوله] (3) ".
وكقوله: " الظلم ظلمات يوم القيامة (4) .
وقوله: " لا يكون ذو الوجهين وجيها عند الله " (5) .
/ وكتب بعض الكتاب: " العذر مع التعذر واجب، فرأيك فيه " (6) .
وقال معاوية لابن عباس: ما لكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم؟ فقال: كما تصابون في بصائركم (7) .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " هاجروا ولا تهجروا " (8) .
ومن ذلك قول قيس بن عاصم: ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة * كسته نجيعا من دم الجوف أشكلا (9)
وقال آخر (1) : * أمل عليها بالبلى الملوان (2) * / وقال الآخر (3) : وذاكم أن ذل الجار حالفكم * * وأن أنفكم لا تعرف الأنفا (4) وكتب إلي بعض مشايخنا، قال: أنشدنا الأخفش عن المبرد، عن التوزي (5) :.
وقالوا (6) : حمامات فحم لقاؤها * وطلح، فزيرت والمطى طلوح (7)
عقاب بأعقاب من النأى بعد ما * جرت نية تنسي المحب طروح (8) وقال صحابي: هدهد فوق بانة * هدى وبيان بالنجاح يلوح (9) وقالوا: دم، دامت مواثيق عهده * ودام لنا حسن الصفاء صريح (10)
/ وقال آخر (1) : * أقبلن من مصر يبارين البري (2) * وقال القطامي: ولما ردها في الشول شالت * بذيال يكون لها لفاعا (3) وقد (4) يكون التجنيس بزيادة حرف [أو بنقصان حرف] (5) أو ما يقارب ذلك، كقول البحتري: هل لما فات من تلاق تلاف * أم لشاك من الصبابة شاف (6) ؟ / وقال ابن مقبل: يمشين هيل النقا مالت جوانبه * ينهال حينا وينهاه الثرى حينا (7 وقال زهير: هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا * لا ينكلون إذا ما استحلموا وحموا (8)
ومن ذلك قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم * تصول بأسياف قواض قواضب (1) وأبو نواس يقصد في مصراعي مقدمات شعره هذا الباب (2) ، كقوله: ألا دارها بالماء حتى تلينها * فلن تكرم الصهباء حتى تهينها وكذلك قوله: ديار نوار ما ديار نوار * كسونك شجوا هن منه عوار (3) وكقول ابن المعتز: سأثنى على عهد المطيرة والقصر * وأدعو لها بالساكنين وبالقطر (4) / وكقوله أيضا: هي الدار إلا أنها منهم قفر * وأني بها ثاو وأنهم سفر (5) / وكقوله: للأماني حديث [قد] يقر * ويسوء الدهر من قد يسر (6)
وكقول المتنبي: وقد أراني الشباب الروح في بدني * وقد أرانى المشيب الروح في بدلى (7) وقد قيل: إن من هذا القبيل قوله عز وجل: (خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون) (8) ، وقوله: (قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه) (9) .
* * * ويعدون من البديع " المقابلة "، وهي أن يوفق بين معان ونظائرها والمضاد بضده، وذلك مثل قول النابغة الجعدى:
فتى تم فيه ما يسر صديقه * على أن فيه ما يسوء الأعاديا (1) / وقال تأبط شرا: أهز به في ندوة الحي عطفه * كما هز عطفي بالهجان الأوارك (2)
وكقول الآخر: وإذا حديث ساءني لم أكتئب * وإذا حديث سرنى لم أشرز (3) وكقول الآخر: وذى إخوة قطعت أرحام بينهم * كما تركوني واحدا لا أخاليا (4) ونظيره من القرآن: (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون) (5) .
[ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة، وقد أحسن إليها: برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة] (6) .
* * * / ويعدون من البديع " الموازنة "، وذلك كقول بعضهم: اصبر على حر اللقاء، ومضض النزال، وشدة المصاع (7) .
وكقول امرئ القيس: سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا * [له حجبات مشرفات على الفال] (1) ونظيره من القرآن: (والسماء ذات البروج.
واليوم الموعود وشاهد ومشهود) (2) .
* * * ويعدون من البديع " المساواة "، وهي أن يكون اللفظ مساويا / للمعنى، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه.
وذلك يعد من البلاغة، وذلك كقول زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم (3) وكقول جرير: فلو شاء قومي كان حلمي فيهم * وكان على جهال اعدائهم جهلي (4) وكقول الاخر (5) : اذا انت لم تقصر عن الجهل والخنا * أصبت حليما أو أصابك جاهل وكقول الهذلى (6) : فلا تجز عن من سنة أنت سرتها * وأول راض سنة من يسيرها (7)
وكقول الآخر (1) : فإن هم طاوعوك فطاوعيهم * وإن عاصوك فاعصي من عصاك / ونظير ذلك في القرآن كثير.
* * * ومما يعدونه من البديع " الإشارة " وهو اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة.
وقال بعضهم (2) في وصف البلاغة: [البلاغة] لمحة دالة.