تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

إعجاز القرآن للباقلاني

من إعجاز القرآن للباقلاني لـأبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب — الورقة ٨ من ١٠٤.

قال الباقلانى: وفى تكلمنا في مجلس ثالث، قلت: لم أتحد اللاهوت

بالناسوت؟ فقال: أراد أن ينجى الناس من الهلاك، فقلت: وهل درى بأنه يقتل ويصلب ويفعل به كذا، ولم يأمن من اليهود؟ فإن قلت: إنه لم يدر ما أراد اليهود، بطل أن يكون إلها: وإذا بطل أن يكون إلها: وإذا بطل أن يكون إلها بطل أن يكون إبنا.

وإن قلت: قد درى ودخل في الامر على بصيرة، فليس بحكيم، لان الحكمة تمنع التعرض للبلاء.

فبهت، وكان آخر مجلس لى معه.

* * * ومما جرى في تلك المجالس: أن الباقلانى قال لبعض المطارنة: كيف أنت؟ وكيف الاهل والاولاد؟ فقال له الملك وقد عجب من قوله: ذكر من أرسلك في كتاب الرسالة أنك لسان الامة، ومتقدم على علماء الملة! أما علمت أننا ننزه هؤلاء عن الاهل والولد؟ فقال الباقلانى: أنتم لا تنزهون الله، سبحانه وتعالى.

عن الاهل والاولاد، وتنزهونهم؟ ! فكأن هؤلاء عندكم أقدس وأجل أعلى من الله، سبحانه وتعالى! فسقط في أيديهم ولم يردوا جوابا.

ثم قال له الملك: أخبرني عن قصة عائشة زوج نبيكم، وما قيل فيها؟ فقال: هما اثنتان، قيل فيهما ما قيل: زوج نبينا ومريم ابنة عمران، فأما زوج نبينا فلم تلد، وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها، وكل قد برأها الله مما رميت به.

فانقطع الملك ولم يحر جوابا.

ويروى القاضى عياض: أن الملك قال للبطرك: ما ترى في أمر هذا الشيطان؟ فقال: تقضى حاجته، وتلاطف صاحبه، وتبعث بالهدايا إليه، وتخرج هذا عن

بلدك من يومك إن قدرت، وإلا لم آمن الفتنة به على النصرانية.

ففعل الملك ذلك، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه، وعجل تسريحه، ومعه عدة من أسارى

المسلمين والمصاحف، ووكل الباقلانى من جنده من يحفظه حتى يصل إلى مأمنه.

ويروى الخطيب البغدادي بسنده: أن الباقلانى لما ورد على ملك الروم مدينته، وعرف خبره، وبين له محله من العلم -: " أفكر في أمره، وعلم أنه لا يكفر له إذا دخل عليه، كما جرى رسم الرعية، أن تقبل الارض بين يدى الملوك.

ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذى يجلس عليه، وراء باب لطيف لا يمكن أحد أن يدخل منه إلا راكعا، ليدخل القاضى منه على تلك الحال، فيكون عوضا عن تكفيره بين يديه.

فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضى من الباب، فسار حتى وصل إلى المكان،، فلما رآه تفكر فيه، ثم فطن بالقصة، فأدار ظهره، وحنا رأسه راكعا، ودخل من الباب وهو يمشى إلى خلفه قد استقبل الملك بدبره، حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه، ونصب ظهره، وأدار وجهه حينئذ إلى الملك.

فعجب من فطنته، ووقعت له الهيبة في نفسه " ولست أشك في أن هذه الرواية أسطورة من الاساطير التى نسجت خيوطها حول رحلة الباقلانى إلى القسطنطينية.

وفيما قصه الباقلانى، من امتناعه من خلع عمامته ونزع خفه، وتهديده بعدم الدخول على الملك، ونزول الملك على رأيه وقوله: دعوه يدخل ومن معه كما يشاءون -: ما يجعل هذه الفكرة الساذجة، بعيدة الوقوع.

ولو قد وقعت لتحدث بها الباقلانى، فيما حدث به من أخبار رحلته * * * وعاد الباقلانى إلى بغداد، وظل مع عضد الدولة حتى مات في شوال سنة 372، وتولى بعده ابنه صمصام الدولة ولسنا نعرف متى تولى الباقلانى وظيفة القضاء بالثغر؟ ولامن الذى ولاه؟ وقد جاء في ترجمة أبى حامد: أحمد بن أحمد الاستوائي (358 - 434) الشافعي الاشعري: أنه " ولى القضاء بعكبرا من قبل أبى بكر بن الطيب الباقلانى "

وقد وقف الباقلانى حياته على أمرين، ملكا عليه أقطار نفسه، وشغفاه حبا وهما: التدريس، والتأليف.

أما " التدريس " فقد اجتمعت له كل أدواته، ولم يصرفه عنه صارف، حتى إنه في أثناء مقامه مع عضد الدولة بشيراز، وتدريسه لابنه الامير أبى كاليجار المرزبان، لم يمتنع عنه، بل عقد دروسا عامة لاهل السنة.

ومن الكتب التى درسها لهم كتاب " اللمع " لابي الحسن الاشعري.

وقد " تتلمذ " عليه كثيرون في البصرة وبغداد وغيرهما، ونحن نشير إلى بعضهم فيما يلى: (1) القاضى أبو محمد: عبد الوهاب بن نصر، البغدادي المالكى (362 - 422) .

قيل له: مع من تفقهت؟ قال: صحبت الابهري، وتفقهت مع أبى الحسن بن القصار، وأبى القاسم بن الجلاب، والذى فتح أفواهنا، وجعلنا نتكلم: أبو بكر بن الطيب (2) أبو عمران: موسى بن عيسى بن أبى حجاج العفجومى، وقد أثبت سماعه من الباقلانى إملاء في رمضان سنة 402، وقال: رحلت إلى بغداد، وكنت قد تفقهت بالمغرب والاندلس عند أبى الحسن القابسى، وأبى محمد الاصيلى، وكانا عالمين بالاصول.

فلما حضرت مجلس القاضى أبى بكر، ورأيت كلامه في الاصول والفقه مع المؤالف والمخالف، حقرت نفسي، وقلت: لا أعلم من العلم شيئا ورجعت عنه كالمبتدئ ".

وقال عنه أبو حاتم بن محمد: كان أبو عمران من أحفظ الناس وأعلمهم، لم ألق أحدا أوسع منه علما، ولا أكثر رواية.

وذكر أن الباقلانى كان يعجبه حفظه، ويقول له: لو اجتمعت في " مدرستي " أنت وعبد الوهاب - وكان إذ ذاك بالموصل - لاجتمع علم مالك، أنت تحفظه، وهو ينظره.

وتوفى أبو عمران سنة 430 عن خمس وستين سنة.

وكانت رحلته.

إلى بغداد في سنة 399.

(3) أبو ذر الهروي عبد بن أحمد (355 - 434) المالكى الاشعري

قال له بعض الشيوخ: أنت من هراة، فمن أين تمذهبت لمالك والاشعرى؟ فقال:

سبب ذلك أنى قدمت بغداد لطلب الحديث، فلزمت الدارقطني (306 - 385) وكنت مرة ماشيا معه، فمر بنا شاب، فأقبل الشيخ عليه وعظمه، وأكرمه ودعا له، فلما فارقه قلت: أيها الشيخ الامام، من هذا الذى أظهرت من إكرامه ما رأيت؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا.

فقال: هذا أبو بكر بن الطيب الاشعري، ناصر السنة، وقامع المعتزلة.

ثم أفاض في الثناء عليه.

فكان ذلك سبب اختلافي إليه، وأخذى عنه.

(4) أبو الحسن على بن عيسى السكرى الفارسى (347 - 413) الشاعر الذى استفرغ شعره في مدح الصحابة، والرد على الرافضة، والنقض على شعرائهم وقد صحب الباقلانى، ودرس عليه الكلام، ومدحه بقصيدة طويلة، أوردها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5 / 381 - 382، وابن عساكر في تبيين كذب المفترى ص 224 - 226.

وهى من أشعار العلماء، وفيها يقول: اليعربى فصاحة وبلاغة * والاشعرى إذا اعتزى للمذهب قاض إذا التبس القضاء على الحجى * كشفت له الآراء كل مغيب وإذا الكلام تطاردت فرسانه * وتحامت الاقران كل مجرب ألفيته من لبه وجنانه * ولسانه وبيانه في مقنب (5) أبو الحسن الحربى: على بن أحمد المالكى، 365 - 437) (6) القاضى أبو جعفر: محمد بن أحمد السمنانى، الحنفي (361 - 444) .

(7) أبو الحسن البغدادي: رافع بن نصر المتوفى سنة 447.

(8) أبو طاهر الواعظ محمد بن على، المعروف بابن الانباري (375 - 448)

(9) أبو عبد الله: الحسين بن حاتم الازدي، المتوفى غريبا بالقيروان.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م