١٠. لماذا الكونُ مفهومٌ أصلًا؟
السؤال: لماذا تصلح معادلاتٌ كُتبت على ورقٍ لوصف شيءٍ لم يره كاتبُها قطّ؟
الجوابُ في سطرين: لأنّ في العالم انتظامًا يقبل الوصفَ المختصر، وهذه واقعةٌ حقيقيةٌ تستدعي تفسيرًا. وهي لا تنهض دليلًا: أقوى اعتراضين عليها — أنّ الرياضيات منتزَعةٌ من بنية العالم لا مخترعةٌ خارجَه، وأنّ فرضَ الإله لا يستبعد كونًا غيرَ معقول — لم أجد لهما جوابًا حاسمًا، وسأقرّ بذلك في موضعه. فالذي يبقى لغزٌ قائم؛ ومن رأى فرضَ مبدأٍ منظِّم أحسنَ موضعًا للّغز فذاك ترجيحٌ داخل مقدّماته هو، لا حجّةٌ على من لم يقبلها.
شرطان أُلزم بهما نفسي قبل أن أبدأ
الأوّل: أن يكون الحكمُ محسوبًا بعد الاعتراضات لا مكتوبًا قبلها. قرأ هذا الفصلَ في صورته الأولى قارئٌ شاكّ فقال: احذف قسمَي الاعتراضات كلَّيهما، هل يتغيّر سطرٌ واحدٌ في الجدول الختاميّ؟ ولم يتغيّر. وكان محقًّا، وكانت أشدَّ ما قيل لي: أن يُعطى المخالفُ اعتراضَه كاملًا غيرَ منقوص ثمّ لا يُنقص من النتيجة شيء — فذاك شراءُ سكوتٍ لا محاسبة. فوضعتُ في آخر كلّ فصلٍ بابًا اسمُه «ما الذي تغيّر»، فيه جدولٌ يقابل الحكمَ الأوّلَ بالحكم بعد الاعتراضات. وقد سقط أكثرُ الأوّل.
والثاني: أن أُميّز كسرَ المثال من كسر الدعوى. في الصورة الأولى تكرّرت عبارةُ *وأين ينكسر* ستَّ مرّات، وكانت في كلّ مرّةٍ تكسر المثالَ والدعوى واقفةٌ بعد الستّ كما كانت قبلها. وقال القارئُ نفسُه: بعد الرابعة صرتُ أقرؤها إشارةَ مرورٍ لا تنازلًا — «سيعترف الآن اعترافًا صغيرًا، فاستعدّ للفقرة التي تُرجعه». وهي ملحوظةٌ في الصدق لا في الأسلوب. فصار الصنفان مفصولين: *وأين ينكسر المثال* — أي أنّ المثالَ لا يبلغ الدعوى؛ ووأين تنكسر الدعوى — أي أنّ الدعوى نفسَها تُنقَص أو تسقط. وستجد الثانيةَ ثلاثَ مرّاتٍ في هذين الفصلين، وأثرُها منقولٌ إلى الجدول.
أوّلًا: حرِّرْ موضعَ الدهشة
أكثرُ الخلاف في هذا الباب سببُه أنّ المتحاورين لا يتّفقان على ما الذي يُدهش بالضبط. فلنفصله بمشهدين.
المشهد الأوّل: مشيتَ في حيّك عشرين سنة، ثمّ جلستَ فرسمتَ خريطةً له. فطابقت الخريطةُ الحيَّ. لا عجب في هذا: أنت رسمتَ ما رأيت، والمطابقةُ هي تعريفُ ما فعلتَ لا اكتشافٌ زائدٌ عليه.
المشهد الثاني: رسمتَ الخريطةَ نفسَها، ثمّ سافرتَ إلى مدينةٍ لم تزرها، فوجدتَ خريطتَك تدلُّك فيها على شارعٍ لم تسمع باسمه — فمشيتَ حيث قالت فوجدتَ الشارع.
الدهشةُ في الثاني لا في الأوّل. ولا أحد يعجب من أنّ لغةً وضعناها لعدّ الغنم تصلح لعدّ الغنم. الذي يستدعي جوابًا أنّ بنيةً رياضيةً ابتُكرت لدواعٍ داخليةٍ محضة — لعبةٌ في ذهن رياضيٍّ لا يفكّر في الطبيعة أصلًا — تصلح بعد عقودٍ لوصف شيءٍ في العالم، ثمّ تقول لنا عنه ما لم نكن نعلمه فنذهب فنجده.
*وأين ينكسر المثال*: خريطتُك وتلك المدينةُ من جنسٍ واحدٍ (شوارعُ وأرض)، فليس عجبًا كلَّ العجب أن يتشابها؛ والدعوى في الباب أنّ الرياضيات من جنسٍ آخر. ومن قال إنّ الرياضيات في الحقيقة من جنس العالم — أنّها انتزاعٌ منه لا اختراعٌ خارجَه — فقد ردّ المشهدَ إلى الأوّل. وهذا هو الاعتراضُ الأقوى وسيأتي.
مشهدان مشهوران — وتصحيحٌ لأحدهما
١. معادلاتُ ماكسويل. كان معلومًا في القرن التاسع عشر أنّ الكهرباء والمغناطيسية متّصلتان، وكانت تجاربُ فاراداي قد كشفت أكثرَ الوقائع. فجمع جيمس كلارك ماكسويل ذلك في نسقٍ من المعادلات سنة ١٨٦٥. ثمّ حسب من المعادلات سرعةَ اضطرابٍ ينتشر في الحقل، فخرج له رقمٌ يساوي سرعةَ الضوء المقيسة — فخلص إلى أنّ الضوء نفسَه موجةٌ في الوسط الذي هو علّةُ الظواهر الكهربية والمغناطيسية.
وههنا كتبتُ خطأً وأصحّحه: كتبتُ أوّلَ مرّةٍ أنّ ماكسويل قال «إنّ ثمّ موجاتٍ أخرى من الجنس نفسِه لم يرصدها أحد». وليس هذا في ورقة ١٨٦٥: الورقةُ توحّد ما كان معلومًا ولا تتنبّأ بطيفٍ جديد. والطيفُ الأوسعُ لازمٌ لُمس بعدها، ولّده هرتز في معمله بعد نحو عشرين سنة والتقطه. والفرقُ ليس تفصيلًا تاريخيًّا: دعوى «التنبّؤ بما لم يُرصد» هي بعينها موضعُ الاستدلال، فإن لم تكن في الورقة سقط المثالُ من موضع الاستدلال وبقي في موضع التوحيد. ولاحظ أنّ حاشيةَ المرجع في هذا الفصل نفسِه كانت أدقَّ من متنه، فالمتنُ يزيد عليها دعوى القول لا الرصد — وذاك موضعٌ يستحقّ أن يُتنبَّه له: أن تُكتب الحاشيةُ بدقّةٍ ويُكتب المتنُ بذاكرة.
*وأين ينكسر المثال*: ماكسويل لم يكن يلعب لعبةً مجرّدة — كان يبني على تجاربَ معمليةٍ كثيفة، ومعادلاتُه صُنعت لهذه الظاهرة بعينها. فالمثالُ يُري قوّةَ التوحيد والاستنتاج، ولا يُري «رياضياتٍ نقيّةً» جاءت من خارج الفيزياء.
٢. هندسةُ ريمان. سنة ١٨٥٤ ألقى برنارد ريمان محاضرةً في غوتنغن يبني فيها هندسةً للفضاءات المنحنية ذاتِ أيّ عدد من الأبعاد. ولم يكن في الأفق سؤالٌ فيزيائيٌّ يحتاجها؛ كان يعالج مسألةً في أسس الهندسة. وبعد نحو ستّين سنة احتاج أينشتاين لغةً يصف بها الجاذبيةَ لا قوّةً تشدّ بل انحناءً في الزمان والمكان — فوجد اللغةَ جاهزةً مكتوبةً منذ ستّة عقود.
*وأين ينكسر المثال*: القصّةُ تُروى أنقى ممّا كانت. الرياضيّون والفيزيائيّون كانوا في احتكاكٍ متّصل، وحسابُ التفاضل المطلق الذي استعمله أينشتاين طوّره ريتشي وليفي-تشيفيتا في سياقٍ ليس بعيدًا كلَّ البعد عن مسائل الطبيعة. فالأداةُ لم تنزل من سماءٍ محضة.
والآن: الأمثلةُ التي تصمد — ولماذا لم أذكرها أوّلَ مرّة
قال لي القارئُ الشاكّ كلمةً وجدتُها صحيحةً وثقيلة: بعد أن كسرتَ المثالين بيدك، على أيّ شيءٍ تبقى دهشتي قائمة؟ أنت تطلب منّي أن أشعر بلغزٍ هدمتَ كلَّ ما يُريني إيّاه، ثمّ تسمّي هدمَك أمانة. والأمانةُ أن تأتي بمثالٍ يصمد، أو تُقرّ بأنّ اللغزَ غيرُ مُقام.
ثمّ زاد: ولماذا اخترتَ ماكسويل وريمان وحدَهما؟ لأنّهما المثالان المتداولان في أدبيّات الدعوة التي تنقدها. أخذتَ أمثلةَ خصمك الداخليّ ثمّ كسرتَها ثمّ قلتَ إنّك أمين — والحقُّ أنّك لم تذهب إلى الفيزياء أصلًا، ذهبتَ إلى كتب الإعجاز فصحّحتَها.
وهذا حقّ، فهذه أمثلةٌ ذهبتُ فيها إلى الفيزياء:
١. زمرةُ SU(3) والجسيمُ Ω⁻. جبرُ الزمر بابٌ رياضيٌّ مجرّد، نشأ في مسائل حلّ المعادلات لا في مسائل المادّة. رتّب مُرَي غِلمان ويوفال نئمان سنة ١٩٦١ الجسيماتِ المعروفةَ على تمثيلات هذه الزمرة، فانتظمت في أشكالٍ هندسيةٍ منتظمة وبقيت في أحدها خانةٌ فارغة. فقال الجبرُ: ههنا جسيمٌ شحنتُه كذا وغرابتُه ثلاثٌ سالبة وكتلتُه في هذا الحدّ. وسنة ١٩٦٤ وجده باحثون في مسرّع بروكهيفن بالكتلة التي قالها التماثل. لعبةُ تناظرٍ خالصةٌ تقول: اذهب فستجد. فذهبوا فوجدوا.
٢. الأعدادُ التخيّلية. اختُرعت في القرن السادس عشر حيلةً شكليّةً لإتمام حلّ المعادلة التكعيبية، وسمّاها أهلُها «تخيّلية» احتقارًا لها — أي أنّ اسمَها نفسَه شهادةُ صانعيه بأنّها لا تصف شيئًا. ثمّ تبيّن بعد أربعة قرونٍ أنّها في ميكانيكا الكمّ ليست اختصارًا حسابيًّا بل بنيةَ السَّعة نفسِها: لا تُكتب النظريةُ بدونها. (وقد نُشرت في السنوات الأخيرة أعمالٌ تقول إنّ صياغةً بالأعداد الحقيقية وحدَها تعطي تنبّؤاتٍ مخالفةً في تجاربَ بعينها — ولم أقابل هذه الأخيرةَ على أصلها، فلا أبني عليها، وإنّما أذكرها ليطلبها من شاء.)
٣. فضاءاتُ هلبرت. طُوّرت في أوائل القرن العشرين في مسائلَ رياضيةٍ داخلية (المعادلاتُ التكاملية والمتسلسلات)، ثمّ صارت في يد فون نويمان سنة ١٩٣٢ الإطارَ الرياضيَّ لميكانيكا الكمّ نفسِها — لا أداةً فيها بل لغتَها.
٤. نظريةُ العُقَد. بدأ تصنيفُ العقد في القرن التاسع عشر لخدمة نظريةٍ فيزيائيةٍ ماتت (أنّ الذرّاتِ دوّاماتٌ معقودة في الأثير). فبقي التصنيفُ بابًا رياضيًّا بلا زبون، ثمّ وجد نفسَه بعد قرنٍ يصف طيَّ الحمض النوويّ وعملَ الإنزيمات التي تقطعه وتصله. أي أنّ الأداةَ نجت من موت الغرض الذي صُنعت له، ثمّ عملت في غرضٍ لم يخطر لأحد.
فهذه أربعةٌ لا يُقال فيها «صُنعت لهذه الظاهرة بعينها»، وعليها تقوم الدهشةُ — لا على ماكسويل. وقد أخّرتُها في الصورة الأولى وقدّمتُ عليها ما هو أضعفُ منها لأنّي كنتُ أخاطب كتبَ الإعجاز لا الفيزياء، وذاك خللٌ في ترتيب الأولوية أُصلحه ههنا.
فيغنر: من قال العبارة، وما الذي لم يقله
سنة ١٩٦٠ نشر يوجين فيغنر مقالةً عنوانُها «الفعّاليةُ غيرُ المعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية». وفيغنر فيزيائيٌّ حاز نوبل في الفيزياء بعد ثلاث سنواتٍ من نشرها، لا فيلسوفَ دينٍ ولا متكلّم.
وخلاصةُ مقالته أنّ ملاءمةَ اللغة الرياضية لصياغة قوانين الفيزياء «هبةٌ عجيبةٌ لا نفهمها ولا نستحقّها»، وأنّها لغزٌ قائم.
وههنا موضعُ الأمانة، وفيه تصحيحٌ ثانٍ: فيغنر لم يستنتج إلهًا، ولم يذكر الله في المقالة أصلًا — وهذه دعوى تُقاس بالمسح فقيستُها: لا ترد فيها لفظةُ إلهٍ ولا خالقٍ ولا لاهوت. وأمّا قولي إنّه ختمها «بدعوةٍ إلى بحثٍ في فلسفة العلم» فخطأ: خاتمتُه ليست دعوةً إلى بحث، بل امتنانٌ ورجاء — أن نشكر هذه الهبةَ وأن نرجو بقاءَها صالحةً في البحث الآتي وامتدادَها إلى فروعٍ أوسع من المعرفة. والفرقُ يعني شيئًا: من ختم بالدعوة إلى البحث ترك البابَ مفتوحًا لجوابٍ آتٍ، ومن ختم بالامتنان أقرب إلى تركه لغزًا كما هو.
وأنا أسوق فيغنر لأنّه سمّى اللغز تسميةً دقيقة، لا لأنّه شهد لي. والفرقُ بين الأمرين هو الفرقُ بين كتابٍ يُقرأ وكتابٍ يُطوى.
الاعتراضُ الأوّل: الرياضياتُ لغةٌ صنعناها لوصف ما نرى
وهذا أقوى ما في الباب، ولن أضعّفه.
صورتُه: الرياضياتُ ليست عالَمًا مستقلًّا نكتشفه، بل مجموعةُ أدواتٍ طوّرناها في احتكاكٍ بالعالم. نشأ الحسابُ من عدّ المواشي والقسمة على الورثة، ونشأت الهندسةُ من مساحة الأرض بعد فيضان النهر، ونشأ حسابُ التفاضل في يد نيوتن وهو يحلّ مسألةَ حركة. فإن كانت الأداةُ قد بُرِدت على قياس القفل، فأيُّ عجبٍ في أنّها تفتحه؟
ويزيد المعترضُ: نحن نطوّر من الرياضيات ما ينفع، ونُهمل ما لا ينفع. فالمطابقةُ التي تُدهشك صنعناها بأيدينا على مراحل، ثمّ نسينا أنّنا صنعناها فأخذنا نعجب منها.
والمثال: تدخل ورشةَ حدادةٍ فتراه يبرد مفتاحًا على القفل مرّةً بعد مرّة حتى يدور. أتعجب من أنّه دار؟ العجبُ يكون لو أنّه لم يدر.
والجواب: هذا الاعتراضُ يفسّر الملاءمة ولا يفسّر الانتقال. المفتاحُ الذي بُرِد على هذا القفل نتوقّع أن يفتحه؛ والذي يحتاج جوابًا أن تحمله إلى مدينةٍ أخرى فيفتح بابًا لم يره صانعُه. وههنا موضعُ الأمثلة الأربعة قبل قليل: زمرةٌ رُتّبت لأجل الجبر تقول أين يقف جسيمٌ لم يُرَ، وعقدٌ صُنّفت لنظريةٍ ميّتةٍ تصف إنزيمًا في خليّة.
ومع ذلك أقول بصراحة إنّ الاعتراض لا يسقط: من قال إنّ الرياضيات في أصلها انتزاعٌ من بنية العالم — لا اختراعٌ خارجَه — فقد جعل «الانتقال» أهونَ ممّا صوّرتُه، لأنّ العالم واحدٌ في بنيته فلا عجب أن تصلح فيه أداةٌ انتُزعت من ركنٍ منه لركنٍ آخر. وهذا موقفٌ فلسفيٌّ متماسك، وله أهله، ولا أعرف دليلًا حاسمًا يُبطله. وسيظهر أثرُ هذا الإقرار في جدول «ما الذي تغيّر».
الاعتراضُ الثاني: أنت تعدّ النجاحات وتنسى الإخفاقات
وهذا اعتراضُ ريتشارد هامنغ — وهو رياضيٌّ لا خصمٌ للرياضيات — في مقالةٍ كتبها سنة ١٩٨٠ يعيد فيها طرحَ سؤال فيغنر.
وحاصلُه: أنّ «الفعّالية غيرَ المعقولة» عبارةٌ مبنيّةٌ على عيّنةٍ منتقاة. نحن نُدرِّس المسائلَ التي نجحت الرياضياتُ فيها، ولا نُدرِّس ما عجزت عنه — والعاجزُ عنه أكثرُ.
وههنا كتبتُ ثلاثةَ أمثلةٍ خطأً في الصورة الأولى، وهذا تصحيحُها:
الاضطرابُ في الموائع — الماءُ يخرج من الصنبور فينكسر انسيابُه. ونحن نملك معادلاتِه (نافييه–ستوكس) ولا نملك حلولًا عامّةً لها، ولا برهانًا على وجود حلولٍ ملساءَ دائمةٍ أصلًا — وهي إحدى المسائل المفتوحة الكبرى. فالعجزُ ههنا حقيقيّ، وموضعُه دقيق: لا في كتابة القانون، بل في استخراج ما يلزم عنه.
ومسألةُ الأجسام الثلاثة — كنتُ كتبتُ: «فلا صيغةَ مغلقةً تعطيك مواضعَها بعد حين». وهذه صياغةٌ شعبيةٌ خاطئة: أعطى كارل سوندمان سنة ١٩١٢ حلًّا بمتسلسلةٍ متقاربة، وعُمِّم بعدُ على أعدادٍ أكبر. والصحيحُ أنّ تقارُبها من البطء بحيث لا ينتفع بها حسابٌ عمليّ، وأنّ النظام فوضويٌّ غيرُ تكامليّ — أي أنّ العجزَ في صورة الحلّ وفائدته لا في وجوده.
والطقس — كنتُ أسوقه إخفاقًا للرياضيات. وهو انتصارٌ لها لا إخفاق. من أخبرنا أنّ التنبّؤ ينقطع بعد أسبوعين؟ الرياضياتُ نفسُها، بأُسّ ليابونوف، بمقدارٍ محسوب. فنظريةُ الشواش ليست عجزًا عن وصف العالم، بل وصفٌ دقيقٌ لحدٍّ فيه — وهي من أنجح ما أنتجه القرنُ العشرون. فأسقطتُه من قائمة الإخفاقات، وهو مثالٌ على أنّ المرءَ قد يسوق ضدَّ نفسِه ما هو له.
ويبقى صحيحًا: الجاذبيةُ الكمّية — أهمُّ سؤالٍ مفتوحٍ في الفيزياء، ولنا فيه قرنٌ من المحاولات بلا نظريةٍ متّفقٍ عليها. ثمّ أكثرُ ما يحيط بك: سعرُ سلعةٍ في سوق، وسلوكُ جماعةٍ من الناس، وطيُّ بروتينٍ واحدٍ في خلية.
والمثال: صيدليٌّ يعلّق على جداره رسائلَ الشكر من الذين شفوا، ولا يعلّق الوصفاتِ التي لم تنفع. فالجدارُ صادقٌ في كلّ ورقةٍ عليه، وكاذبٌ في مجموعه.
*وأين ينكسر المثال*: العدُّ المنتقى يخفّف الدهشة ولا يُلغيها. فحتى لو كانت النجاحاتُ قليلةً في مجموع المسائل، يبقى أنّ في العالم طبقةً أساسية — قوانينَ الجسيمات والحقول والزمكان — تخضع لوصفٍ رياضيٍّ بالغِ الإحكام، بدقّةٍ تبلغ في بعض المقيسات نحوَ عشر خاناتٍ عشرية. والذي يحتاج تفسيرًا هو وجودُ هذه الطبقة أصلًا لا نسبةُ المسائل المحلولة إلى المعلّقة.
وهامنغ نفسُه لا يقول إنّ اللغز انحلّ. قدّم أربعةَ تفسيراتٍ جزئية ثمّ صرّح بأنّها لا تكفي. فمن نقله «إبطالًا تامًّا» خالف خاتمةَ مقالته، كما خالف الأوّلون مقالةَ فيغنر من الجهة الأخرى. والغلطُ واحدٌ في الاتجاهين: أن يُقرأ الرجلُ لينصر لا ليُفهم.
الاعتراضُ الثالث — وهو أخطرها على الاستدلال لا على اللغز
هَبْ أنّ اللغز باقٍ، وأنّ الاعتراضين لم يحلّاه. هل يُرجّح ذلك فرضَ الإله؟
الترجيحُ في بابه له شرطٌ معروف: أن يكون المعطى أرجحَ على الفرض منه على نقيضه. فإن استوى عند الفرض وقوعُ الشيء ووقوعُ ضدّه، لم يُرجَّح بوقوعه شيئًا.
والمدارُ على الرجحان لا على المنع — وههنا صحّحتُ صياغتي. كنتُ كتبتُ أنّ الشرطَ «أن يكون الفرضُ متنبّئًا بالمعطى ومستبعدًا لنقيضه»، وهذه صياغةٌ أشدُّ من الشرط المعروف: فرضٌ يجعل المعطى أرجحَ يُرجَّح بقدر ذلك وإن لم يمنع نقيضَه. ومن اشترط المنعَ أسقط الترجيحَ الاحتماليَّ كلَّه — وأسقط معه حججًا أقبلها أنا، فحجّةُ بلانتينغا في الفصل الآتي احتماليةٌ محضة، ولو أخذتُ شرطي على إطلاقه لهدمتُ بابي الثالث بيدي.
والمثال: صديقٌ يقول لك «أنا خبيرٌ بالسوق». فتسأله: أيرتفع سهمُ الشركة غدًا؟ فيقول: «يحتمل أن يرتفع ويحتمل أن ينزل». ثمّ ارتفع. فماذا استفدنا عن خبرته؟ لا شيء — لأنّ قولَه كان يصدق على الحالين. أمّا لو قال «سيرتفع ثلاثَ نقاطٍ عند العاشرة» ثمّ وقع، فذاك شيءٌ آخر.
وبين الطرفين وسطٌ لا يُهمل، وقد أهملتُه أوّلَ مرّةٍ فحصرتُ الأمرَ في اثنين: لو قال «الأرجحُ عندي أن يرتفع» ثمّ ارتفع، أفدنا شيئًا يسيرًا لا شيئًا معدومًا. فالفرقُ في المقدار لا في أصل الإفادة. والوسطُ هو الواقع في أكثر ما يجري بين الناس، وفي أكثر ما يجري في هذا الباب.
والاعتراض: أنّ الإله القادر لا يُستبعد عنده كونٌ غيرُ معقول. يستطيع أن يخلق عالمًا فوضويًّا يعرّف نفسه فيه لعبادٍ بطريقٍ آخر، أو عالمًا معقولًا في ركنٍ منه دون سائره. فما دام الفرضُ يحتمل الكونَ المعقول وغيرَه، فوقوعُ المعقول لا يزيده رجحانًا يُعتدّ به. وهذا هو الفرقُ بين لغزٍ قائم — وهو قائمٌ — ودليلٍ ناهض.
وأنصفُ ما يُردّ به عليّ ههنا — وقد كتبتُ الاعتراضَ أوّلَ مرّةٍ في صورةٍ لا يقولها أحدٌ من أهله: أنّ ريتشارد سوينبرن ومن معه لا يدّعون أنّ الإله يمنع كونًا غيرَ معقول. دعواهم أنّ عقلًا مريدًا لأن يُعرَف أرجحُ أن يخلق كونًا مطّردًا من أن يخلق فوضى، وأنّ الرجحانَ يكفي في هذا الباب ولا يُشترط المنع. وموضعُ اعتراضي عليهم أنّ هذا الرجحانَ غيرُ مقدَّرٍ بمقدار، وأنّ تقديرَه يُستخرج من الحال بعد وقوعها لا قبلها — فأنت تعرف كم كان يُتوقَّع بعد أن رأيتَ ما وقع. فالنزاعُ في مقدار الرجحان لا في انعدامه، وذاك أدقُّ ممّا يوهمه ظاهرُ كلامي الأوّل.
وأزيد: إنّ الفرضَ الذي لا يُقيَّد لا يُختبر، ومن أراد أن يرجّح به فعليه أن يقول أوّلًا: أيُّ كونٍ كان ينفيه؟ فإن لم يكن ثمّ كونٌ ينفيه فليس تنبّؤًا بل وصفٌ لاحق.
الاعتراضُ الرابع: وهل القوانينُ أشياءُ أصلًا؟
وهذا اعتراضٌ كان في الصورة الأولى خليّةً في جدول لا سطرًا في متن، وقد نبّهني قارئٌ إلى أنّ اختيارَ ما يُفرد له قسمٌ وما يُحشر في خليّةٍ هو الحجاجُ نفسُه: أفردتُ لهامنغ قسمًا وهو الأضعف، وحشرتُ ههنا أقوى منافسٍ لأطروحة الفصل. فهذا موضعُه.
كتبتُ في الجدول: «كلُّ تفسيرٍ علميٍّ يفترض قوانينَ فلا يفسّر وجودَ القوانين». وسُقتُها مساقَ المسلَّمة. وهي ليست مسلَّمة — هي موقفٌ في طبيعة القوانين، ويقابله موقفٌ آخرُ متماسك:
- الموقفُ الأوّل (الحاكم): القوانينُ أشياءُ في العالم تحكمه وتُلزم الأشياءَ بالجريان على مقتضاها. وعلى هذا يُسأل: من أين جاءت هذه الحاكمة؟ وهو سؤالٌ لا يجيبه العلمُ من داخله لأنّه يستعملها في كلّ جوابٍ يعطيه.
- والموقفُ الثاني (الوصفيّ): القوانينُ ليست أشياءَ تحكم، بل أوصافٌ مختصرةٌ لما يقع. وأدقُّ صياغاته أنّ «القانون» هو من قضايا النسق الوصفيّ الأفضل — الذي يوازن بين البساطة وسعة التغطية — لا كائنٌ زائدٌ على الوقائع. وعليه جماعةٌ من فلاسفة الطبيعة، ويصرّح به بعضُ الفيزيائيين المشتغلين بالفلسفة كشون كارول.
وأين تنكسر الدعوى (١): على الموقف الثاني ينحلّ سؤالُ «لماذا توجد قوانين؟» إلى سؤالٍ آخر: «لماذا كان العالم قابلًا للاختصار؟» — وقد يكون الجوابُ: هو كذلك، ولا مزيد. ولا أملك دليلًا يمنع هذا الجواب. فالسطرُ الذي كتبتُه في الجدول ساقطٌ على إطلاقه، ولا يستقيم إلا مشروطًا بالموقف الأوّل. وقد كنتُ أُلزم به من لا يلتزمه.
وما الذي يبقى بعد الكسر؟ يبقى شيءٌ أنقصُ ممّا كتبتُ: أنّ قابليةَ العالم للاختصار — على الموقف الوصفيّ نفسِه — ليست ضرورةً منطقية. عالَمٌ لا يقبل وصفًا أقصرَ من نفسه متصوَّرٌ بلا تناقض: كلُّ حادثةٍ فيه واقعةٌ مفردةٌ لا تندرج تحت شيء. فوقوعُ الاختصار واقعةٌ ممكنةٌ وقعت، ويبقى السؤالُ عنها سؤالًا. لكنّ من قال «وقعت بلا سبب» لم يناقض نفسَه، ولا حجّةَ عندي تُلزمه. وهذا أضيقُ بكثيرٍ ممّا كان في الصورة الأولى.
فما الذي يبقى؟
| ما يبقى | وما لا يبقى |
|---|---|
| أنّ العالم يقبل وصفًا مختصرًا مطّردًا — واقعةٌ لا نزاع فيها | أنّ هذا يُلزم بوجود إله — لا يُلزم |
| أنّ في الرياضيات انتقالًا بين النطاقات يستدعي سؤالًا (SU(3) · التخيّليّة · العقد) | أنّ السؤالَ لا جوابَ له إلا الإله — الانتزاعُ من بنية العالم جوابٌ متماسكٌ لم أُبطله |
| أنّ قابليةَ العالم للاختصار ليست ضرورةً منطقيةً فتُسأل | أنّ العلمَ عاجزٌ بنيويًّا عن تفسير القوانين — مشروطٌ بموقفٍ في طبيعتها لا يلتزمه الجميع |
| أنّ فرضَ مبدأٍ منظِّم يعطي اللغزَ موضعًا مفهومًا عند من قبِل مقدّماته | أنّه الفرضُ الوحيد — الانتظامُ الخامُّ بلا سببٍ موقفٌ متماسكٌ لمن التزمه |
وهذا لا يُثبت شيئًا عن صفات المنظِّم: لا أنّه واحد، ولا أنّه عليم، ولا أنّه رحيم، ولا أنّه تكلَّم. وأقصى ما يبلغه هذا الفصلُ مبدأٌ منظِّم — وقد يكون عقلًا وقد يكون غيرَه — والمسافةُ من هذا إلى دينٍ بعينه تُقطع بأدلّةٍ من جنسٍ آخر، لا بهذه.
ما الذي تغيّر — محاسبةُ الفصل
| الموضع | الحكمُ الأوّل | الحكمُ بعد الاعتراضات |
|---|---|---|
| النتيجةُ العامّة | «يُرجّح فرضَ عقلٍ مدبِّر ترجيحًا خفيفًا» | لغزٌ قائمٌ لا يبلغ درجةَ الدليل؛ وأقصاه رجحانُ مبدأٍ منظِّم داخل مقدّمات قائلِه |
| ماكسويل | «قال بموجاتٍ لم تُرصد» | خطأ — الورقةُ توحّد ولا تتنبّأ بطيف؛ والمثالُ ينتقل من موضع الاستدلال إلى موضع التوحيد |
| فيغنر | «ختم بدعوةٍ إلى بحثٍ في فلسفة العلم» | خطأ — ختم بامتنانٍ ورجاءِ امتداد |
| الأمثلةُ الحاملة | ماكسويل وريمان (وكلاهما مكسور) | أربعةٌ تصمد، وماكسويل وريمان ليسا حاملَين |
| الأجسامُ الثلاثة | «لا صيغةَ مغلقة» | خطأ — حلُّ سوندمان ١٩١٢؛ والعلّةُ بطءُ التقارب والفوضوية |
| الطقس | إخفاقٌ للرياضيات | مُسقَط — بل انتصارٌ لها بأُسّ ليابونوف |
| شرطُ الترجيح | «يتنبّأ ويستبعد النقيض» | «المعطى أرجحُ على الفرض منه على نقيضه» — والمنعُ ليس شرطًا |
| اعتراضُ سوينبرن | لم يُعرض | عُرض، والنزاعُ في مقدار الرجحان لا في انعدامه |
| «العلمُ لا يفسّر القوانين» | مسلَّمةٌ في جدول | مكسورة — مشروطةٌ بالموقف الحاكم؛ والوصفيُّ يحلّها إلى «لماذا الاختصار؟» وقد يكون الجوابُ: هو كذلك |
فالحكم: لغزٌ قائمٌ لا حسمَ فيه إلى اليوم، ولا يبلغ درجةَ الدليل؛ وأقصى ما فيه أنّ من قبِل مقدّماتٍ بعينها وجد فرضَ المبدأ المنظِّم أحسنَ موضعًا للّغز عنده. ومن قرأ في هذا الباب وعدًا بأكثرَ من ذلك فقد قُرئ عليه ما لا يقوله أهلُه.