Skip to content

١. لمن هذا الكتاب، وكيف تقرؤه

السؤال: لمن كُتب هذا الكتاب؟ وما الذي يَعِدك به، وما الذي لا يَعِدك به؟

الجوابُ في سطرين: كُتب لمن في صدره سؤالٌ لم يُجَب، ولمن يريد أن يفهم قريبًا له بدأ يبتعد. ويَعِدك بأن يعرض عليك أقوى ما عند مخالفك بصيغة أهله، وأن يقول «لا أعلم» حيث لا يعلم — ولا يَعِدك بأن تخرج منه مقتنعًا.

من أنت في هذه الصفحة؟

أنا لا أعرفك. وما يلي ليس تصنيفًا للناس، إنّما فهرسٌ للأبواب: ستّةُ مداخلَ أعرف أنّ القرّاء يدخلون منها، لتعرف من أين تبدأ. ومن لم يجد نفسَه في السطور الستّة فليقرأ من حيث شاء — النقصُ في جدولي لا فيه.

من أنتما تحتاجه فعلًامن أين تبدأ
شاكٌّ لم يحسمأن يُصغى إلى سؤالك قبل أن يُجابالفصل الثاني، ثمّ ما يخصّ سؤالك
تارِكٌ حسم أمرهأن تُعرض عليك حجّتُك بأمانةٍ قبل أن تُناقَشباب الأدلّة، وباب الشرّ والخفاء
غيرُ مؤمنٍ مطمئنّألّا يُفترض فيك نقصٌ ولا وجعٌ لتفسير موقفكباب الأدلّة مباشرةً، وتخطَّ الفصل الثاني
مؤمنٌ يريد أن يفهم قريبًاأن تعرف من أيّ بابٍ دخل، لا كيف تُفحمهالفصل الثاني كلُّه
موجوعٌ لا شاكّأن يُسمّى وجعُك باسمهباب الألم، ولا تبدأ بالبراهين
مُرهَقٌ بسؤالٍ يعودأن يُقال لك إنّ هذا قلقٌ يُعالَج لا شبهةٌ تُردّآخر هذا الفصل

والسطرُ الثالث أُضيف بعد أن قرأ الفصلَ غيرُ مؤمنٍ فقال: «ليس لي صفٌّ في جدولك؛ كلُّ صفوفك تفترض أنّ في المرء ثقبًا يُفسَّر به موقفُه». وكان محقًّا، والجدولُ كان يهرّب أطروحةً في عمود. فمن كان لا يوجعه شيءٌ ولا يعود إليه سؤالٌ في الليل وليس في صدره غصّة، وإنّما لا يجد ما يوجب التصديق — فهذا موقفٌ قائمٌ بنفسه لا عَرَضٌ لعلّة، والفصلُ الثاني كلُّه لا يعنيه، وله أن يتخطّاه إلى مواضع النظر.

والصنفان الأخيران لا يُعالجان بالبرهان أصلًا. ومن جاءهما ببرهانٍ فقد عالج في غير الموضع. وسأقول في الفصل الثاني كيف تعرف أيُّهم أنت — لا بسؤالٍ واحدٍ يفرز، فذاك لا يكون، بل بأربع علاماتٍ تجدها في نفسك أو لا تجدها.

سبعةُ عهودٍ تُحاسبني عليها

هذه ليست ديباجةً تُقرأ وتُطوى. كلُّ عهدٍ منها يُقاس: تستطيع أن تفتح أيَّ صفحةٍ في الكتاب وتسأل: أوُفِّي به هنا أم لا؟ وقد فتح قرّاءُ النسخة الأولى وقاسوا، فوجدوا العهدَ الخامس مخروقًا في أكثر مواضعه — وسترى أثرَ ذلك في هذا الفصل: عند كلّ مثالٍ سطرٌ يقول أين ينكسر، وما لم أجد له كسرًا قلتُ إنّي لم أجد.

الأوّل: لن أستدلّ عليك بما لا تعترف به. إن كنتَ لا تُسلّم بأنّ القرآن كلامُ الله، فالاستدلالُ به عليك في مسألة وجود الله مصادرةٌ على المطلوب — أي أنّني أضع النتيجةَ في المقدّمة ثمّ أفرح بأنّها خرجت. والمثال: رجلٌ يطالبك بدَينٍ، فتسأله البيّنة، فيُخرج دفترَه الذي كتب فيه بيده أنّك مدين. الدفترُ ليس شاهدًا، هو الدعوى مكتوبةً. فسؤالُ «هل تكلَّم؟» له بابٌ في آخر الكتاب، ولا يُقدَّم على سؤال «هل هو موجود؟».

*وأين ينكسر*: الدفترُ ورقةٌ واحدةٌ كتبها صاحبُ الدعوى بيده، والنصُّ الذي يُستدلّ به عند أهله سلسلةُ نقلٍ ومحتوًى يُنظر فيه ودعوى تحدٍّ منشورة. فالمثال يصلح لبيان الدور المنطقيّ في هذا الموضع بعينه — أنّك لا تُثبت الأصل بالفرع — ولا يصلح حكمًا على قيمة النصّ في بابه، وذاك بابٌ آخر يُفتح في موضعه.

وأصدقُ ما اعتُرض به عليّ هنا: أنّ هذا تنازلٌ لا يكلّفني شيئًا، لأنّ أحدًا لا يحاجّ ملحدًا بالقرآن في وجود الله أصلًا؛ والمصادرةُ الحقيقيةُ في المقدّمات غير القرآنية: مبدأِ العلّة الكافية (أنّ لكلّ أمرٍ ما يفسّره)، وقاعدةِ أنّ الممكن يفتقر إلى واجب، وافتراضِ أنّ «التفسير» مطلوبٌ ههنا أصلًا. والاعتراضُ صحيح. فأزيد العهدَ على نفسي: حيث تدخل مقدّمةٌ من هذه في دليلٍ أسوقه، أُفردها بسطرٍ وأقول: هذه مقدّمةٌ ليست بديهيةً عند خصمي، وأوبي ينازع فيها نزاعًا معتبَرًا، ومن لم يسلّمها لم يلزمه ما بُني عليها. ومن وجدني خالفتُ هذا في بابٍ من أبواب الأدلّة فقد وجد خرقًا يُحاسبني به.

الثاني: لن أُضعِف خصمي لأغلبه. كلُّ اعتراضٍ في هذا الكتاب مكتوبٌ بأقوى صيغةٍ يعرفها أهلُه ومنسوبٌ إلى قائله بالاسم — غراهام أوبي، وج. ل. ماكي، وويليام رو، ودانييل دينيت، وتوماس ناجل، وبول درابر، وجيه. إل. شيلينبرغ. والمثال: مدرّبٌ يختار لتلميذه خصمًا مأمورًا بالسقوط في الجولة الأولى، فيخرج التلميذُ واثقًا حتى يلقى أوّلَ خصمٍ حقيقيّ. ومن كسر رجلَ قشٍّ لم ينتصر إلا على صنعة يديه — والقارئُ الذي يعرف الصيغة الحقيقية يرى الحيلةَ فيسقط عندي كلُّ ما قلت، لا ذلك الموضع وحده.

*وأين ينكسر*: المدرّبُ يعرف أنّه اختار خصمًا ضعيفًا؛ وأكثرُ من يبني رجلَ قشٍّ لا يعلم أنّه بناه — يظنّ أنّه نقل موقفَ خصمه كما هو. فالمثالُ يُري الصورة ويُخفي أخفى ما فيها، ولذلك جعلتُ علاجَه إجرائيًّا في آخر الفصل الثاني لا تحذيرًا أكتفي به.

وكان في هذه القائمة اسمُ شون كارول، فحُذف. لا لأنّ الرجل ليس أهلًا، بل لأنّي راجعتُ مراجعَ الكتاب كلِّها فلم أجد له فيها مدخلًا واحدًا — والعهدُ نصُّه «منسوبٌ إلى قائله بالاسم»، واسمٌ يُوعَد به في الديباجة ولا يُنسب إليه شيءٌ في المتن يُنقض العهدَ في موضع إعلانه. فإمّا أن يدخل بنصٍّ ومرجع، وإمّا ألّا يُذكر. وهذا أوّلُ ما أُريك من ثمن العهود.

الثالث: حيث لا حسمَ سأقول لا حسم. وهذا أثقلُها عليّ. والمثال: ميزانُ حرارةٍ في صيدلية عالقٌ عند ٣٧. تقيس به على سليمٍ فيصدق، وتقيس على محمومٍ فيكذب — والعطبُ ليس أنّه أخطأ مرّة، بل أنّ قراءتَه لا تتغيّر بتغيّر الحقيقة، فهي لا تنقل عنها شيئًا أصلًا. وكتابٌ عنده جوابٌ حاسمٌ عن كلّ شيء هو ذلك الميزان.

*وأين ينكسر*: في الحرارة نملك ميزانًا ثانيًا نقابل به، وفي المسائل الكبرى قد لا نملك. وأزيد كسرًا ثانيًا لم أكن أقوله: هذا المثالُ سلاحٌ يُوجَّه إليّ قبل غيري — فإن كانت أطروحةُ فصلي الثاني تُقرأ تأييدًا لي مهما شهد التارك، فهي الميزانُ العالق. وقد وُجّه إليّ فعلًا، وستجد جوابي في موضعه من ذلك الفصل، لا في هذه الصفحة حيث يسهُل الوعد.

الرابع: الجوابُ المباشر أوّلًا. كلُّ فصلٍ يفتح بالسؤال في سطر، ثمّ بـ«الجواب في سطرين»، قبل أيّ تفصيل. والمثال: نشرةُ الدواء تبدأ بالجرعة لا بتاريخ الشركة. فمن لا يملك وقتًا يخرج بالجواب من أوّل الفصل، ومن أراد الاشتباك أكمل.

*وأين ينكسر*: نشرةُ الدواء تلخّص أمرًا محسومًا في المعمل، فاختصارُها أمانة. ومسائلُ هذا الكتاب أكثرُها غيرُ محسوم، والاختصارُ فيها يُغري بأن يُقال في سطرين ما لا يُقال إلا في باب. فاقرأ «الجواب في سطرين» على أنّه عنوانُ الطريق لا نهايتُه؛ ومن وقف عنده فقد أخذ منّي رأيًا ولم يأخذ حجّة.

الخامس: لكلّ فكرةٍ مجرّدةٍ مثالٌ محسوس. ولن أكتب فقرةَ تجريدٍ بلا مشهدٍ يليها من حياةٍ تعرفها. وسأقول مع كلّ مثالٍ أين ينكسر — فالمثالُ يُفهِم ولا يُثبِت، ومن جعله دليلًا خسر مرّتين: خسر الدليل، وخسر ثقة قارئٍ فطِنٍ رأى القفزة.

*وأين ينكسر*: أنّ المثال يُختار، والذي يختاره صاحبُ الدعوى. فما يبقى في ذهنك بعد أسبوعٍ هو المشهد لا التحفّظ الذي تحته — وهذا الأثرُ لا يُبطله أن أُعلنه لك. فإن رأيتَ مشهدًا مقنعًا في هذا الكتاب فاسأل: أهذا يُريني الآليّة، أم يُقنعني بالنتيجة؟ فالأوّل حقُّه أن يُقبل، والثاني حقُّه أن يُردّ حتى تأتي حجّة.

السادس: كلُّ رقمٍ له مرجع، ومع المرجع ما لا يقوله. وهذا عهدٌ غيرُ معتاد، فاسمح لي أن أُريَك ثمنَه الآن. يُتداول في الكتابة العربية أنّ «البحر» ورد في القرآن ٣٢ مرّةً و«البرّ» ١٣، فتكون النسبةُ ٧١٫١١٪ وهي نسبةُ الماء على سطح الأرض. وقد عُدّت الصيغتان في النصّ العثمانيّ عدًّا آليًّا فخرج البرّ ١٩ · البحر ٢٣، فسقط الحساب. وفوق ذلك ثلاثُ عللٍ في الدعوى نفسِها: المصادرُ الناقلةُ تختلف في العدد وهي تنقل بعضُها عن بعض؛ والحسابُ يلزمه هذان الرقمان بعينهما فتغيُّرُ واحدٍ يهدمه؛ والدعوى لا تحدّد الصيغةَ المعدودة — «البحر» غير «بحر» وغير «بحرين» — ودعوى لا تحدّد صيغتَها لا تُختبر أصلًا، وذاك عيبُها قبل مخالفة العدد.

فإن كنتَ ممّن سمع هذا وأعجبه، فاعلم أنّي لم أسُقه لأشمت بمن قاله. سُقتُه لأنّ دعوى تُنسب إلى القرآن ويُكذّبها العدُّ أشدُّ ضررًا من الصمت عنها: القارئ يتلقّاها على أنّها دين، ثمّ يجدها مخالفةً فيرتدّ الأثرُ على القرآن نفسه. والذي يخسره الكتابُ بهذا الاعتراف أقلُّ ممّا يكسبه.

وقيل لي: هذا أرخصُ تنازلٍ ممكن — أسقطتَ ما يستحيي منه أهلُك أصلًا، ولم تُسمِّ دليلًا واحدًا على وجود الله تراه فاشلًا. وهو اعتراضٌ في محلّه، فأُسمّي ثلاثة:

  • دلائلُ «الإعجاز العلميّ» بجملتها كما تُساق في المنابر: تقرأ في الآية ما استقرّ في العلم بعد نزولها، ثمّ تجعل الموافقةَ برهانًا. وعلّتُها بنيويّةٌ لا عدديّة: النصُّ يحتمل المعنى المتأخّر ويحتمل غيرَه، ولم يُستخرج المعنى منه قبل أن يُعرف من غيره. وما لا يُتنبّأ به قبل وقوعه لا يُحتجّ به بعد وقوعه.
  • برهانُ الفطرة بصيغته الشائعة: «كلُّ إنسانٍ يجد في نفسه». هذا وصفٌ لحالٍ نفسيّةٍ لا حجّةٌ تُلزم مخالفًا، ومن لم يجدها في نفسه لم يبقَ لك عليه شيء — وقد يكون صادقًا في أنّه لم يجدها.
  • وأكبرُ من هذا: أنّ أمتنَ مسحٍ نقديٍّ لأدلّة وجود الله عند أهل النظر يخلص إلى أنّها لا تنجح بالمعنى الصارم — إلزامِ خصمٍ عقلانيٍّ بالنتيجة — ومن نقل عن أوبي هذا فقد نقل نصفه، فهو يقرّر مثلَه في حجج الإلحاد. وأنا آخذ بشطرَي حكمه لا بشطر: أدلّتنا عندي معقولةٌ مرجِّحة، ولستُ أزعم أنّ واحدًا منها يُلزم من لم يُسلّم مقدّماته.

السابع: لا ترهيب. لن تقرأ في هذا الكتاب سطرًا يُخوّفك من الموت لتؤمن. ومن آمن خوفًا من التهديد لم يؤمن — إنّما أطاع مؤقّتًا من يستطيع أن يؤذيه. وأنت تعرف الفرقَ في نفسك قبل أن أقوله لك.

كيف تقرؤه

لا تقرأه على الترتيب إن لم يكن ترتيبُه ترتيبَ سؤالك. هذا كتابُ أبوابٍ لا كتابُ سلسلة. ابدأ من البابٍ الذي يوجعك، فإن لم ينفعك فاتركه ولا تُكمل مجاملةً لي.

ولك أن تخرج من أيّ فصلٍ على شكّك. لا شيءَ في هذا الكتاب يشترط عليك أن تقتنع، ولا فصلَ فيه مكتوبٌ على أنّ بقاءك حيث أنت هزيمةٌ لي. وأقول هذا لسببٍ عمليّ: الإنسانُ إذا شعر أنّ حرّيته تُنتزع تشبّث بها لذاتها، فيصير موقفُه دفاعًا عن نفسه لا حكمًا على المسألة. فأنا أرفع عنك هذا الضغط من أوّل صفحة، لأنّ رفعه شرطُ أن تقرأ ما بعده قراءةً حرّة.

واقرأ ببطء، ولا تنتظر أن تُحسم في جلسة. الشكُّ يُحلّ في سنواتٍ لا في فصل، ومن كتب على افتراض الحسم الفوريّ كتب مناظرةً وسمّاها كتابًا. وأنجحُ ما أرجوه لهذا الكتاب أن يترك عندك جملةً تُستدعى بعد سنة، لا اقتناعًا يُنتزع الليلة.

واقرأه ومعك من تحاوره به إن استطعت. وسأقول في الفصل الثاني لماذا: أرجحُ ما يُقال في وظيفة العقل أنّه يعمل في التبادل أحسنَ ممّا يعمل في العزلة — وهذا يُقال على كتابٍ مكتوب، أي على أضعف الوجهين. فأنا أعمل في الشرط الأضعف وأعلم ذلك، ولا أستطيع أن أُصلحه من جهتي؛ إنّما أستطيع أن أُخبرك به.

وهذا لا يُثبت

هذا الفصلُ لا يُثبت أنّ ما في الكتاب صحيح. العهدُ ليس حجّة، والنيّةُ الحسنةُ ليست دليلًا، وقد يفي الكاتبُ بعهوده السبعة كلِّها ويكون مخطئًا في كلّ فصل. غايةُ ما يفعله هذا الفصل أن يعطيك مقياسًا تقيس به الكتاب — ومقياسٌ في يدك خيرٌ لك من ثقةٍ تُطلب منك.