تخطَّ إلى المحتوى

الرسالةُ التي لا تُكتب

في التخطيط الأوّل لهذا القسم كان في هذا الموضع بابٌ آخر. له عنوانٌ مكتوب، وموضعٌ محجوز، وسطرٌ في الفهرس: صفحةٌ يتكلّم فيها الخالقُ بضمير المتكلّم ويكون المخاطَبُ فيها قارئًا بعينه.

وقد حُذف. وهذه الصفحةُ بيانُ الحذف.

وأوّلُ ما أقرّ به أنّ في الوصف نفسِه بعضَ ما أعيب: من وصف الصفحةَ أعان على تخيّلها، ومن قال «لن أكتب كذا» فقد بلّغ منه طرفًا. ولا مخرجَ من هذا إلا السكوتُ عن الأمر كلِّه — وحينئذٍ لا بيانَ ولا حذفَ معلن. فاخترتُ البيانَ ووصفتُ الصنفَ بقدر ما يُعرف به، ولم أزد عليه نبرةً ولا خاتمة. وهذا حدُّ ما أستطيع، وأنا أذكره لك ولا أخفيه.

وأبدأ باعترافٍ يُفسد عليّ نصفَ ما سأقول بعده: أنا لا أزعم أنّها لا تؤثّر. أحسبها في كتبٍ كثيرةٍ أشدَّ صفحةٍ أثرًا، ولعلّها الصفحةُ التي تبقى بعد أن تُنسى الفصول. وهذا حسباني لا خبرٌ عندي به: لم أستطلع قرّاءَها، ولا أملك عليه شاهدًا.

وقد يكون الأمرُ عكسَ ما قدّرت. قد تكون هذه الصفحةُ عند من يقرؤها بعينٍ فاحصةٍ أضحوكةً لا مؤثِّرًا، ومن أسباب ترك هذا الصنف من الكتب لا من أسباب البقاء معها. فإن كان ذلك هو الواقع فامتناعي عنها لا يساوي شيئًا، ولا يُحسب لي ثمنًا ولا شجاعة — تركتُ ما لا قيمة له ثمّ طلبتُ عليه أجرًا. وأنا لا أعرف أيَّ الأمرين الواقع، ولا سبيلَ عندي إلى معرفته. فلا تقبل منّي تقديرَ الثمن، واحسبه أنت.

ولستُ أبكّت من كتبوها. أكثرُهم كتب بحسن نيّة، وبعضُهم أرحمُ بك منّي ومن قلمي. إنّما أقول ما يمنعني أنا، ثمّ الحكمُ لك.


أوّلًا: لأنّي لا أملك الحرف

الجملةُ التي تبدأ في تلك الرسائل بعبارة «يقول لك ربُّك» — وأنا أسوقها لأمتنع عنها لا لأكتبها — ليست جملةً مبالغًا فيها؛ هي جملةٌ منسوبةٌ إلى غير قائلها. وإن نسبتُ إلى الله كلامًا لم يقله فقد قلتُ عنه ما لم يقل. وليس في هذا الكتاب كلِّه خطأٌ يعدل هذا عندي.

وانظر في الفرق: أخطاءُ الكتاب الأخرى قابلةٌ للإصلاح. رقمٌ يُعاد عدُّه، ونسبةٌ تُراجَع على مصدرها، وفقرةٌ تُحذف فتذهب معها المسألة. أمّا هذه فليست خطأً في معلومة. هي انتحالُ صفة. والانتحالُ لا يُصلَح بالتصحيح، لأنّ الخطأ ليس في المضمون بل في الفم الذي وُضع فيه.

وقد يقال لي: هي صنعةٌ أدبيةٌ معروفة، والقارئُ يعرف أنّها صنعة. وجوابي شقّان. أمّا من عرف أنّها صنعةٌ فهي عنده أضعفُ لا أقوى، إذ يراها عاطفةً مصنوعةً وُضعت في موضع الدليل. وأمّا غيرُه فقد رأيتُ هذه المقاطع تُنشر بلا عنوانٍ ولا مؤلّف، فيتلقّاها من يتلقّاها منقولةً لا مؤلَّفة. والصنعةُ التي لا تسافر معها لافتتُها تصير في الطريق شيئًا آخر.

واعتراضٌ في المنبع لا في المصبّ

وهاهنا اعتراضٌ أُقدّمه قبل أن أمضي، لأنّه أوّلُ ما يَرِد لا آخرُه:

«أنت تتورّع عن نسبةٍ ثانيةٍ داخل نسبةٍ أولى لم تُثبتها. فنسبةُ النصّ الأوّل إلى قائلٍ إلهيّ هي المسألةُ عندي، لا فرعٌ منها. وكلامُك المخترع والنصُّ الذي تدلّني عليه في خانةٍ واحدة، يفترقان في من كتبه لا في أَصحّت النسبةُ أم لا

وهذا صحيحُ الورود، وليس جوابُه في هذه الصفحة، ولا أزعم أنّي أجبتُه هنا. غايةُ ما تفعله هذه الصفحةُ أنّها تُخرج نصًّا ثالثًا من الباب: كلامي أنا. أمّا مسألتُك فتبقى قائمةً كما هي، لم تنقص منها هذه الصفحةُ شيئًا. ومن قال لك إنّ ورعَ الكاتب دليلٌ على دعواه فقد باعك سلعةً لا يملكها.

ثانيًا: لأنّي لو كتبتُها لخسرتُ حيث أردتُ الكسب

ولستَ ملزَمًا أن تقرأ هذا الكتاب لتُقنَع. ولك أن تقرأه لتختبرني، ولك أن تقرأه لأنّ صديقًا ألحّ، أو لفضولٍ، أو لأنّك تحبّ نثرًا. لا أعلم لِمَ تقرأ، ولا أدّعي طريقًا إليه.

فلو بلغتَ صفحةً اخترعتُ فيها صوتًا لمن لا أملك صوته، لكان لك أن تقول ما هو أثقلُ من «هذه فقرةٌ ضعيفة»؛ أن تقول: «إذن هو يصنع ما يؤثّر فيّ» — ولكان الحكمُ في موضعه. ثمّ يرتدّ هذا الحكمُ إلى الخلف — إلى كلّ رقمٍ سقتُه، وكلّ مرجعٍ أحلتُ عليه، وكلّ موضعٍ قلتُ فيه «لا أدري». فأخسر الكتاب كلَّه في صفحة، لا الصفحةَ وحدها.

وهذه ليست فرضيّةً نفسيّةً أسوقها إليك؛ هي قاعدةٌ أرتضيها على نفسي أوّلًا: من ضُبط في موضعٍ واحدٍ يُراجَع في كلّ موضع — يُراجَع لا يُبطَل. ولا أطلب منك أن تُعفيني منها. وأنا لا أريد تصديقًا مبنيًّا على أثرٍ صنعتُه بيدي، لأنّ ما بُني على أثرٍ يزول بزواله؛ ولستُ أطمع في قارئٍ يبقى معي ما دام متأثّرًا. وأُوثر أن أخسرك وأنا صادق، على أن أكسبك وأنا أضع كلامًا في فمٍ لا أملكه.

وثمّ ما هو أدقّ من هذا. هذه الرسائلُ لا تكتفي بأن تتكلّم عن الله؛ هي تتكلّم عن المخاطَب نفسِه. وأكثرُ ما قرأتُ منها يدور على جملةٍ واحدةٍ بصيغٍ مختلفة: أنّك في قرارة نفسك تعلم، وأنّك إنّما هربتَ من شيءٍ في نفسك، وأنّك تنكر بلسانك ما يقرّ به قلبُك. فهي تنسب إلى الله دعوى، ثمّ تجعل موضوعَ الدعوى ضميرَك أنت.

وأنا لا أعلم ما في نفسك. لا أعلمه ولا أدّعي طريقًا إليه. ولو كنتُ أعلمه لما احتجتُ أن أكتب أصلًا. وأخطرُ ما في تلك الصفحة أنّها تختم النقاشَ قبل أن يبدأ: فإن وافقتَ فقد أُقررت، وإن خالفتَ فخلافُك نفسُه دليلٌ على ما قيل عنك. وحجّةٌ يُحسب فيها كلُّ جوابٍ تصديقًا ليست حجّة؛ هي بابٌ مغلقٌ رُسم عليه بابٌ مفتوح.

ثالثًا: لأنّ قاعدةً تُنقض مرّةً لم تكن قاعدة

هذا الكتاب فرعٌ عن عملٍ قام على قاعدةٍ واحدة: أنّ عملَنا الفهرسة لا الشرح، وأنّ ما لا نملكه لا نقوله.

ولم تكن قاعدةً مكتوبةً للزينة. وهذه ثلاثةُ مواضعَ بأسمائها وأرقامها، لا لتصدّقني فيها بل لتفتحها عليّ:

١. أخذنا مقالاتٍ تُساق في باب الإعجاز العدديّ فعددنا ألفاظَها في النصّ بأنفسنا. قيل إنّ لفظ «الآخرة» ورد مئةً وخمس عشرة مرّة — فوجدناه إحدى وسبعين. وقيل «يوم» ثلاثُ مئةٍ وخمسٌ وستّون و«أيّام» ثلاثون — فوجدناهما مئتين وسبع عشرة وعشرين. وقيل «البرّ» ثلاثَ عشرة و«البحر» اثنتين وثلاثين — فوجدناهما تسعَ عشرة وثلاثًا وعشرين. فسقطت أربعةُ مقالات: كانت عشرين وصارت ستّةَ عشر. والأمرُ الذي يُعيد العدَّ أمامك: `php tools/verify_claims.php`.

٢. وكان معروضًا عندنا حديثٌ في فضل الأمّ، حقلُ مصدره يقول «ضعيف ولكن المعنى صحيح» — تضعيفٌ وتصحيحُ معنًى بلا محدِّثٍ يُنسب إليه، في الحقل الذي يُنسخ بزرّ النسخ. فحُذف المدخل ولم يبقَ منه سطر. ثمّ أُعيد نظيرُه بعد أن وُجد له حكمٌ منسوبٌ إلى محدِّثٍ بعينه (صحيح الجامع ١٢٤٩ · حسن).

٣. وقابلنا نصّ المصحف الذي نعرضه على أصلٍ ثالثٍ خارج أيدينا، بعد أن كانت فحوصُنا كلُّها داخلية. فمن ستّة آلافٍ ومئتين وستٍّ وثلاثين آيةً شذّت خمسة، كلُّها أعطبها النقلُ إلينا: يوسف ٣٩ و٤١ — ألفٌ مقصورةٌ زائدةٌ في كلمة، وهي والألفُ الخنجريةُ تتجاوران في الرسم فلا تكشفهما عينٌ ولا قراءة؛ والبقرة ١٨١ والأنفال ٦ والرعد ٣٧ — كلمتان وُصلتا وقد فصلهما الرسم. وأثرُ الثانية يتعدّى الشكلَ إلى الفهرس: عددُ الكلمات كان سبعةً وسبعين ألفًا وأربعَ مئةٍ وثلاثين فصار سبعةً وسبعين ألفًا وأربعَ مئةٍ وثلاثًا وثلاثين، ومن بحث عن الكلمتين مفصولتين لم يجد المواضعَ الثلاثة. أُعلنت وأُصلحت وكُتب كيف وقعت. والأمر: `php tools/check_quran_text.php`.

وليس شيءٌ من ذلك بالهيّن على النفس: فيه ما نُقض بعد نشره، وفيه ما كان الصمتُ عنه أسلمَ إذ لم يكن أحدٌ ليسأل — الخمسةُ لم يكن يكشفها إلا مصدرٌ ثالثٌ لم يكن أحدٌ يطالبنا به. فإذا جئتُ إلى الصفحة التي يُبكى عندها فاستثنيتُها، فقد أعلنتُ أنّ القاعدة تسري حيث تهون وتتوقّف حيث تشتدّ. والالتزامُ حيث لا ثمنَ ليس التزامًا. والاستثناءُ في موضع الشدّة هو الاستثناء الوحيد الذي يهدم القاعدة كلَّها.

واعتراضٌ لا أدفعه

وثمّ اعتراضٌ أحسبه ممّا يَرِد على من قرأ هذا الباب بعينٍ فاحصة:

«وهل إعلانُك الامتناعَ إلا صنعةٌ أخرى؟ تركتَ الصفحةَ التي تُبكي وكتبتَ مكانها صفحةً تُشعرني أنّك أمين — والمكسبُ واحد، وإنّما تغيّر الطريق.»

وهذا اعتراضٌ صحيحٌ لا أدفعه بإنكار. نعم، يمكن أن يكون الامتناعُ صنعة. والفرقُ ليس في نيّةٍ أزعمها لنفسي — نيّتي لا تصل إليك ولا ينبغي أن تُحاكِمني إليها — بل في شيءٍ قابلٍ للقياس: هل جرت القاعدةُ في المواضع التي كلّفَت؟ وقد سقتُ لك ثلاثةً بأسمائها وأمرَين تشغّلهما، فافتحها عليّ.

ولكنّ هذا الفحصَ محدودٌ حدًّا أذكره لك ولا أستره: هو يفحص أمانتي لا دعواي. ورجلٌ أمينٌ تمامًا يمكن أن يكون مخطئًا تمامًا. فلو أجريتَ الفحصَ كلَّه فخرجتَ منه بأنّي صادقٌ دقيق، لم تكن قد قرّرتَ شيئًا في المسألة نفسِها — وهو أهونُ الفحصين عليّ، فلا تُعطِه أكثرَ من قدره.

ولا أستطيع أن أُخرج نفسي من شكّك إخراجًا تامًّا، ولا أظنّ أنّه ينبغي لي.


فماذا بقي إذن؟

بقي شيءٌ واحدٌ أملكه، وهو — على تواضعه — كلُّ ما أستطيع أن أقدّمه إليك بصدق: أن أدلَّك على النصّ.

النصُّ موجود. منشورٌ بلغته الأولى، كاملًا، غيرَ مختصَرٍ ولا منقًّى ولا مرتَّبٍ على ما يعجبك، ومعه ترجماتٌ إلى إحدى عشرة لغة، أكثرُها منسوبٌ إلى مترجمٍ بعينه تعرف اسمَه فتحكم عليه، وتستطيع أن تقابل الترجمةَ على النصّ الأوّل كلمةً كلمة.

وحدُّ ذلك: واحدةٌ لكلّ لغةٍ لا اثنتان، فمن أراد أن يقابل ترجمتين في لغةٍ واحدةٍ ليرى أين اختلف المترجمون فليس ذلك عندنا. وواحدةٌ من الإحدى عشرة بلا مترجمٍ مسمًّى. أقولها لك لئلّا تجيء تطلبُ ما وُعدتَ به فلا تجده.

وأنا واقفٌ بينك وبينه لا محالة. كتابٌ كاملٌ قبل الإشارة تهيئة، والدلالةُ بعد مئتي صفحةٍ من تمهيدٍ ليست حيادًا، ولا أدّعيه. غايةُ ما أستطيعه أن أدلَّك على موضعٍ تفتحه من غير طريقي: تفتحه على أشدّ مواضعه عليك، لا على المواضع التي أختارها لك.

وقد تسألني: أوليس نقلُك عنه في هذا الكتاب نيابةً عنه؟ لا. بين أن أنقل نصًّا قائمًا فأدلَّك على موضعه لتقابله عليّ، وبين أن أؤلّف نصًّا لا وجود له ثمّ أنسبه — فرقُ ما بين النقل والتقوّل. الأوّل تستطيع أن تكذّبني فيه بالرجوع؛ والثاني لا مرجعَ له إلا أنا. والدعوى التي مرجعُها كاتبُها لا سبيلَ لك إلى تكذيبها، ولا إلى تصديقها. وأن أدلَّك عليه خيرٌ من أن أنوب عنه، فالنائبُ يُسمَع صوتُه هو.

ولا أشترط عليك نتيجةً في مقابل هذا. اقرأه، فإن خرجتَ منه إلى حيث أنت الآن فذاك حقُّك ولا أملك عليك شيئًا، وأنت بعده رجلٌ قرأ فحكم — وهذه أرفعُ حالٍ ينتهي إليها اثنان مختلفان.


وحدُّ هذا كلِّه

وهذه رسالةٌ لا برهان.

ولا يصحّ أن يُبنى على امتناعي شيء. امتناعي عن اختراع صوتٍ لا يجعل ما أقوله صادقًا، ولا يُثبت حرفًا ممّا أعتقده؛ رجلٌ يمتنع عن التزوير ليس بذلك محقًّا في دعواه. غايةُ ما تفعله هذه الصفحة أن تُبقي بابًا واحدًا مفتوحًا: أنّ ما قرأتَه في هذا الكتاب تستطيع أن تختبره، لا أن تُستمال به.

وأقصى ما يبلغه استدلالٌ في هذا الباب — لي ولك على السواء — أن يقول: «هذا أرجح». هذا أقصاه. وأنا لا أعدك بأكثر منه، ومن وعدك بأكثر فقد وعدك بما لا يملكه هو نفسُه. وأمّا اليقين فليس ممّا يُعطيه كتاب — لا كتابي، ولا كتابُ من يخالفني.

وبقي أنّي كتبتُ إليك خمسَ صفحاتٍ ولم أسألك شيئًا، وصغتُ اعتراضَك بلساني ثمّ أجبتُه — وذاك عيبٌ في نفسه: أن يُترك للمخاطَب مقعدُ من قيل له سلفًا ما سيقول. فأختم بثلاثةٍ لك أنت، وأوّلُها أن تصحّح لي اعتراضَك إن كنتُ أخطأتُ صياغتَه.

فما الذي يغيّر رأيك؟ لا لأحتال عليه، بل لأعرف أثمّة شيءٌ أصلًا. فإن لم يكن، فليس بيننا نقاشٌ يُجدي ولا لومَ عليك في ذلك.

وما الذي يغيّر رأيي أنا؟ أن تُريَني قاعدةً من قواعدي توقّفت حيث كلّفت، فأُصلحَها أو أُسقِطَ الدعوى المبنيّةَ عليها. وأن يُقابَل النصُّ الذي أدلّك عليه على أقدم ما يُوجد منه فيختلف اختلافًا يمسّ معناه، ويكون ذلك قد كُتم. وهذا فحصٌ لا أملك أن أُغلقه، ولا أريد.

وأخيرًا: أتريد أن يُكتب إليك في هذا الباب أصلًا؟ فإنّي لم أسألك قبل أن أكتب.