تخطَّ إلى المحتوى

٣. ما الذي نتكلّم عنه أصلًا؟

السؤال: قبل أن نسأل «أيوجد الله؟» — أنعرف ما تعنيه الكلماتُ التي سنتنازع فيها؟

الجوابُ في سطرين: كثيرٌ ممّا يُظنّ خلافًا في الحقيقة هو خلافٌ في معنى كلمة، ولو حُرّرت الكلمةُ لسقط بعضُ النزاع قبل أن يبدأ. وهذا الفصلُ يحرّر سبعةَ عشرَ لفظًا في خمسةَ عشرَ مدخلًا، ثمّ يضع جدولًا يعرف به القارئُ أين يقف بالضبط وما الذي يلزمه هو. وهو لا يحسم شيئًا من النزاع الأصليّ، ولا يزعم ذلك.

حكايةُ ثلاث ساعات

جلس رجلان يتناقشان في «الصدفة» ثلاثَ ساعات. كان أحدهما يعني بها: ما لا سببَ له. وكان الآخر يعني بها: ما لم يقصده أحد. وكلٌّ منهما يردّ على معنًى لم يقله صاحبُه، ويظنّ أنّ خصمه يكابر. ولو سأل أحدُهما الآخرَ في الدقيقة الأولى: ماذا تعني بالكلمة؟ لانتهى المجلس إلى شيء.

وقد يُقال: هذا تلاعبٌ بالألفاظ، هربًا من صلب المسألة. وليس كذلك — وأوضحُ شاهدٍ على أنّه ليس كذلك يأتي من العلم التجريبيّ نفسِه.

أعلن مشروعُ `ENCODE` سنة ٢٠١٢ أنّ نحو ٨٠٪ من الجينوم البشريّ «وظيفيّ»، فقامت ضجّةٌ عظيمة. وردّ عليه دان غراور وزملاؤه بنقدٍ مزدوج، وينبغي أن يُنقل مزدوجًا: أنّ `ENCODE` عرّفت «الوظيفة» بالنشاط الكيميائيّ الحيويّ المرصود لا بالأثر الذي انتقاه التطوّر، وأنّ القياسَ نفسَه منفوخ — فمُلخَّصُهم ينصّ على مناهجَ تُخرج أخطاءً متحيّزةً وتضخّم التقدير، وتُقدّم الحساسيةَ الإحصائية على النوعية؛ وينتهون إلى أنّ المحفوظ بالانتقاء التنقيحيّ دون ١٠٪ `graur-2013-encode`. فمن نقل هذه الورقةَ على أنّها تقول «الخلافُ لفظيٌّ محضٌ والعدُّ سليم» فقد نقل نصفَها.

وموضعُ الشاهد من قصّتنا في ردّ `ENCODE` نفسِه: كيليس وزملاؤه يفصلون ثلاثةَ تعريفاتٍ لـ«الوظيفة» — كيميائيًّا حيويًّا، وتطوّريًّا، وجينيًّا — ويقرّرون أنّ لكلٍّ منها موضعَه وأداتَه، وأنّ الأرقامَ الناتجةَ عنها لا تُقارَن ما لم يُصرَّح بأيّها يُقاس `kellis-2014-defining`.

وهذا هو الدرسُ بحرفه، وهو أدقُّ ممّا يُظنّ: ليس الدرسُ أنّ لأحد الفريقين «المعنى الصحيح» ولخصمه «المعنى الخاطئ». الدرسُ شيئان:

  • أن يُصرّح كلُّ متكلّمٍ بحدّه ويطّرد عليه، فلا يقيس بحدٍّ ويحتجّ بحدّ.
  • وأن يُسأل عن الحدّ: أيَّ سؤالٍ يخدم؟ فالتعريفُ الكيميائيّ الحيويّ يخدم سؤالًا، والتطوّريّ يخدم آخر، وكلاهما مشروعٌ في موضعه.

فإذا كان هذا يقع بين علماءَ يتقاسمون المختبرَ والأداة، فكم يقع بيننا ونحن نتنازع في «إله» و«دليل» و«إيمان»؟

وهذه هي القاعدةُ التي يقوم عليها الفصل: تحريرُ اللفظ ليس مقدّمةً للبحث، هو نصفُه. وهي قاعدةٌ تُقيّدنا نحن أوّلًا، كما سيأتي في السطور التالية.

قبل المداخل: أربعةُ حقولٍ لكلّ لفظ — وحدُّ كلِّ حقلٍ منها

لكلّ لفظٍ فيما يلي أربعةُ أشياء. وحدودُها تُذكر قبلها، لأنّ إهمالَ الحدّ هو بعينه ما يجعل تحريرَ اللفظ سلاحًا بدل أن يكون ميزانًا:

١. أصلُه في اللغة. ويُذكر للإيضاح لا للاحتجاج. وهذا قيدٌ ثقيلٌ نلتزمه: أصلُ المادّة تاريخُ الكلمة لا حَكَمٌ على صواب استعمالها، ولو كان الأصلُ حَكَمًا لصار كلُّ تطوّرٍ دلاليٍّ في كلّ لغةٍ خطأً — وهي دعوى لا يقولها أحد. ومن احتجّ بأصل المادّة على أنّ خصمه «أخطأ في المعنى» فقد وقع في المغالطة الاشتقاقية: أن يُجعل أقدمُ المعاني أصدقَها.

٢. الحدُّ الذي نلتزمه نحن في هذا الكتاب. لا «المعنى الدقيق» بإطلاق — فالكلماتُ ليست ملكًا لأحد. هذا إعلانُ اصطلاحٍ يُقرأ به الكتاب، ومن اختار حدًّا غيرَه فليصرّح به وليطّرد عليه، والنزاعُ حينئذٍ في الشيء لا في الاسم.

٣. الحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به فيُفسد الجدل. وسمّيناه في نسخةٍ أولى من هذا الفصل «الشائعَ الخاطئ» — وكانت تسميةً غيرَ منصفة، لأنّ بعض ما تحته حدٌّ آخرُ مشروع، وبعضه موقفٌ فلسفيٌّ جادٌّ لا غلطٌ معجميّ. فصار الحقلُ يقول: هذا حدٌّ آخر، وهذا ما يترتّب على الخلط بينهما.

٤. مثالٌ يُرى. والمثالُ يقرّب المعنى ولا يُثبت الدعوى؛ وحيث ضاق المثالُ عن المعنى قلناه في موضعه بعبارة «وحدُّ المثال».

١) إله

أصلُه من مادّة (أ ل هـ)، وفيها معنى التعبّد والسكون إلى الشيء؛ فـ«أَلِهَ» عَبَد، و«أَلِهَ إليه» اطمأنّ إليه. والوزنُ بمعنى المفعول: المألوهُ = المعبود.

والحدُّ — وله استعمالان يجب فصلُهما:

  • وصفيّ: المعبودُ بالفعل، أي ما صُرفت إليه غايةُ الحبّ وغايةُ الخضوع معًا. وهذه واقعةٌ تُشاهَد في الناس وتُوصف ولا تحتاج إلى دليل على وجودها، لأنّها تقع كلَّ يوم.
  • حُكميّ: المستحقُّ لأن تُصرف إليه غايةُ الحبّ وغايةُ الخضوع. وهذه دعوى تحتاج دليلًا، وهي موضعُ النزاع في هذا الكتاب كلِّه.

وفي الاستعمالين معًا: الكلمةُ وصفُ علاقةٍ قبل أن تكون وصفَ قوّة.

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: أنّه مرادفٌ لـ«الخالق» أو لـ«القوّة العظمى». والخلطُ يضرّ من جهةٍ واحدةٍ بعينها: أنّه يحوّل السؤال إلى سؤالٍ عن جسمٍ هائلٍ في مكانٍ ما، فيُطلب بأدوات الفيزياء ثمّ يُقال: بحثنا فلم نجد. وليس هذا الحدُّ الآخر «خطأً» في نفسه؛ هو حدٌّ يخدم سؤالًا آخر.

والمثال: رجلٌ يقيس كلَّ قرارٍ في حياته بسؤالٍ واحد — ماذا سيقول الناس؟ يلبس ما يرضيهم، ويصادق من يرفع قدره عندهم، ويترك ما يحبّ خوفًا من كلمة. هو لم يزعم قطُّ أنّ «الناس» خلقوا السماء. ومع ذلك ظهر فيه المعنى الوصفيُّ كاملًا بلا حرفٍ واحدٍ عن الخلق.

وحدُّ المثال — ويجب أن يُقال صريحًا: المثالُ يبيّن أنّ التألُّه واقعةٌ تقع بالفعل، ولا يبيّن أنّ ثمّ مستحقًّا؛ بل هو في نفسه شاهدٌ على أنّ المعبودَ بالفعل قد يكون أحقرَ من أن يُعبد. والرجلُ الذي يخاف كلامَ الناس ليس «مستحقًّا» بحال. فمن سلّم بالمثال لم يسلّم بشيءٍ من دعوى هذا الكتاب، ودليلُ الاستحقاق في موضعه من أبوابٍ أخرى.

واعتراضٌ يجب أن يُنصب هنا لا أن يُترك: قد يقول قائل — وقد قيل لنا فعلًا — «أنتم نقلتم الملعب. أنا لا أنازع في وجود علاقة التألُّه؛ أراها في نفسي وفي غيري وأُقرّ بها. النزاعُ عندي في وجود كائنٍ بأوصاف: واعٍ، مريد، قادر، ليس بجسم، غيرُ مفتقرٍ إلى غيره. فتعريفُكم الكلمةَ بالعلاقة ثمّ اتّهامُكم من يطلبها في باب الوجود بأنّه أفسد الجدل — نقلٌ للملعب لا تحريرٌ للفظ.»

والاعتراضُ صحيح، ونقبله بحرفه. ولذلك فُصل الاستعمالان أعلاه: سؤالُ هذا الكتاب هو سؤال الوجود — أثمّ كائنٌ بتلك الأوصاف؟ — لا سؤالُ العلاقة. والاستعمالُ الوصفيُّ لا يُغني عن ذلك ولا يُقدّمه خطوةً واحدة، وإنّما فائدتُه أن يمنع خصلةً واحدة: أن يُظنّ أنّ نفيَ «الجسم الهائل» نفيٌ للمدَّعى. فإذا انتهينا من هذا المدخل بقي السؤالُ كما كان، وذاك ما نريد.

٢) ربّ

أصلُه (ر ب ب)، وتجمع ثلاثةَ معانٍ متلازمة: التربيةَ والإصلاح، والمِلكَ (ربُّ الدار مالكُها)، والسيادةَ والتدبير.

والحدُّ الذي نلتزمه: المالكُ المدبِّر الذي يسوق المربوبَ من نقصٍ إلى تمام. وأخصُّ ما فيه: الاستمرار.

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: اختزالُه في «الصانع» — أي من صنع ثمّ انصرف. والفرقُ جوهريّ: الصانعُ فعلُه انتهى، والربُّ فعلُه قائم. وأكثرُ الجدل الحديث يدور بين «صانعٍ أوّلٍ» ومنكرٍ له، وقد ترك الفريقان معنى الاستمرار جميعًا. ولا نقول إنّ من تكلّم في «الصانع الأوّل» أخطأ في اللغة؛ نقول إنّه تكلّم في مسألةٍ أضيق، وأنّ إثباتَ صانعٍ أوّلَ لا يُنتج ربًّا بهذا الحدّ — وهو قيدٌ علينا نحن قبل أن يكون قيدًا على غيرنا.

والمثال: الذي باعك الشتلةَ في المشتل انتهى دورُه عند الباب. والذي يسقيها كلَّ صباحٍ ويحمل عنها الشمسَ في الظهيرة، حضورُه في كلّ يوم. الفرقُ بين التصوّرين هو الفرقُ بين «صانع» و«ربّ» — وليس فرقًا في القوّة.

٣) خلق

أصلُه (خ ل ق) ومعناها الأوّل التقديرُ على مثال؛ يقال «خلَق الأديمَ» أي قدّره بالمقياس قبل أن يقطعه.

والحدُّ الذي نلتزمه: إيجادٌ على تقديرٍ وترتيب — أي إيجادٌ فيه هندسة.

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: حصرُه في «الإنشاء الفوريّ في لحظة». وهذا يُنشئ خصومةً وهميةً مع كلّ كلامٍ عن تدرّجٍ زمنيّ. وننبّه إلى حدّ هذه الملحوظة: هي تقول إنّ الخصومة على اللفظ ساقطة، ولا تقول إنّ الخصومةَ على الواقعة ساقطة — فمن نازع في تفصيلٍ من تفاصيل التاريخ الطبيعيّ فإنّما ينازع في شيءٍ يُبحث ببحثه، لا في معنى كلمةٍ عربية.

والمثال: صانعُ المفاتيح يضع الأصلَ في الآلة، ويقيس السنَّ سنًّا سنًّا، ثمّ يبرد، ثمّ يجرّب في القفل فيعود فيبرد. سلسلةُ مراحل — وكلُّها من معنى «خَلَق» في أصل الوضع. والذي يجادل في «لحظةٍ واحدة» يجادل في شيءٍ لم تقله الكلمة.

٤) علّة — وأختُها الملتبسةُ بها: السبب

أصلُهما: العلّةُ من (ع ل ل) وأصلُها تكرارُ الشيء ومعاودتُه، ومنه «العِلّة» للمرض. والسببُ من (س ب ب) وأصلُه الحبل الذي يُتوصَّل به إلى الماء؛ فكلُّ ما يُتوصَّل به إلى غيره سبب.

والحدّان اللذان نلتزمهما: العلّةُ التامّة ما يلزم من وجوده الوجودُ ومن عدمه العدم — فالأثرُ لا يتخلّف عنها. والسببُ ما يُفضي إلى الشيء ولا يلزم أن يستقلّ بإيجاده. فالسببُ جزءٌ من العلّة التامّة لا طبقةٌ دونها.

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: أن يُظنّ السببُ والعلّةُ اسمين لشيءٍ واحد، فيُسأل عن العلّة التامّة فيُجاب بسببٍ جزئيّ، ويُظنّ أنّ الباب أُغلق.

والمثالُ الأوّل — وهو للفرق بين الناقص والتامّ لا لغيره: تضغط مفتاحَ النور فتضيء اللمبة. سببُ الإضاءة — بلا شكّ — ضغطُك على المفتاح. ثمّ ينقطع التيّار عن الحيّ، فتضغط المفتاحَ نفسَه عشرَ مرّاتٍ فلا يضيء شيء. فالضغطُ سببٌ صادق، وليس هو الذي متى وُجد لزم النور. والعلّةُ التامّة ههنا: مفتاحٌ مضغوط، وتيّارٌ قائم، ودارةٌ سليمة، ولمبةٌ صحيحة. وكلُّها من صنفٍ واحدٍ في الوصف — شروطٌ فيزيائيةٌ تجتمع، لا «طبقاتُ سؤال».

وأمّا «طبقاتُ السؤال» فشيءٌ آخرُ يجب أن يُعرَّف ويُمثَّل، لا أن يُلقى بكلمة. وقد كُتب في نسخةٍ أولى من هذا الفصل أنّ «يُسأل سؤالٌ من طبقةٍ فيُجاب من طبقةٍ أخرى» بلا تعريفٍ ولا مثال، فكان حقًّا على القارئ أن يقول: ما الطبقات؟ فإليك تعريفَها ومثالَها ثمّ حدَّها:

التعريف: طبقةُ الجواب مستواه. وأشهرُ المستويات ثلاثة:

الطبقةصيغةُ السؤالجوابُ مثالنا
الآليّةكيف يجري؟لأنّ حرارةَ الموقد رفعت طاقةَ جزيئات الماء حتى بلغ ضغطُ بخاره ضغطَ الجوّ
الفاعلُ القريبمن فعل ومتى؟لأنّي أدرتُ الموقد قبل خمس دقائق
الغايةلماذا فُعل؟لأنّي أردت أن أصنع شايًا لضيفٍ يطرق البابَ الآن

والمثال: يغلي الماءُ في الإبريق. الأجوبةُ الثلاثةُ كلُّها صادقة، ولا يكذّب واحدٌ منها الآخر، ولا يُغني عنه. ومن أجاب سؤالَ الغاية بجواب الآلية أجاب جوابًا صحيحًا عن سؤالٍ لم يُسأل؛ ومن أجاب سؤالَ الآلية بجواب الغاية فكذلك.

وحدُّ هذا التقسيم — وهو الأهمّ، ولا نتجاوزه: ثبوتُ الطبقات في أفعال العقلاء لا نزاعَ فيه، لأنّا نعلم أنّ ثمّ فاعلًا له غاية. وأمّا هل للكون طبقةُ غايةٍ أصلًا؟ فذاك عينُ النزاع، ولا يُحسم بتحرير لفظ. ومن احتجّ بهذا التقسيم على أنّ «الفيزياء تجيب عن الكيف لا عن اللماذا، فثمّ لماذا بلا جواب» فقد أدرج الدعوى في التعريف — وهو ما يمنعه هذا الفصلُ صراحةً. فالتقسيمُ يقول: إن كان ثمّ غاية، فجوابُ الآلية لا يُغنيك عنها؛ ولا يقول: ثمّ غاية. والثانيةُ دعوى لها بابُها.

وقيدٌ ثانٍ، وهو على تعريف العلّة نفسِه: هذا التعريفُ للسببية — لزومُ الأثر عن العلّة — محلُّ نزاعٍ عند طائفةٍ ممّن نخاطبهم، لا يقبلونه بحاله. فشون كارول مثلًا يرى أنّ السببيةَ ليست في أساس الفيزياء، وأنّ معادلات الفيزياء الأساسية تصف تطوّرَ الحالة لا «فاعلًا يُحدث أثرًا»، وأنّ لغةَ السبب والأثر تنبثق في المستوى الكبير ويعتمد اتّجاهُها على انحدار الإنتروبيا `carroll-2016-big-picture`. ونحن لا نقدّم حدَّنا على أنّه المُسلَّم؛ نقدّمه على أنّه الحدُّ الذي يجري عليه كلامُنا، ونعلم أنّ من نازع فيه نازع في مقدّمةٍ من مقدّمات أدلّة هذا الباب لا في اصطلاح. وذاك نزاعٌ حقيقيّ، موضعُه بابُه.

٥) واجبٌ وممكن

أصلُهما: الوجوبُ من (و ج ب) وأصلُها الثبوتُ واللزوم؛ ومنه «وجبت الشمس» سقطت لزومًا لوقتها. والإمكانُ من (م ك ن)، من التمكّن وقبولِ الحصول.

والحدّان اللذان نلتزمهما: واجبُ الوجود ما يكون وجودُه من ذاته لا من غيره، فيمتنع عدمُه. والممكنُ ما يستوي في حقّه الوجودُ والعدم.

وقفةٌ لازمة، وهي إصلاحُ عطبٍ كان في هذا الموضع. كان مكتوبًا في الحدّ: «والممكنُ ما يستوي في حقّه الوجودُ والعدم، فلا يترجّح أحدُهما إلا بمرجِّحٍ من خارجه». والشطرُ الثاني ليس من الحدّ في شيء؛ هو مبدأ السبب الكافي، وهو من أعظم المقدّمات التي تقوم عليها أدلّةُ هذا الباب كلِّه. وإدخالُه في تعريف الكلمة يجعل الدليلَ يخرج من المعجم — وذاك ظفرٌ بلا قتال، وهو بعينه ما يسمّيه هذا الفصلُ بعد صفحات «المصادرةَ على المطلوب». فأُخرج من الحدّ، ويُقال صريحًا: أنّ المستوي لا يترجّح إلا بمرجّحٍ من خارجه دعوى أخرى، لها أدلّتُها ولها منازعوها، وموضعُها بابُها من هذا الكتاب.

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: أن يُفهم «الواجب» على أنّه الشيءُ القويُّ جدًّا أو الأقدمُ زمنًا. وهذا يحوّل بحثًا في نمط الوجود إلى مسابقةٍ في القِدَم والقوّة، فيصير النزاعُ: أيّهما أقدم، الكونُ أم غيرُه؟ — وذاك سؤالٌ آخرُ تمامًا.

والمثال: انظر إلى فاتورة الكهرباء. الرقمُ الكبيرُ في أسفلها كان يمكن أن يكون غيرَه: لو أطفأتَ المكيّفَ ليلتين لنقص، ولو استضفتَ أهلك أسبوعًا لزاد. لا شيءَ في الرقم نفسِه يمنع أن يكون سواه. وفي الورقة نفسِها شيءٌ آخر: أنّ المجموع يساوي حاصلَ جمع البنود. هذا لا يمكن أن يكون غيرَه ولو أفلست شركةُ الكهرباء كلُّها. الأوّلُ ممكن، والثاني من صنفٍ آخر.

وحدُّ المثال: الفرقُ هنا بين واقعةٍ وحسابٍ رياضيّ، ومن سلّم بأنّ المجموع واجبٌ لم يسلّم بأنّ ثمّ موجودًا واجبًا. المثالُ يقرّب المعنى ولا يُثبت الدعوى. وثمّ من ينازع في أنّ للصنف الثاني نظيرًا في الأعيان أصلًا — أي أنّ الوجوب وصفٌ للقضايا لا للموجودات — وهو اعتراضٌ معتبَر موضعُه بابُه.

٦) دليل

أصلُه (د ل ل) والدلالةُ الإرشاد؛ والدليلُ الهادي إلى الطريق.

والحدُّ الذي نلتزمه: كلُّ ما يلزم من العلم به علمٌ بشيءٍ آخر — أفاد اليقينَ أم أفاد الرجحانَ وحده. فهو جنسٌ واسع.

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: حصرُه في «التجربة المعمليّة». فيُقال «لا دليل» والمقصودُ «لا تجربةَ معمليّة» — وهما شيئان. ولو التُزم هذا الحصرُ لسقط التاريخُ كلُّه: لا تجربةَ معمليّةً تُثبت أنّ جدَّك عاش. وننبّه إلى أنّ من حصر الدليلَ في التجربة قد يكون له في ذلك مذهبٌ يحتجّ له — وهو موقفٌ في نظرية المعرفة يُناقش بأدلّته، لا غلطٌ في العربية.

والمثال: تدخل الحمّامَ صباحًا فتجد المرآةَ مغبَّشة والأرضَ رطبة. تعلم — بلا تردّد — أنّ أحدًا استحمّ قبلك بقليل. لم ترَه، ولم تُجرِ تجربة، ولا سألتَ أحدًا. ومع ذلك عندك دليل، وأنت مصيبٌ في العمل به.

٧) برهان

أصلُه — وفيه خلافٌ قديم يُذكر ولا يُطوى: قيل من (ب ر هـ) وفيها البياضُ الناصعُ والقطع، وقيل رباعيّةٌ مستقلّة، وقيل ثلاثيّةٌ بنونٍ زائدة. ولسنا نجزم، ولا يترتّب على الجزم شيء — وهو مثالٌ حيٌّ على أنّ حقلَ «الأصل» للإيضاح لا للاحتجاج: لو كان حَكَمًا لتوقّف الحدُّ على خلافٍ في الصرف.

والحدُّ الذي نلتزمه: الدليلُ القاطع المفيد لليقين، المؤلَّف من مقدّماتٍ يقينيةٍ على صورةٍ صحيحة.

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: إطلاقُه على كلّ ما أقنعني أنا. فيصير «برهان» = «حجّةٌ أعجبتني»، ثمّ يتعجّب صاحبُه ممّن لم يُقنعه «البرهان».

والمثال: في درجك ثلاثةَ عشرَ جوربًا من لونين لا ثالثَ لهما، والغرفةُ مظلمة. اسحب ثلاثةً على غير نظر: لا بدّ أن يتّفق منها اثنان. ليس هذا ظنًّا غالبًا ولا تجربةً كرّرتَها، ولا مخرجَ منه ألبتّة. قابِلْ هذا بقولك: «رأيتُ عشرَ سيّاراتٍ حمراءَ اليوم، فالحمراءُ هي الأكثر في المدينة» — دليلٌ، وليس ببرهان.

٨) احتمال

أصلُه (ح م ل)، والافتعالُ منه أن يحتمل الأمرُ الوجهين.

والحدُّ — وله معنيان يجب فصلُهما: (١) احتمالٌ منطقيّ، أي أنّ الأمرَ يقبل الوجهَ وضدَّه. (٢) احتمالٌ عدديّ، أي قدرٌ يُحسب على تكرارٍ مرصودٍ أو على معلومةٍ عندنا.

والخلطُ الذي يُفسد الجدل: القفزُ من الأوّل إلى الثاني بلا إذن. «يحتمل أن يكون كذا» ⟵ «إذن احتمالُه ٥٠٪». وهذا ليس حسابًا؛ هو جهلٌ لبس ثوبَ رقم.

والمثال: تسأل: أالطبيبُ في عيادته الآن؟ فيقال: يحتمل. صحيح. فإن قلت «إذن الاحتمالُ ٥٠٪ لأنّه إمّا موجودٌ أو لا»، لزمك أن تقول أيضًا: احتمالُ وجود زرافةٍ في العيادة ٥٠٪ — فهي كذلك إمّا موجودةٌ وإمّا لا. والفسادُ ظاهرٌ في الثانية، وهو قائمٌ في الأولى بعينه. والرقمُ يحتاج معرفةً بالعيادات والأطبّاء والساعات، لا بجهلي أنا.

وهذا الخلطُ بعينه هو أصلُ أشهر أرقام هذا الباب. يُنقل عن روجر بنروز رقمٌ هائلٌ يُقدَّم على أنّه «احتمالُ نشوء الكون صدفةً». وحقيقتُه أنّه نسبةُ حجمٍ في فضاءٍ رياضيّ، لا احتمالُ حدث؛ وبنروز يسوقه طلبًا لتفسيرٍ فيزيائيّ، لا حجّةَ تصميم `penrose-1989-emperor`. فمن نقله على غير وجهه خسر مرّتين: خسر الحجّة، وخسر ثقةَ قارئٍ فتح المصدر.
وهذا السلاحُ لا يُشهر في جهةٍ ويُغمد في أخرى. الاعتراضُ نفسُه — «من أين جاء الرقم؟ وعلى أيّ مقياس؟» — يقف في وجه حجّة الضبط الدقيق التي يُحتجّ بها في هذا الباب لصالح الإلهية. ونصّه: أنّ حساب «احتمال» قيمةِ ثابتٍ فيزيائيّ يفترض توزيعًا على مدى القيم الممكنة، ولا يوجد توزيعٌ منتظمٌ قابلٌ للتسوية على مدًى غيرِ محدود — فالنسبةُ التي يقوم عليها البرهان غيرُ معرَّفةٍ رياضيًّا، لا صغيرةٌ ولا كبيرة `mcgrew-2001-probabilities`. وكولنز — وهو من أمتن من صاغ الحجّة — يعرف هذا الاعتراضَ ويخصّص له بابًا يجيب فيه بحصر المدى بمدًى مقارَنٍ محدود `collins-2009-teleological`؛ وجوابُه محلُّ نزاعٍ لم ينقطع. فالذي نلتزمه: أنّ من ساق رقمًا في هذا الباب — من أيّ جهةٍ كان — سُئل عن مقياسه، ولا يُعفى أحد.

٩) يقين

أصلُه (ي ق ن) وأصلُها الاستقرارُ والسكون؛ يقال «يَقِنَ الماءُ» إذا استقرّ وصفا.

والحدُّ الذي نلتزمه: جزمٌ مطابقٌ للواقع عن مستند.

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: الجزمُ النفسيّ، أي شدّةُ الشعور. وشدّةُ الشعور توجد عند المخطئ كما توجد عند المصيب تمامًا؛ فهي وصفٌ للنفس لا وصفٌ للحقيقة.

والمثال: شاهدٌ في محكمةٍ يقول: أذكر وجهَه كأنّي أراه الآن. ثقتُه في ذاكرته لا تزيد ولا تنقص بصحّة الذاكرة نفسِها — هي شعورٌ في صدره، والصوابُ واقعةٌ خارجَه. ومن جعل شدّةَ شعوره ميزانًا للحقّ، لم يملك ميزانًا ألبتّة، لأنّه لن يشعر يومًا بأنّه مخطئ وهو مخطئ. وهذا يقع على المؤمن والمنكر سواءً بسواء، وليس ملحظًا في جهةٍ دون جهة.

١٠) إيمان

أصلُه (أ م ن)، وفيه معنيان: الأمنُ ضدّ الخوف، والتصديق.

والحدُّ الذي نلتزمه: تصديقٌ جازمٌ يستقرّ في القلب فيظهر أثرُه — أي تصديقٌ وإذعانٌ معًا، لا إقرارٌ ذهنيٌّ مجرّد.

والحدُّ الآخرُ — وهو أخطرُ موضعٍ في هذا الفصل، ويجب فصلُ شطريه: تعريفُه بـ«الاعتقاد بلا دليل».

  • بوصفه حدًّا: هذا حدٌّ آخرُ للكلمة، لا وصفٌ لما نعنيه بها. ومن التزمه فليعلم أنّه يتكلّم في شيءٍ غيرِ الذي يتكلّم فيه المسلم، ويقع التنازعُ على اسمٍ لا على مسمّى.
  • وأمّا الدعوى الواقعيةُ التي تحته — أنّ كثيرًا من المتديّنين يعتقدون بلا مستند، ويمدحون ذلك، ويسمّونه «تسليمًا»، وأنّ من قال لأحدهم «لا تسأل، اسكت واعمل» لم يكن مستشرقًا ولا معجميًّا — فدعوى واقعيةٌ تُناقش بالشواهد، ولا تُردّ بالمعجم ألبتّة.

وقد كان في نسخةٍ أولى من هذا الفصل أنّ هذا التعريف «مستورَدٌ من سياقٍ آخر، ليس في أصل المادّة العربية ما يدلّ عليه» — وهو جوابٌ لغويٌّ عن سؤالٍ اجتماعيّ، وردٌّ على غير ما قيل. فأُصلح. والذي نقوله: الاشتقاقُ لا يخبرك بما يفعله الناس. ونُقرّ بالواقعة إقرارًا صريحًا: هذه الممارسةُ موجودة، وهي مخالفةٌ للحدّ الذي نلتزمه نحن، والحجّةُ علينا أن نبيّن أنّ حدَّنا هو الذي يجري عليه أصلُ الدين لا أنّ الواقعةَ غيرُ واقعة.

والمثال: يُدخلونك غرفةَ العمليات فتُخدَّر تخديرًا كاملًا. أنت تسلّم جسدك — بلا وعيٍ ولا مراقبة — إلى أناسٍ لا تعرف أسماءهم. ولستَ في ذلك جاهلًا ولا متهوّرًا: أنت تعلم أنّ ثمّ كلّيةَ طبٍّ ورخصةَ مزاولةٍ وسجلَّ مستشفًى ونقابةً تحاسب. تصديقٌ، مع أمن، عن مستند.

وحدُّ المثال: هو يبيّن أنّ التسليم عن مستندٍ ممكنٌ ومعقول، ولا يبيّن أنّ مستندَ الإيمان قائم — وذاك دعوى الكتاب لا دعوى المثال. ولا يصلح المثالُ حجّةً على من قيل له «اسكت ولا تسأل»: ذاك تسليمٌ بلا مستند، وهو الذي ننكره نحن معه لا عليه.

١١) شكّ

أصلُه (ش ك ك) وأصلُها الاختراقُ والتداخل؛ ومنه «شكّه بالرمح». فكأنّ الأمرين تداخلا فلم يتميّز أحدُهما.

والحدُّ الذي نلتزمه: استواءُ الطرفين بلا ترجيحٍ لأحدهما.

والخلطُ الذي يُفسد الجدل: إطلاقُه على كلّ تردّد، ثمّ الانتقالُ منه إلى موقف: «أنا شاكّ، إذن أُنكر». والشكُّ بهذا الحدّ وقوفٌ عند الاستواء، ومن انحاز فقد خرج منه إلى الظنّ — وعليه عندئذٍ ما على أهل الظنّ.

والمثال: بيدك مظروفٌ مغلقٌ فيه نتيجةُ تحليل. لا ترجّح شيئًا: هذا شكّ. فإن قلت «أظنّها سيّئة، لأنّهم أرسلوها بالبريد ولم يتّصلوا» — فقد خرجتَ من الشكّ وبنيتَ على قرينة، وصار من حقّ محاورك أن يناقشك في القرينة.

١٢) فطرة

أصلُه (ف ط ر) وأصلُها الشقُّ والابتداء؛ ومنه «فطرَ» بمعنى ابتدأ.

والحدُّ الذي نلتزمه: الهيئةُ الأولى التي بُدئ عليها الإنسان، من استعدادٍ وميلٍ سابقٍ على التعلّم.

والخلطُ الذي يقع فيه الطرفان معًا: أن تُفهم على أنّها معلومةٌ تفصيليةٌ محفورة. فيقول منكرُها: لو كانت لعرف الطفلُ التفاصيلَ بلا تعليم. ويقول مثبتُها: فلا حاجةَ إلى نظرٍ ولا استدلال. وكلاهما حمّل الكلمةَ ما لا تحمل: الفطرةُ استعدادٌ يُنمَّى أو يُطمَس، لا ملفٌّ جاهز.

والمثال: الطفلُ يتقن الكلامَ في الثالثة بلا درسٍ واحدٍ في النحو، ويصوغ جملًا لم يسمعها قطُّ فتخرج مستقيمة. ثمّ لا يقرأ حرفًا واحدًا إلا بتعليمٍ ومعاناةٍ وسنوات. الاستعدادُ فطريّ والتفصيلُ مكتسَب؛ وأيَّ لغةٍ يتكلّم فمن بيئته لا من فطرته.

وحدُّ المثال: هو يبيّن أنّ صنفَ «استعدادٍ سابقٍ على التعلّم» موجودٌ في الإنسان، ولا يبيّن أنّ للدين استعدادًا من هذا الصنف — تلك دعوى تجريبية تُبحث ببحثها، وسيأتي في الفصل التالي أنّ البحثَ فيها لا يفصل في صدق المعتقد بحال.

١٣) غيب

أصلُه (غ ي ب) وأصلُها الاستتارُ عن الحاسّة؛ ومنه «غابت الشمس».

والحدُّ الذي نلتزمه: ما احتجب عن الإدراك الحسّيّ. وهو قسمان: نسبيّ (غائبٌ عنك حاضرٌ لغيرك)، ومطلق (لا يُدرك بالحسّ أصلًا).

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: مطابقتُه للمعدوم، أو لما لا سبيل إليه بحال.

والمثال: في جوفك كبد. لم ترها قطُّ، ولن تراها، ولا تصوّرتها. ولو سألك سائلٌ «أفي بطنك كبد؟» لعددتَ سؤالَه عبثًا من شدّة جزمك. جزمُك هذا كلُّه مبنيٌّ على أثرٍ وخبرٍ لا على مشاهدة.

وحدُّ المثال — وهو حدٌّ ثقيل، ولا نتجاوزه: الكبدُ غيبٌ نسبيٌّ بامتياز. رآها الجرّاحون، وصوّرتها الأشعّة، وشُرّحت ألوفَ المرّات، ولك إليها سلسلةُ شهودٍ متّصلة. فالمثالُ يُثبت القسمَ الأوّل ولا يمسّ الثاني بحرف. ومن استنتج منه أنّ «الغيب مطلقًا له طرقُه» فقد عرّف الصعب وبرهن على السهل ثمّ عمّم — وتلك هي المصادرةُ بعينها التي يشرحها هذا الفصلُ بعد صفحات.

فالذي يُؤخذ من المدخل شيئان لا ثالثَ لهما:

  • أنّ «غيبٌ عنّي» غيرُ «معدوم» — وهذه لا ينازع فيها عاقل.
  • وأنّ الوصولَ بالأثر صنفٌ معروفٌ من المعرفة في الجملة.

وأمّا أنّ للغيب المطلق طريقًا فدعوى مستقلّةٌ تحتاج دليلَها، ولا يقدّم هذا المدخلُ منها شيئًا. والطريقُ الذي يُدّعى له في هذا الكتاب هو الخبرُ المعصوم، وثبوتُه بابٌ كاملٌ يأتي — ويجوز للقارئ أن يردّه هناك، وليس عليه أن يقبله هنا بحجّة أنّه سلّم بالكبد.

١٤) طبيعانيّة

أصلُه: مصطلحٌ مترجَم (naturalism)، وليس له أصلٌ في المادّة العربية يُحتجّ به — وهذا مثالٌ ثانٍ على أنّ حقلَ «الأصل» ليس ركنًا في المنهج. وقد أُضيف هذا المدخلُ لأنّ نسخةً أولى من الفصل حرّرت ألفاظَ جهةٍ واحدةٍ وتركت لفظَ موقفِ الجهة الأخرى غيرَ محرَّر، وذاك عيبٌ في ميزانٍ يزعم أنّه ميزان.

والحدّان اللذان يجب فصلُهما:

  • طبيعانيّةٌ منهجيّة: أن يقتصر الباحثُ في عمله على الأسباب الطبيعية لأنّ أدواته لا تتناول غيرَها. وهي قيدٌ على الأداة، ويلتزمها الباحثُ المؤمنُ والملحدُ سواء، ولا تقول شيئًا عن الوجود.
  • طبيعانيّةٌ ميتافيزيقية: أنّ ما في الوجود إلا الطبيعة. وهذه دعوى عن العالم، وعليها ما على كلّ دعوى.

والخلطُ الذي يُفسد الجدل — ويقع من الجهتين: أن تُحمل الأولى على الثانية. فيقول المتديّن: «العلمُ ملحدٌ بطبعه» وليس كذلك، إنّما هو مقيَّدٌ بأداته. ويقول الطبيعانيّ: «نجاحُ المنهج يُثبت المذهب» وليس كذلك، فنجاحُ أداةٍ في مجالها ليس حصرًا للوجود في مجال الأداة.

والمثال: المحقّقُ لا يكتب في تقريره «فعلَه جنّيّ» — لا لأنّه يقطع بالاستحالة، بل لأنّ أدواته لا تتناول ذلك، ولأنّ محكمةً لا تحكم بما لا يُختبر. هذه طبيعانيّةٌ منهجيّة، ولا أحدَ ينازع فيها. فإن خرج من المحكمة وقال: «ولا يوجد في الوجود إلا ما تلتقطه أدواتي» — فقد قال شيئًا آخر تمامًا، وعليه دليلُه.

وننبّه: أنّ الطبيعانيّةَ الميتافيزيقيةَ دعوى لا يعني أنّها دعوى ضعيفة. لها من يصوغها صياغةً منظّمةً ويحتجّ لها بأنّها أبسطُ والتزامُها أقلّ `carroll-2016-big-picture` `oppy-2006-arguing-gods` — وذاك موقعٌ في الجدول الآتي، لا سقطةٌ في الطريق.

١٥) أمرٌ خامّ

أصلُه: ترجمةٌ لـ`brute fact`، ولا أصلَ له في العربية. وأُضيف لأنّه لفظُ الموقف المقابل في أثقل مواضع هذا الباب، ولا يستقيم تحريرُ المصطلحات وهو غائب.

والحدُّ: ما لا تفسيرَ له، ولا يُطلب له تفسير — أي ما يقف عنده التفسيرُ لا عجزًا مؤقّتًا بل انتهاءً.

والحدُّ الآخرُ الذي يُخلط به: «ما لم نفسّره بعد». والفرقُ بينهما هو الفرقُ بين «انتهى الطريق» و«لم نصل بعد» — ومن خلطهما ظنّ كلَّ جهلٍ خامًّا، أو ظنّ كلَّ خامٍّ جهلًا.

وأنفعُ ما في هذا المدخل أنّه يكشف بنيةَ النزاع كلِّه: كلُّ تفسيرٍ ينتهي إلى شيءٍ لا يُفسَّر بغيره، وكلُّ الأطراف تقف عند طرفٍ ما:

الطرفأين يقفماذا يقول عن موقفه
القائلُ بواجب الوجودعند ذاتٍ وجودُها من ذاتهالا يقف عند «خامّ»، لأنّ الوجوبَ عنده تفسيرٌ لا انقطاع
الطبيعانيّعند الكون أو قوانينه أو الحالة الأولىيقول: هذا خامٌّ، ولا يلزم لكلّ شيءٍ تفسير

فالنزاعُ ليس بين «من يفسّر» و«من لا يفسّر»، بل في أيّ الطرفين أولى بأن يكون طرفًا للتفسير، وهل «واجبُ الوجود» تفسيرٌ حقيقيٌّ أم اسمٌ لتوقّفٍ آخر. وذاك سؤالٌ لا يحسمه هذا الفصلُ ولا يزعم، وإنّما يضع طرفيه في لفظين محرَّرين.

والمثال: تسأل طفلًا: لماذا سقط الكوب؟ فيقول: لأنّي دفعته. فتقول: ولماذا يسقط المدفوع؟ فيقول: الجاذبية. فتقول: ولماذا ثمّ جاذبية؟ — وستصل، إن واصلت، إلى موضعٍ يقال فيه أحدُ جوابين: «لا نعلم بعد»، أو «هكذا هو». والأوّلُ جهلٌ مؤقّت، والثاني دعوى خامّ. ومن قالهما في موضعٍ واحدٍ فقد جمع متنافيين.

جدولُ المواقف السبعة: أين تقف أنت؟

وقبل الجدول، ثلاثةُ قيودٍ عليه — لأنّ الجدول بلا قيوده يظلم:

١. هذا جدولُ أعباءٍ لا جدولُ أحكام. ليست هذه «أصنافَ الضالّين»، ولا مراتبَ في الذمّ. وكانت نسخةٌ أولى منه معنونةً بأنّ «الإلحاد» يُستعمل لخمسة مواقف ثمّ أُدرج تحته الربوبيُّ واللادينيّ — والربوبيُّ يؤمن بخالق، واللادينيُّ يؤمن بالله، فكانت التسميةُ تجعل الكلمة اسمًا للفئة الباقية: كلُّ من ليس منّا. وذاك بعينه ما يحاربه هذا الفصل. فأُصلح العنوان، والجامعُ بين الصفوف أنّ كلًّا منها موقعٌ في مسألة الإيمان بالله والدين، ولكلٍّ عبؤه.

٢. الجدولُ يصف مواقعَ لا سِيَرًا. لا أحدَ يصل إلى موقعه عبر جدول، وسيأتي هذا بعد قليل في موضعه.

٣. ومن لم يجد خانتَه فليقلها. وقد وقع: راجَعَنا قارئٌ فقال إنّ موقعه — وهو موقعُ أكثر من قرأ لهم — غيرُ موجودٍ في الجدول، وكان محقًّا؛ فأُضيف الصفُّ الثالث.

الموقفمضمونهما يلزمه من عبء
الإنكارُ الجازمأجزم بأن لا إلهدعوى إيجابيةٌ عن الواقع، وعليه دليلُها كما على المؤمن دليلُ دعواه — وهو أثقلُ الصفوف
عدمُ الإيمان غيرُ الجازملا أؤمن، لأنّ الأدلّة لم تكفِنيلا يلزمه أن يُبرهن على نفي. ويلزمه — إن أراد نقلَ محاوره — أن يبيّن لماذا لم تكفِه الأدلّةُ التي عُرضت عليه هو، لا كلُّ ما قيل في الباب منذ أرسطو. ومن لم يُرِد النقلَ فليس عليه إلا النظر
المفاضلةُ الطبيعانيّةالطبيعانيّةُ أفضلُ نظريًّا من الإلهية: أبسطُ وأقلُّ التزامًا وأقوى تفسيرًادعوى مقارنةٍ صريحة، وعليه عبؤها: أن يبيّن معنى «أبسط» ومقياسَه، وأن يفسّر بها ما تفسّره الإلهيةُ عند خصمه أو يبيّن أنّه لا يحتاج تفسيرًا. وهو موقعٌ له أعباؤه ولا يُعفى منها بالسكوت
اللاأدريّةُ الضعيفةلا أعلملا يلزمه إلا النظر. ولا عبءَ عليه ألبتّة، وهي أخفُّ الصفوف
اللاأدريّةُ القويّةلا سبيلَ إلى العلم بهدعوى على حدود المعرفة نفسِها، وعليه أن يبيّن كيف عرف أنّ البابَ مغلق — وهو أخفى ما في الباب
الربوبيةُ بمعنى الصانع المنعزلخالقٌ موجود، بلا وحيٍ ولا شريعةيعلّل لماذا خَلَقَ ثمّ صَمَت — فقد أقرّ بالفاعل وأنكر الخبر
اللادينيةأؤمن بالله ولا أنتمي إلى دينيقرّ بالمرسِل ويُعرض عن الرسالة، فعبؤه في نقد الرسالة لا في وجود المرسِل

وأربعةُ تنبيهاتٍ على الجدول:

الأوّل: التصريحُ بالموقع مطلوب، والاتّهامُ بالنيّة ممنوع. وكان في نسخةٍ أولى من هذا الفصل أنّ الانتقال من الصفّ الأوّل إلى الثاني في المناظرة «حيلةٌ» وأنّ صاحبه «ينجو» من عبءٍ التزمه، وأنّ هذا «ملحوظ». وقد أُسقط ذلك كلُّه، ولهذا الإسقاط ثلاثةُ أسباب تُقال:

  • «حيلة» و«ينجو» كلمتان في النيّة لا في الحجّة، ولا نملك النيّات.
  • وكلامُ المجالس ليس محضرًا يُحاسب عليه. من قال بين أصحابه «لا إله» لم يوقّع دعوى، كما أنّ المؤمن الذي يقول «هذا حرام» في مجلسٍ لم يفرغ من تحقيق مناطه ولا يُحاسَب حسابَ المفتي. ومن أخذ عاميّةَ محاوره على أدقّ محملٍ منطقيّ ثمّ حاسبه بها، صنع الدعوى بيده ثمّ نسبها إليه.
  • و«هذا ملحوظ» ليس مستندًا. وفصلٌ يضع في ذيله عشرين إحالةً بأرقامها لا يجوز أن يبني اتّهامًا على «ملحوظ».

فالذي يبقى من التنبيه هذا وحده: أنّ الصفوف السبعة أعباؤها مختلفة، فمن سُئل في مناظرةٍ عن موقعه صرّح به وأُخذ بتصريحه، ولا يُطالَب بعبء صفٍّ لا يقف فيه. وإن رأى محاورُه أنّ كلامَه في موضعٍ آخر يخالف تصريحَه، فليقل: «قلتَ كذا، أفتلتزمه؟» — سؤالًا لا تهمة.

والثاني: مطالبةُ من لا دعوى له ببرهانٍ خطأٌ في المناظرة، ويقع فيه كثيرٌ من المتديّنين. من قال «لم يثبت عندي» لم يدّعِ شيئًا يُطالَب بإثباته.

والثالث: عدمُ لزوم البرهنة ليس عدمَ لزوم النظروهذا يقع على الجهتين معًا. فالفرقُ بين «لا يلزمني أن أُثبت» و«لا يلزمني أن أنظر» فرقٌ حاسم: الأولى صحيحة، والثانية لا تليق بمسألةٍ من هذا الوزن. ومثلُها سواءً بسواء: المؤمنُ الذي ورث إيمانَه ولم ينظر فيه يومًا لا يُعفى بأنّ العبءَ على غيره؛ فالعبءُ في المناظرة شيءٌ، والنظرُ في المصير شيءٌ آخر.

والرابع: الجدولُ لا يستوعب كلَّ أحد، وهذا حدُّه. ثمّ مواقعُ مركّبة — كمن يفاضل بين الفرضين ويقف عند «لا أعلم» في آنٍ، ومن يقرّ بالخالق ويقف في الرسالة موقفَ الباحث. والجدولُ أداةُ تصنيفٍ للأعباء لا صندوقٌ يُحشر فيه الناس.

ولماذا يخرج الناسُ فعلًا؟ — سؤالٌ لا يجيبه جدول

كُتب الجدولُ أعلاه ثمّ قيل لنا: «هذا يعاملني كموقعٍ في جدول، ولا أحدَ يخرج عبر جدول. أنا لم أستيقظ يومًا فرجّحتُ فرضًا على فرض؛ خرجتُ من بابٍ آخر، ثمّ قرأتُ الفلسفةَ بعد الخروج لأفهم أين وقفت.» والملحوظةُ صحيحة، وهذه أربعُ جملٍ فيها:

١. الجدولُ يصف الموقع لا الطريق إليه، ولا يزعم غير ذلك. وهو نافعٌ في المناظرة وحدها: يقول لك ما يلزمك الآن، لا كيف وصلت.

٢. وأكثرُ الناس يصلون بغير النظر أوّلًا — من الجهتين معًا. فأكثرُ المؤمنين ورثوا إيمانَهم عن أهلهم قبل أن ينظروا فيه، وأكثرُ التاركين خرجوا من بابٍ غيرِ باب الدليل ثمّ طلبوا الدليلَ بعد. وليس هذا عيبًا في أحدٍ؛ هو وصفُ الناس.

٣. والسيرةُ لا تفصل في الصدق ولا الكذب — في الاتجاهين. فمن ترك دينه بعد ظلمٍ ناله باسم الدين، اعتراضُه يُسمع بذاته؛ ومن آمن بعد كربةٍ نجا منها، إيمانُه يُنظر فيه بذاته. وسيأتي بعد صفحاتٍ أنّ الحكم على الدعوى بمنشئها مغالطةٌ اسمها «مغالطة التكوين»، وأنّها تقع من الجهتين. وسيرتُك في هذا الكتاب ليست مادّةً لشرح مغالطة؛ هي حالُ إنسانٍ نُقرّ بها ولا نحاكمه بها.

٤. وثمّ سؤالٌ عمليٌّ لا يجيبه هذا الفصل، ونصرّح بذلك: ما الذي يُعين من خرج من بابٍ غيرِ باب الدليل على أن ينظر في الدليل بنفسٍ صافية؟ هذا سؤالٌ في النفس والاجتماع لا في المنطق، وموضعُه بابُ الشبهات العملية من هذا الكتاب — ولا نزعم أنّ ميزانًا منطقيًّا يكفي فيه.

وهذا الفصلُ لا يُثبت شيئًا. لم يُقدَّم فيه دليلٌ واحدٌ على وجود الله ولا على عدمه، ولا يصلح لذلك. غايتُه أن يُمكِّن القارئين من أن يتنازعا في شيءٍ واحد. وبعضُ ما يُخسر في هذا الباب إنّما يُخسر قبل ذلك: في لفظٍ يُقرأ بمعنيين.