١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب
السؤال: إن كان ثمّ إلهٌ قادرٌ عالمٌ رحيم، فما بالُ هذا كلِّه؟
قبل أن تقرأ سطرًا آخر. إن كنتَ تسأل هذا السؤال وأنت مفجوعٌ الآن — مات لك ميّتٌ في هذا الشهر، أو تجلس عند سريرٍ في مستشفًى، أو خرجتَ لتوّك من غرفةٍ قيل لك فيها خبر — فأغلق هذا الباب وعُد بعد شهر. لن ينفعك ما هنا، ولستُ أقول ذلك تهرّبًا. الذي في صدرك ليس السؤالَ الذي أعالجه في هذا الفصل، وإن اتّفق اللفظُ اتّفاقًا تامًّا. أنت لا تطلب تحليلًا لبنية حجّةٍ فلسفية، وأنا لا أملك أن أعطيك ما تطلب. وهذا ليس حكمًا عليك ولا على موضعك من الدين أو من خلافه؛ هو ترتيبُ الأشياء: الجرحُ يُضمَّد أوّلًا ثمّ يُنظر في أمره. ومن قرأ فصلًا منطقيًّا وهو ينزف خرج منه بأثرٍ واحد: أنّ من كتبه لم يكن يراه.
وإلى من كُتب هذا الفصل صراحةً: كُتب لمن يقول «لا أُصدّق» ويعرف لِمَ يقولها، مؤمنًا كان أو غيرَ مؤمن. ولستُ أفترض فيك دينًا تدافع عنه ولا دينًا تخرج منه. فإن رأيتَ في سطرٍ منه لغةَ من يخاطب أهلَ بيته وأنت لستَ منهم، فذاك عيبٌ في الكتابة لا وصفٌ لك.
الجوابُ في سطرين: الصيغةُ المنطقية — «وجودُ الشرّ يناقض وجودَ الله تناقضًا يستحيل معه الجمع» — لم تعد موضعَ النزاع الرئيس، وأقرّ بذلك أشدُّ من صاغها `mackie-1982-miracle`؛ ولا أقول إنّ البابَ أُغلق، فقد أُعيد فتحُه سنة ٢٠١٩ `sterba-2019-good-god`. والثقلُ اليوم في الصيغة الاحتمالية: مقدارُ الألم وتوزيعُه يجعلان فرضَ إلهٍ رحيمٍ أقلَّ ترجيحًا لا مستحيلًا. وأصدقُ ما أملك أمام هذه الصيغة ليس أجوبةً لكلّ صورةٍ منها: هي أجوبةٌ جزئيةٌ تمسّ بعضَ الصور، وصفرٌ في صورتين بعينهما أُسمّيهما في §٦-هـ بجدولٍ لا أُخفي فيه شيئًا، ثمّ «لا أعرف» صريحةٌ في آخر الفصل.
١. ثلاثةُ أسئلةٍ يقولها لفظٌ واحد
في هذا الباب ثلاثةُ أسئلةٍ يحملها لفظٌ واحد، والخلطُ بينها أصلُ أكثر الأذى الذي يقع باسم الجواب. وأنا أصنّف الأسئلةَ لا الناس — وسأقول بعد قليل لماذا لا يصلح هذا التقسيمُ أن يُنصب مقياسًا على أحد.
الأوّل: سؤالُ النظر. صاحبُه عنده اعتراضٌ منظَّمٌ يعرضه في خمس دقائق مرتّبًا، وقرأ فيه، ويعرف الفرق بين صيغتيه. وهذا يُخاطَب بالنظر — وهذا الفصلُ له وحدَه.
والثاني: نداءُ المصاب. ليس فيه اعتراضٌ ألبتّة؛ فيه أنّ صاحبَه دفن ابنته. وإذا سمع «الله رحيم» ضاق صدرُه ضيقًا لا يمرّ بالوعي أصلًا. وهذا لا يُجاب بالنظر، ومن ساق له برهانًا فقد أجاب سؤالًا لم يُسأل. والفرقُ بين النداء والاعتراض ليس فرقًا في الذكاء ولا في الصدق ولا في سلامة العقل — هو فرقٌ في جنس الطلب: هذا يطلب تحليلًا، وذاك يطلب أن يُرى.
والثالث: السؤالُ الذي يتجدّد. يُجاب صاحبُه فيهدأ ساعتين ثمّ يعود بصيغةٍ أدقّ، ومضى على هذا عامان. وهنا أحذف ما كنتُ كتبتُه أوّلًا: كنتُ قلت إنّ هذا «قلقٌ يُعالَج لا شبهةٌ تُردّ»، وهي عبارةٌ تفتح لي بابًا لأُخرج من دائرة المحاورين كلَّ من لم يقتنع بجوابي — وذاك بابٌ لا ينبغي أن يُفتح. والصوابُ أنّ تكرارَ السؤال بصيغةٍ أدقّ هو الفرقُ بين من يفكّر ومن يكتفي، وهو ما فعلتُه أنا في هذا الفصل مرارًا. فمن عاد بصيغةٍ أدقّ فقد ترقّى بالسؤال إلى الصنف الأوّل، لا نزل عنه.
*وأين ينكسر هذا التقسيم*: الأسئلةُ الثلاثة تجتمع في رجلٍ واحدٍ في ساعةٍ واحدة، وليس في يدي — ولا في يدك — ما يقيس أيَّها في صدر من أمامك. فالتقسيمُ يُري أنّ السؤالَ الواحد ليس واحدًا، ولا يعطي أحدًا حقَّ أن يصنّف مخاطَبَه؛ ولو أُخذ على غير ذلك لكان حذفُه أنفعَ من إبقائه.
٢. صيغتان لا صيغةٌ واحدة — والخلطُ بينهما أصلُ العُقم
الصيغةُ المنطقية
تقول: هذه القضايا الثلاث لا تجتمع.
- الله قادرٌ على كلّ شيء.
- الله خيرٌ خيرًا تامًّا.
- والشرُّ موجود.
فمن كان قادرًا استطاع منعَه، ومن كان خيّرًا أراد منعَه، فوجودُه دليلٌ على أنّ أحد الوصفين منتفٍ. وهذه أقدمُ صياغةٍ في الباب، وقد أحياها ج. ل. ماكي سنة ١٩٥٥ بصيغةٍ محكمة: لا مجرّدَ استبعادٍ بل تناقضٌ صريح يلزم منه أنّ المؤمن يعتقد قضايا لا يمكن أن تصدق معًا `mackie-1955-evil-omnipotence`.
وهذه الصيغةُ لم تعد موضعَ النزاع الرئيس. ووجهُ ذلك أدقُّ ممّا يُظنّ، فتأمّله: القضايا الثلاث لا تتناقض بأنفسها. لكي يقوم التناقضُ تحتاج مقدّمةً رابعةً مضمرة، هي: أنّ الخيّر القادر يمنع كلَّ شرٍّ يقدر على منعه. وقد بيّن ألفن بلانتينغا أنّ هذه المقدّمة ليست ضرورية: يكفي أن يمكن أن يكون ثمّ خيرٌ لا يُنال إلا بالسماح بشرٍّ ما، حتى تسقط دعوى الاستحالة المنطقية `plantinga-1974-god-freedom-evil`. ولاحظ ما لم يفعله: لم يدّعِ أنّ هذا هو ما وقع فعلًا؛ ادّعى أنّه ممكن — والإمكانُ وحده يكفي لهدم دعوى التناقض، لأنّ التناقضَ لا يُهدم إلا بالإمكان.
والشاهدُ هنا شهادةُ خصمٍ لا شهادةُ صديق، وأنا أتعمّد هذا القيد: ماكي نفسُه — صاحبُ الصياغة — كتب بعد ذلك أنّ دفاعَ الإرادة الحرّة يكفي في ردّ دعوى التناقض المنطقيّ، وانتقل إلى صيغةٍ أخرى `mackie-1982-miracle`. وأكثرُ من يكتب اليوم — مؤمنُهم وملحدُهم — انتقل معه.
ولا أقول «أُغلق الباب»، ولا أقول إنّها لا تُساق في موضعٍ جادّ. فقد أعاد جيمس ستيربا سنة ٢٠١٩ صياغةَ دعوى التناقض بمقدّماتٍ أخرى مأخوذةٍ من قواعد المنع الأخلاقيّ، ودارت حولها ردودٌ ومجلَّد `sterba-2019-good-god`. فالدقيقُ أنّ الثقلَ انتقل لا أنّ أحدًا لم يبقَ هناك. ودعوى «الإجماع» أضعفُ ما يُبنى عليه فصلٌ عُدّتُه الدقّة: تنكسر بمثالٍ واحدٍ منشور.
ولن أبيعك انتصارًا لا تعرف سعرَه. لدفاع بلانتينغا ثمنان مكتوبان عنده لا عليّ أن أستخرجهما:
- الأوّل: شرُّ الطبيعة. الزلزالُ ليس فعلَ إنسانٍ حرّ، فكيف يدخل تحت دفاع الإرادة الحرّة؟ جوابُه أنّه يمكن أن يكون فعلَ أرواحٍ حرّةٍ غيرِ بشرية. وهو يقرّ بأنّ هذا بعيدٌ عن التصديق، ويقول إنّ البعدَ لا يضرّ لأنّ المطلوب الإمكانُ لا الترجيح. وهذا صحيحٌ في المنطق وثقيلٌ في النفس: من قَبِل الجوابَ فقد قَبِل أنّ ردّ دعوى التناقض يمرّ من هذا الباب.
- والثاني: «الفساد عبر العوالم». الاعتراضُ الداخليّ — وهو أقوى ما في الباب — يقول: إن كان اختيارُ الخير ممكنًا في كلّ موقفٍ بعينه، فلمَ لا يخلق قادرٌ أحرارًا يختارونه دائمًا؟ فليس في وقوع ذلك تناقض. وجوابُ بلانتينغا أنّه يمكن أن يكون كلُّ شخصٍ ممكنٍ بحيث لو خُلق حرًّا لأخطأ في موقفٍ ما. وهذه دعوى إمكانٍ أخرى، تكفي في بابها ولا تُصدَّق لذاتها.
والمثالُ يُري الفرق بين نوعي الدعوى: يأتيك كشفُ حسابٍ فيه رقمٌ لا تفهمه. لك أن تقول شيئين مختلفين تمامًا. الأوّل: «هذا الكشفُ لا يستقيم حسابيًّا — المجموعُ لا يساوي بنودَه، وهذا مستحيلٌ بأيّ تقدير». والثاني: «هذا الكشفُ يستقيم، لكنّ هذا الرقمَ لا يشبه ما أعرفه عن هذا الحساب، وأرجّح أنّ فيه خطأً». الأولى دعوى استحالة، والثانية دعوى ترجيح. والأولى تُهدم بأن يُريك المحاسبُ صورةً واحدةً يستقيم فيها الكشف — ولو كانت بعيدة. والثانيةُ لا تُهدم بذلك ألبتّة.
*وأين ينكسر المثال*: الكشفُ يمكن أن يُراجَع بندًا بندًا حتى يُقطع النزاع، ولا نظير لذلك هنا؛ فالمشهدُ يُري الفرقَ بين نوعي الدعوى ولا يقول شيئًا عن أيّهما الصادق في مسألتنا.
الصيغةُ الاحتمالية — وهي التي تُجاب
هنا موضعُ المسألة كلِّها. الاعتراضُ اليوم لا يقول «مستحيل»، يقول: مقدارُ الألم في العالم وتوزيعُه يجعلان فرضَ إلهٍ رحيمٍ أقلَّ ترجيحًا من فرضٍ آخر. وهذه دعوى لا تُهدم بإمكانٍ بعيد، لأنّها لم تبنِ على الامتناع أصلًا.
وهنا يقع خطأٌ لفظيٌّ يُفسد ساعاتٍ من الجدل: أن يردّ المؤمنُ على «أقلّ ترجيحًا» بـ«لكنّه ممكن»، فيظنّ أنّه أجاب. والإمكانُ غيرُ الاحتمال. بيدك تذكرةُ يانصيب: إمكانُ فوزك ثابتٌ لا نزاع فيه — ليس في الأمر ما يمنعه؛ واحتمالُ فوزك واحدٌ من عشرة ملايين. الجملتان صادقتان معًا ولا تتزاحمان، ومن ردّ الثانيةَ بالأولى لم يقل شيئًا.
٣. غزالةُ رو — وحالتُه الثانية التي يُسقطها الناقلون
في مقالةٍ سنة ١٩٧٩ ساق ويليام رو مشهدًا صار أشهرَ ما في الباب. ولن أضعه بين علامتي اقتباس لأنّ ما يُتداول منه بالعربية زياداتٌ ليست في نصّه، وأخطرُها زيادةٌ تحسم النزاعَ لصالحه في الصياغة. وهذا تلخيصُه، ثمّ نصُّ تحفّظه بحرفه:
تشتعل النارُ في غابةٍ بصاعقةٍ ضربت شجرةً ميتة. تحترق غزالةٌ صغيرة احتراقًا شنيعًا فتبقى ملقاةً في عذابٍ أيّامًا حتى يريحها الموت.
وهنا التحفّظُ الذي يسقط في النقل، وهو موضعُ النزاع كلِّه: يقول رو إنّ عذابَ الغزالة «فيما يظهر لنا» بلا غاية — `So far as we can see` — ويصفه بـ«الظاهرِ عبثيّته» لا بالعبثيّ. فرو أحوطُ في تقرير حجّته من أكثر من ينقلها عنه، ومن كتب في المشهد «ولم يزدد بها في العالم خيرٌ ولا نقص شرّ» فقد حوّل تحفّظًا معرفيًّا إلى واقعةٍ مقرَّرة، وحسم بذلك — في الصياغة — النزاعَ الذي سيُطرح بعد صفحات.
ثمّ صاغ حجّته على هذا النحو:
- توجد صورٌ من الألم الشديد كان في وسع كائنٍ قادرٍ أن يمنعها من غير أن يفوت بذلك خيرٌ أعظم ولا يقع شرٌّ مساوٍ.
- وكائنٌ عالمٌ خيّرٌ تمامًا كان سيمنع كلَّ صورةٍ من هذا النوع.
- فليس ثمّ كائنٌ عالمٌ قادرٌ خيّرٌ تمامًا.
ولا تستهن بموضع القوّة فيها. المقدّمة الثانية يقبلها المؤمنُ عادةً — ورو ينصّ على ذلك، ويقول إنّها تعبّر عن مبادئَ أخلاقيةٍ يشترك فيها المؤمن وغيرُ المؤمن. فتبقى الأولى، وهي التي يُقال إنّها الثغرة — لأنّها انتقالٌ من «لا نرى خيرًا يبرّرها» إلى «لا خيرَ يبرّرها». وهذا اعتراضٌ حقيقيّ سأبسطه في §٦-ج.
ورو يعرف الاعتراضَ ويجيب عنه — لكن لا بما يُنسب إليه كثيرًا. لم يقل إنّ حجّته «استدلالٌ بأفضل تفسير»، ولا يرد هذا اللفظُ في المقالة أصلًا؛ ذاك إطارُ درابر ومن جاء بعده. الذي قاله رو أمران: أنّ المشهدَ لا يبرهن على المقدّمة الأولى — يقرّ بذلك حرفًا — وأنّ تسويغَها استقرائيّ: يكفي أن يكون اعتقادُها عقلانيًّا، كما يعقل أن نعتقد أنّ مرشَّحًا بعينه لن يُنتخب وإن لم نعلم ذلك يقينًا. ثمّ يضيف أنّ العالم ملآنُ بهذه الصور لا بواحدةٍ منها — وهذا منصوصٌ عنده — فالتراكمُ يفعل ما لا تفعله الواقعةُ الواحدة `rowe-1979-varieties`.
والحالةُ الثانية التي أسقطتُها في النسخة الأولى، وفي إسقاطها راحتان للجواب معًا. الغزالةُ صورةٌ يسهل الانصرافُ عنها: «حيوان»، «لا وعيَ كوعينا»، «قوانينُ طبيعة». ولهذا بعينه أضاف رو في كتاباته اللاحقة حالةً ثانية: طفلةٌ في الخامسة اغتُصبت وضُربت حتى ماتت على يد رجل. وهي تقطع طريقين معًا: طريقَ «إنّما هي بهيمة»، وطريقَ من يظنّ أنّ دفاعَ الإرادة الحرّة يفرغ من الباب — لأنّها فعلُ حرٍّ بالضبط، ومع ذلك تبقى الحجّة قائمة: السؤالُ ليس «من فعل؟» بل «أيُّ خيرٍ كان لا يُنال إلا بالسماح بهذا؟» `rowe-1988-evil-theodicy`. وقد كنتُ وعدتُ في هذا الفصل أن أنقل الاعتراضَ بقوّته لا بصيغةٍ سهلة الكسر، وكان إسقاطُها إخلافًا لذلك الوعد.
وأهمُّ ما في المقالة يُحذف عادةً في النقل العربيّ: في هذه المقالة بعينها يسكّ رو مصطلح «الإلحاد الصديق»، ويقرّر أنّ المؤمن قد يكون عقلانيًّا تمامًا في إيمانه وإن كانت حجّتُه صحيحة `rowe-1979-varieties`. أي أنّ صاحب أقوى صياغةٍ للاعتراض ينصّ على أنّه لا يُخرج مخالفَه من العقل. فمن نقل الحجّةَ وحذف هذا السطر شوّه الرجلَ ليكسبه خصمًا.
٤. درابر: ليست الفظائعَ وحدها، بل التوزيع
الصياغةُ الثانية أدقُّ وأصعبُ ردًّا، وصاحبُها بول درابر. وهي لا تنظر إلى واقعةٍ واحدةٍ بل إلى نمطٍ في العالم كلِّه: كيف يتوزّع الألمُ واللذّة على الأحياء؟
يقول: قارن فرضين. الأوّل أنّ العالم صنعُ إلهٍ رحيم. والثاني — وسمّاه فرضَ اللامبالاة — أنّ ما يصيب الأحياء من ألمٍ ولذّةٍ لا علاقةَ له بأيّ قصدٍ خيرٍ أو شرّ. ثمّ اسأل: أيُّ الفرضين يتوقّع ما نراه فعلًا؟ ونحن نرى ألمًا موزَّعًا كما تتوزّع الأشياءُ حين لا يوزّعها أحد: يصيب الطفلَ في شهره السادس والشيخَ الظالمَ في نومه، ويصيب الحيوانَ في غابةٍ لا شاهدَ فيها قبل أن يوجد إنسانٌ يُبتلى أصلًا. والألمُ حيث ينفع البقاءَ حاضر، وحيث لا ينفع حاضرٌ كذلك.
وانتبه إلى ما لا تحتاجه هذه الحجّة، فهو مفتاحُ §٧ كلِّه: هي لا تستعمل لفظ «ينبغي» ولا لفظ «ظلم». سؤالُها احتماليٌّ محض: أيُّ الفرضين يتوقّع النمطَ الذي نرصده؟ فمن ردّ الباب كلَّه بأنّ المعترضَ يفترض ميزانًا أخلاقيًّا لم يخاطب درابر بحرف.
والحجّةُ مقارِنةٌ لا ناقضة — ودرابر ينصّ على ذلك بنفسه: هي لا تُثبت كذبَ الإلهية، وهي قابلةٌ لأن يرجحها دليلٌ آخر من بابٍ آخر `draper-1989-pain-pleasure`. فمن نقلها «دليلًا على عدم وجود الله» حذف شرطًا كتبه المؤلّف.
والمثال: لو جلستَ ليلةً كاملةً في قسم الطوارئ ومعك دفتر، فسجّلتَ من دخل وبأيّ حال، ثمّ نظرتَ في الدفتر صباحًا تفتّش عن ترتيب — أيّ ترتيب — لم تجد سطرًا ينتظم. لا الأصغرُ سِنًّا أخفُّ إصابة، ولا الأحسنُ سيرةً أسلمُ خروجًا. وهذا هو معنى «التوزيع العشوائيّ» بالضبط: لا أنّ الألمَ بلا سبب — لكلّ حادثةٍ سببُها الفيزيائيّ التامّ — بل أنّه لا ينتظم على مقياسٍ أخلاقيّ.
*وأين ينكسر*: دفترُ ليلةٍ واحدةٍ عيّنةٌ صغيرة، وأنت تفتّش فيه عن ترتيبٍ من النوع الذي تعرفه أنت؛ ومن قال إنّ الترتيبَ قائمٌ على مقياسٍ لا يظهر في دفتر ليلةٍ لم يُبطله المشهدُ. وهذا هو الجوابُ الثالث الآتي في §٦-ج — وسأقول هناك إنّه يمسّ درابر فعلًا، وبثمنٍ أعلى ممّا يُظنّ، لا كما كنتُ كتبتُ أوّلًا أنّه لا يمسّه أصلًا.
٥. بابٌ مستقلّ: الخفاءُ الإلهيّ — لو أراد لقاءنا فلماذا يختفي؟
هذه ليست فرعًا من مشكلة الشرّ، ولا تُردّ بردودها. وأفردتُها لأنّها سؤالُ كثيرٍ ممّن يقرأ هذا الكتاب — بل لعلّها سؤالُهم قبل الشرّ: لستُ منكرًا، أنا طلبتُ فلم أجد.
وصاحبُ صياغتها المعاصرة ج. ل. شيلينبرغ، وهذه بنيتُها في صياغته المتأخّرة:
- لو وُجد إلهٌ لكان كاملَ الحبّ.
- ومن كان كاملَ الحبّ كان منفتحًا دائمًا على علاقةٍ شخصيةٍ واعيةٍ متبادلة مع كلّ من يقدر عليها.
- ومن كان كذلك، لم يوجد شخصٌ غيرُ مقاوِمٍ يفتقد الاعتقادَ بوجوده — لأنّ الاعتقادَ بوجود الطرف شرطٌ لازمٌ لقيام العلاقة معه.
- لكنّ عدمَ الإيمان غيرَ المقاوِم موجود: طالبون صادقون بحثوا فلم يبلغوا، وأممٌ لم يبلغها التصوّرُ أصلًا.
- فلا إله.
وانتبه إلى القيد الذي في المقدّمة الثالثة: «غيرُ مقاوِم». فمن ردّ الحجّةَ بـ«الأدلّةُ ظاهرةٌ والمنكِرُ معاند» لم يخاطبها أصلًا — خاطب حجّةً أخرى. وموضعُ هذا القيد بهذا اللفظ صياغتُه المتأخّرة لا كتابُه الأوّل: كتابُ ١٩٩٣ يصوغ الشرطَ بلغة التأثيم — «عدمُ إيمانٍ لا يُلام صاحبُه عليه» — ثمّ صرّح بأنّ تعليقَ الأمر على اللوم كان خطأً، فاستبدل به المقاومة `schellenberg-1993-hiddenness` · `schellenberg-2015-hiddenness-arg`. ثمّ إنّها تستهدف إلهًا شخصيًّا كاملَ الحبّ وحدَه؛ لا تمسّ من قال بصانعٍ منعزل، ولا بمطلقٍ غير شخصيّ.
والمثالُ الذي يُصوّر الشكوى بأمانة: تلميذٌ يقف في الممرّ أمام مكتب أستاذه كلَّ يومٍ أسبوعين. الأستاذُ داخلَه، يعلم أنّه واقف، ولا يفتح. مهما قيل بعد ذلك في الحكمة، فوقوفُ التلميذ في الممرّ واقعةٌ لا تُنكر، وسؤالُه سؤالُ من له حقّ. *وأين ينكسر*: الأستاذُ لا يملك أن يوصل شيئًا إلا بفتح الباب، والدعوى في هذا الباب أنّ ثمّ سبلًا للحضور غيرَ التي يتصوّرها الواقف. فالمشهدُ يُصوّر الشكوى ولا يحكم في الجواب.
وأقوى ما رُدّ به، وجوابُ صاحب الحجّة عنه:
| الردّ | صيغتُه | وجوابُ شيلينبرغ |
|---|---|---|
| المسافةُ المعرفية (سوينبرن `swinburne-2004-existence`) | اليقينُ الطاغي يُبطل خطورةَ الاختيار الأخلاقيّ، فالخفاءُ شرطُ حرّية | الاعتقادُ ليس طاعة. من اعتقد بقي حرًّا أن يحبّ أو يعصي — وفي التصوّر الدينيّ نفسِه كائناتٌ مؤمنةٌ عاصية. فالحجّةُ تخلط بين شرطِ العلاقة وقهرِ الإرادة |
| المعرفةُ البنويّة (موزر `moser-2008-elusive-god`) | الله يحتجب عن الاستعلام البارد ويُعرَف بالاستعداد للتحوّل | من كان غيرَ مقاوِمٍ فهو بحكم التعريف مستعدٌّ إراديًّا — فقد استوفى الشرط ولم يبلغ. فالردُّ إمّا يفرّغ لفظ «المقاومة» من معناه وإمّا يترك الحالةَ المطروحة بلا جواب |
| الصمتُ أسلوبًا (ريا `rea-2018-hiddenness`) | قد يكون الصمتُ من أسلوب ذاتٍ لها شخصيتُها؛ والعلاقةُ قد تقوم بغير التصديق بالوجود | وهذا أمتنُ ما قيل في نظري، لأنّه وحده يهاجم بنيةَ الحجّة (المقدّمة ٣) لا نتيجتَها. وثمنُه أنّ تعليقَ الأمر على مفهومٍ رقيقٍ للعلاقة يُضعف دعوى الحبّ الكامل نفسَها |
| كلُّ منكرٍ مقاوِم | إنكارُ المقدّمة ٤ | دعوى تجريبيةٌ عن بواطن الناس لا سبيل إلى إثباتها، ويكذّبها ظاهرُ حال الطالبين الصادقين |
والعبءُ هنا ثقيلٌ على المؤمن، ولن أخفّفه. والمجلَّدُ الأشهرُ في المسألة مبنيٌّ على الخلاف: أحدَ عشرَ فصلًا من مؤمنين وملحدين وأدريّين يناقض بعضُها بعضًا، ومحرِّراه يعلنان أنّ المسألة مفتوحة `howard-snyder-moser-2002`. فمن نقل لك فصلًا منه على أنّه «موقفُ الفلاسفة» أخفى عنك بنيةَ الكتاب.
٦. الأجوبةُ الكبرى — كلٌّ بقوّته ثمّ بحدّه
(أ) الاختيارُ الحرّ
قوّتُه: أكثرُ ما نسمّيه شرًّا في الأرض فِعلُ إنسانٍ باختياره. وعالمٌ يُمنع فيه كلُّ فعلٍ سيّئٍ قبل وقوعه ليس عالمًا فيه أحرارٌ لا يخطئون؛ هو عالمٌ ليس فيه أحرارٌ أصلًا. والمثال: مصنعٌ أرادت إدارتُه أن تمنع كلَّ خطأٍ في خطّ الإنتاج، فثبّتت أذرعَ العمّال بحيث لا تتحرّك إلا في مسارٍ واحد. لم تعد ثمّ أخطاء — ولم يعد ثمّ عمّال، بل امتدادٌ للآلة يلبس قفّازات.
*وأين ينكسر*: أذرعُ العمّال تُقيَّد بالحديد ونحن نراه؛ والمقيَّدُ في الدعوى إرادةٌ لا تُرى. وهنا الاعتراضُ الداخليّ وهو أقوى من كلّ ما يُساق من خارج: لا حاجة إلى تقييدٍ أصلًا. في كلّ موقفٍ بعينه يكون اختيارُ الخير ممكنًا — وإلا لم يكن الفاعلُ حرًّا فيه — فلا تناقضَ في أن يوجد حرٌّ يختار الخيرَ في كلّ مرّة، كما لا تناقضَ في أن يخرج وجهُ العملة صورةً ألفَ مرّة. فما الذي يمنع قادرًا من أن يخلق أحرارًا هذا شأنُهم؟ وهذا اعتراضُ ماكي بعينه، ولا يُردّ إلا بدعوى الإمكان التي مرّت في §٢: أن يكون من الجائز ألّا يوجد شخصٌ ممكنٌ يصلح لذلك. وهي كافيةٌ في ردّ دعوى التناقض، وليست مصدَّقةً لذاتها، ولا تُغني شيئًا في الصيغة الاحتمالية.
وحدُّه — وهو حدٌّ واسع: لا يفسّر ألمَ الطبيعة. الزلزالُ لا يختاره أحد. والسرطانُ في نخاع طفلٍ في الثالثة ليس فعلَ حرٍّ ولا نتيجةَ فعله. والغزالةُ في مثال رو ماتت وحدَها في غابةٍ لا إنسان فيها. فمن ساق الاختيارَ الحرَّ جوابًا عامًّا فقد أجاب عن نصف المسألة وسكت عن نصفها الأثقل. وحالةُ رو الثانية تُري أنّ الحدَّ أوسعُ من ذلك: الطفلةُ قُتلت بفعل حرّ، والجوابُ يبيّن لِمَ لم يُمنع القاتلُ من الاختيار، ولا يقول شيئًا في لِمَ لم تُصرَف عنها النتيجةُ بعد أن اختار.
ويُقال في الطبيعيات إنّ عالمًا بلا قوانين مطّردةٍ لا يمكن أن يُفعل فيه شيء ولا أن يُتعلَّم، وأنّ الاطّرادَ الذي يجعل النارَ تطبخ هو الذي يجعلها تحرق. وهذا وجيه. وحدُّه أنّ الاطّراد يقبل الاستثناءَ في مواضعَ نادرةٍ من غير أن ينهدم — ومن أثبت أنّ القوانين تُخرَق في المعجزة لزمه سؤالٌ لا أملك له جوابًا حاسمًا: فلمَ لا هنا؟
(ب) بناءُ النفس — «صناعةُ الأرواح» عند جون هِك
قوّتُه: أنّه ليس تنظيرًا بعيدًا عن التجربة. عالمٌ لا يُؤلم فيه شيءٌ عالمٌ لا يوجد فيه صبرٌ ولا شجاعةٌ ولا رحمةٌ ولا إيثار — لا لأنّ الناس فيه أشرار، بل لأنّ هذه المعاني لا معنى لها بلا ما تُقابله. وهذا هو مذهبُ جون هِك في «صناعة الأرواح»: أنّ العالم ليس دارَ لذّةٍ أُسيء صنعُها، بل موضعُ تكوينٍ لأشخاص `hick-1966-evil-god-love`.
والمثالُ الذي كنتُ سُقتُه يقع تحت الحدّ الذي أُعلنه بعده بأسطر، فأنا أستبدله: كنتُ ضربتُ المثلَ بطبيبٍ مقيمٍ يتعلّم من خطأٍ ارتكبه. وهو مثالٌ باطلٌ في موضعه: الطبيبُ يتعلّم من خطئه هو، والطفلُ في السنة الثانية لم يُخطئ، فالمثالُ يصوّر عقوبةً مثمرةً لا بلاءً بريئًا — وهو بعينه ما أنفيه بعد قليل. والمثالُ الصحيح لا بدّ أن يكون في ألمٍ لم يجنِه صاحبُه: امرأةٌ وُلد لها ابنٌ لا يسمع، فقضت سنواتٍ تتعلّم لغةَ الإشارة ثمّ صارت تعلّمها غيرَها. ما في هذا المشهد من رحمةٍ واتّساعِ صدرٍ لم يكن ليوجد على هيئته لولا أمرٌ لم تخترْه ولم تجنِه. وهذا مشهودٌ ومعروف.
*وأين ينكسر هذا المثالُ أيضًا* — وأقوله لأنّه ينكسر: الذي بُني هنا نفسُ الأمّ، والذي احتُمل الألمُ فيه ابتداءً هو الابن. فما دام المثالُ الأمثلُ في الباب لا يخرج من هذه القسمة، فالباب نفسُه لا يخرج منها.
وحدُّه — وهو أقسى ما في الباب: ألمٌ يقتل صاحبَه لا يبنيه. طفلٌ يموت في السنة الثانية لم يُصنع له خُلق. ومن الناس من يخرج من البلاء أقسى وأضيقَ لا أرحمَ وأوسع، وهذا مشهودٌ لا يُنكَر. وأخطرُ من ذلك: من جعل ألمَ إنسانٍ وسيلةً لبناء غيره فقد قال قولًا لا يُقال — أنّ هذا الطفل أداةٌ في درسٍ لأمّه.
وأصدقُ من ساق هذا الحدَّ مؤمنةٌ لا خصم: مارلين مكورد آدمز تقرّر أنّ دفاعَ الإرادة الحرّة وثيوديسيا «الخير الأعظم» تعجزان عن الشرور الفظيعة، لأنّهما تعالجان الخيرَ في الحساب الكلّيّ ولا تقولان شيئًا عن خير الشخص المصاب بعينه `m-adams-1999-horrendous`. ومن عدّها في قائمة «الردود على مشكلة الشرّ» عدّ خصمَ تلك الردود في صفّها.
وقفةٌ على أسلوبٍ في هذا الفصل، أُقرّ به ولا أعتذر عنه. يتكرّر فيه أن أُسند أثقلَ الاعترافات إلى مؤمنٍ أو إلى خصمٍ وهو يتنازل: آدمز مؤمنة، وفان إنفاغن مؤمن، وماكي أقرّ. والقارئُ الذي يقرأ هذا فيسمع «اعتراضُك لا يُعتدّ به حتى يقولَه أحدُنا» قرأ شيئًا لم أقصده، وله عذرُه في قراءته. والذي أقصده أضيق: أنّ الشاهدَ يقوى حين يشهد على مصلحته لا لها، فمن نُقل عنه اعترافٌ يضرّه فقد سقطت عنه تهمةُ الهوى. وهذه قاعدةُ ترجيحٍ في النقل لا في الحجّة نفسِها. والحجّةُ تقوم بذاتها ولو لم يقلها أحد؛ ولو لم يعترف ماكي بشيءٍ ما تغيّر في المسألة حرف.
(ج) الشكّيةُ الإلهية — وهي دفاعٌ لا ثيوديسيا
واسمُها أوّلًا، لأنّي أخطأتُ فيه في النسخة الأولى: تُسمّى «الثيوديسيا الشكّية» تجوّزًا، وهي ليست ثيوديسيا — أي ليست تعليلًا للشرّ ولا دعوى معرفةٍ بحكمته. هي دفاع: بيانُ أنّ الحجّةَ لا تنجح. وهذا بعينه ما يمدح به فان إنفاغن، فلا يستقيم أن أمدحه بأنّه لا يقدّم ثيوديسيا ثمّ أسمّي موقفَه ثيوديسيا.
صيغتُه: المقدّمةُ الأولى عند رو انتقالٌ من «لا أرى خيرًا يبرّر هذا» إلى «لا خيرَ يبرّره». وهذا الانتقالُ لا يصحّ إلا بشرط: أن أكون بحيث لو وُجد الخيرُ لرأيتُه. وهذا الشرطُ صاغه ستيفن وِكسترا صياغةً مضبوطة، وبسطه وليم ألستون في تعداد وجوه القصور المعرفيّ عندنا `wykstra-1984-humean-obstacle` · `alston-1991-cognitive-condition`. والمثال يُري الشرط: دخلتَ غرفةً تفتّش عن فيلٍ فلم تجده، فلك أن تجزم أنّه ليس فيها. ودخلتَ الغرفةَ نفسَها تفتّش عن بعوضةٍ فلم تجدها، فلم تُثبت شيئًا. والفرقُ ليس في اجتهادك في البحث، بل في حجم المطلوب نسبةً إلى أداتك. فإن كانت مقاصدُ عقلٍ لا متناهٍ من صنف البعوضة لا صنف الفيل، سقط الانتقال.
وقوّتُه حقيقية. وفان إنفاغن يصرّح بأنّه لا يعلم لماذا يسمح الله بالشرّ، وأنّ غايته إثباتُ أنّ الحجّة لا تنجح لا تفسيرُ ما وقع `van-inwagen-2006-evil`.
وحدُّه الأوّل — وهو الذي يقتل الجواب من داخله: من قال «لا أعرف حكمته» جاز عليه أن لا يعرف خيريَّتَه أيضًا. فإن كانت ملَكاتي أضعفَ من أن ترى الخيرَ الكامن في احتراق غزالة، فهي أضعفُ من أن تحكم بأنّ ما أراه من إحسانٍ إحسانٌ في الحساب الكلّيّ. والسيفُ يمتدّ أبعدَ من ذلك: يمتدّ إلى الوعد والوعيد وإلى كلّ حكمٍ أخلاقيٍّ يُنسب إلى الله، فينهار به اللاهوتُ الطبيعيُّ كلُّه — وهو نصُّ ما يجيب به شيلينبرغ من يدفع حجّةَ الخفاء بهذا الباب `schellenberg-2015-hiddenness-arg`.
وحدُّه الثاني — وهو أشهرُ ما رُدّ به وقد أسقطتُه في النسخة الأولى: الشللُ الأخلاقيّ. إن جاز أن تكون ثمّ خيراتٌ لا أراها تبرّر سماحَ الله باحتراق طفل، فقد جاز مثلُها أن تبرّر امتناعي أنا عن إطفاء النار: فما يدريني أنّ تدخّلي لا يفوّت خيرًا لا أراه؟ والحجّةُ التي تُسكِت الاعتراضَ تُسكِت معها كلَّ نداءٍ للإغاثة `almeida-oppy-2003-sceptical-theism`. وهذا اعتراضٌ منشورٌ قائم، وأصرحُ ما يُقال فيه إنّ له جوابًا مطروقًا — أنّ التكليفَ يقع على ما أعلمه لا على ما أجهله، وأنّ من عَلِم واجبَ الإغاثة لم يرفعه عنه احتمالُ خيرٍ مجهول — ولا أزعم أنّ الجوابَ يقطع النزاع: أضعفُ ما فيه أنّه يُبقي الشكَّ في موضعٍ ويطرده من موضعٍ آخر بلا مقياسٍ يفصل بينهما، وذاك عينُ ما يشكوه المعترض.
والجواب — وأقدّمه بحدّه لا بلا حدّ:
أوّلًا: أفرِّق بين جهلٍ بالوقائع والعواقب وجهلٍ بالقِيَم، وأتبنّى الأوّلَ وحدَه. ولستُ أنقل هذا عن أهل الشكّية الإلهية بل أضيّق عليهم: وِكسترا وألستون يدّعيان الصنفين معًا، وينصّان على أنّ فضاء الخيرات نفسَه قد يجاوز إدراكنا — لا عواقبَ الخيرات وحدها. فمن وسّع الشكَّ إلى القيم لزمه الإلزامُ المضادُّ بتمامه، وأنا أُقرّ بذلك ولا أدفعه عنه.
والمثال: طبيبٌ يعرف يقينًا أنّ شفاء المريض خير وأنّ موته شرّ — هذا حكمُ قيمة، وهو عنده ثابتٌ لا يتزعزع. ولا يعرف أثرَ هذا الدواء بعينه في هذا المريض بعينه بعد ثلاثة أشهر — وهذا جهلٌ بالعاقبة. فالجهلان صنفان لا يلزم أحدُهما الآخر بمجرّد اشتراكهما في اللفظ.
*وأين ينكسر — وهو موضعُ اعتراضٍ وجيهٍ عليّ*: المتنازَعُ فيه ليس «أتعلم أنّ الألمَ شرّ؟» بل الحكمُ المركَّب: أهذا الألمُ المعيّنُ مبرَّرٌ بما يترتّب عليه؟ وهذا مركَّبٌ من قيمةٍ وعاقبةٍ معًا فلا ينفصلان فيه. ثمّ إنّ في المثال نفسِه ما يعمل ضدّي: بأيّ شيءٍ نحكم نحن أنّ الطبيبَ خيّر؟ بفعله؛ بأنّه لا يترك مريضًا يتعذّب أيّامًا وهو قادرٌ على تسكينه، مهما قيل في حكمةٍ لا نراها. فنسبةُ الخيرية إلى فاعلٍ تُستقرأ من فعله — وأنا في «ثانيًا» أمنع هذا الاستقراءَ بعينه. فالفقرتان بينهما توتّرٌ لا أزعم أنّي حللتُه؛ غايةُ ما أقوله إنّ الاستقراءَ من الفعل يصحّ حيث يكون الفاعلُ مشاركًا لنا في الميزان ومكشوفَ المدى، ولا يصحّ حيث يُدّعى خلافُ الشرطين. ومن رأى هذا التخصيصَ مصادرةً فله وجه، وأنا أُثبت اعتراضَه ولا أطويه.
ثانيًا وهو الألزم: الحكمُ بخيرية الله — إن قام — لا يقوم على استقراء الحوادث. ومن أسّسه على «نظرتُ في الوقائع فوجدتُها حسنة» فقد أعطى خصمَه سلاحَه بيده، لأنّ الوقائع بعينها هي المتنازَع عليها.
وأقول ما جنسُ السند الذي أُحيل عليه، فقد كنتُ أحلتُ إلى «بابٍ آخر» بلا تسمية، وذاك تهرّب. جنسُه أحدُ ثلاثة: خبرٌ يُنسب إلى وحي؛ أو حجّةٌ نظريةٌ في وجود الأوّل وصفاته لا تمرّ بتجربة الألم؛ أو خبرةٌ باطنية. ولكلٍّ كلفةٌ مختلفة، وأثقلُها الأوّل: إن كان السندُ نصًّا يقول عن الله إنّه رحيم، فأنا أثبتُّ الرحمةَ بشهادة المتّهَم — وهذا دورٌ ظاهر ما لم يُثبت صدقُ الخبر بطريقٍ لا يمرّ بمضمونه. ولستُ أعطيك واحدًا من الثلاثة في هذا الفصل، وأثرُ ذلك في وزن ما هنا معلوم: الجوابُ يبقى مشروطًا بما لم يُقدَّم بعد.
فالخلاصةُ: الجهلُ بالحكمة لا يهدم إلا صورةً من الإيمان أسّست خيريّةَ الله على قراءة الحوادث، وتلك صورةٌ تُهدم بغير هذا أيضًا.
وأمّا حجّةُ درابر فالصوابُ أنّ هذا الجوابَ يمسّها — وبثمنٍ أعلى ممّا يبدو، وأصحّح به ما كتبتُه أوّلًا من أنّه «لا يمسّها أصلًا». وجهُ مسّه: من قال إنّ ملَكاتنا أضعفُ من أن ترى الخيرَ الكامن، فقد قال إنّ توقّعاتنا عن توزيع الألم على فرض الرحمة غيرُ معوَّلٍ عليها — والحجّةُ مبنيّةٌ على ذلك التوقّع بعينه. فليس صحيحًا أنّ «الجهل لا يرفع ترجيحًا، إنّما يمنع قطعًا»؛ الجهلُ بفضاء الخيرات يخفض الثقةَ في التوقّع فيخفض الترجيح. وثمنُه أنّ الشكَّ لا يُوجَّه: من أبطل توقّعي أنّ الرحيمَ يوزّع الألمَ على نحوٍ آخر، أبطل معه كلَّ توقّعٍ أبنيه على وصفه — بما فيه ما أطمئنّ إليه أنا. فالجوابُ يخفض الترجيحَ ولا يمحوه، ويأخذ في مقابله من رصيد الدعوى نفسِها.
(د) الميزانُ بعد الموت
وأوّلُ ما أقوله فيه تصحيحُ ما نسبتُه إلى الخصم. كنتُ كتبتُ أنّ هذا الجواب «ينقض مقدّمةً مسكوتًا عنها في الاعتراض — أنّ هذه الحياة كلُّ شيء». وليست هذه مقدّمةَ رو ولا درابر. رو يسأل عن خيرٍ أيًّا كان موضعُه — في هذه الحياة أو بعدها — فالآخرةُ عنده داخلةٌ في الحساب مرشَّحةً من مرشَّحيه، لا ناقضةٌ لحجّته. فالذي ينقضه هذا الجوابُ الصيغةُ الشعبية: «مات ولم يُنصَف»، وهي تفترض أنّ الدفتر أُغلق عند الموت. فليُعلم مقدارُ ما يفعله: ينفع في موضع الشكوى، ولا يزحزح الصيغةَ المحرَّرة.
وثمّ فرقٌ ثانٍ لا يُطوى، وأنا أملك أداةَ نقضه من §٦-ب فلا يسعني أن أتركها: الإنصافُ بعد الموت تعويضٌ لا تبرير. وهو بعينه ما نبّهت عليه آدمز: أن يُجبَر المصابُ بعد مصابه شيءٌ، وأن يكون في مصابه نفسِه خيرٌ يبرّر السماحَ به شيءٌ آخر. ومن قدّم التعويضَ جوابًا عن سؤال التبرير فقد بدّل السؤال.
والمثال: دخل رجلٌ قاعةَ محكمةٍ في دقيقتها الأربعين، فرأى قاضيًا يستمع لمتّهمٍ يسبّ ولا يردّ عليه، وشاهدًا يكذب ولا يُقاطَع. فخرج يقول: هذه محكمةٌ لا عدلَ فيها. وما رآه صحيحٌ كلُّه، وحكمُه على ما رأى صحيح؛ والذي أخطأ فيه أنّه ظنّ أنّ ما رأى هو الجلسة. *وأين ينكسر*: في المحكمة نعلم أنّ ثمّ حكمًا في آخر الجلسة لأنّنا نعرف المحاكم؛ والدعوى في الباب أنّ ثمّ بقيّةً — وهي عينُ ما يُنازَع فيه. فالمشهدُ يُري أنّ الحكمَ على جزءٍ ليس حكمًا على الكلّ، ولا يُثبت أنّ ثمّ بقيّة.
وحدُّه صريح: هذا جوابٌ داخليّ يبيّن أنّ نسق الإيمان غيرُ متناقضٍ من داخله، وليس حجّةً خارجيةً تُلزم من لا يقبل بقاءً بعد الموت. ثمّ إنّه لا يجيب عن «لماذا وقع الألم» أصلًا؛ يجيب عن سؤالٍ آخر: أيبقى بلا إنصاف؟ والفرقُ بين السؤالين هو كلُّ شيء — ومن خلطهما وعد بما لا يعطي.
ولا يُقال هذا لمفجوعٍ الآن. الجوابُ الصحيحُ في غير وقته يُسمع استعجالًا لإنهاء الحديث لا مواساة، ويصير هو نفسُه الجرحَ الثاني.
(هـ) وأيُّ جوابٍ يمسّ أيَّ صورة — الجدولُ الذي كان ينبغي أن يُكتب
القارئُ الذي مرّ بأربعة أجوبةٍ لكلٍّ «قوّةٌ» و«حدّ» يخرج بانطباعٍ أنّه أُعطي شيئًا في كلّ صورة، وهذا غيرُ صحيح. وهذا هو الجدول، ولا أُخفي فيه صفرًا:
| الجواب | فظائعُ الفعل الحرّ | ألمُ الطبيعة (الغزالة) | موتُ طفلٍ في الثانية | نمطُ درابر | الخفاء |
|---|---|---|---|---|---|
| الاختيارُ الحرّ | يمسّ، ويبيّن لِمَ لم يُمنع الفاعل — ولا يبيّن لِمَ لم تُصرَف النتيجة | صفر | صفر | صفر | صفر |
| بناءُ النفس | يمسّ في المصاب البالغ | صفر — لا نفسَ تُبنى | صفر، وهو موضعُ نقض آدمز | ضعيفٌ جدًّا: لا يفسّر التوزيع | صفر |
| الشكّيةُ الإلهية | يمسّ | يمسّ — وهو أقواها هنا | يمسّ | يمسّ بثمن (خفضُ الثقة يعمّ) | يزيدها ثقلًا لا خفّة |
| الميزانُ بعد الموت | تعويضٌ لا تبرير | لا أملك فيها شيئًا محدَّدًا | تعويضٌ لا تبرير | صفر | صفر |
فالمحصّلة: صيغةُ رو في الغزالة لا يمسّها إلا الشكّيةُ الإلهية — بحدّيها المعلَنَين — ولا يمسّها غيرُها بحرف. وصيغةُ درابر لم أُعطِ فيها إلا خفضًا للثقة يعمّ الدعوى وخصمَها معًا. ومن قرأ الفصلَ فخرج بأنّ الأجوبةَ الأربعة تتقاسم الصورَ فقد قرأ غيرَ ما فيه.
٧. ملحوظةٌ في كلفة الإنكار — لا حجّةٌ على أحد
وأوّلُ ما أفعله أن أضيّق حدودَها، فقد كنتُ عنونتُ هذا القسم بعنوانٍ أقوى مما تحته — «من أنكر لأجل الشرّ فقد الشرَّ نفسَه» — والعنوانُ هو الذي يُقتبس، فمن كتب عنوانًا يعرف أنّه يزيد على فقرته فقد كتب سطرًا يعمل ضدّ نفسه.
الاعتراضُ في صيغته الشائعة — لا في كلّ صيغةٍ منه — يقوم على حكمٍ لا يُنطق به: أنّ هذا ما كان ينبغي أن يقع. لا أنّه مؤلم — الألمُ واقعةٌ لا حكم — بل أنّه ظلم. وكلمةُ «ظلم» تفترض ميزانًا يُقاس إليه.
وقبل أن أمضي خطوةً، أحدُّ هذه الملحوظةَ بحدَّين لا تتجاوزهما، وهما يُخرجان من مدارها أكثرَ من يعرف ما يقول:
- لا تمسّ صيغةَ درابر ألبتّة. حجّتُه مقارنةُ توقّعٍ بين فرضين، سؤالُها «أيُّهما يتوقّع ما نراه؟»، ولا يدخل فيها لفظُ «ينبغي» ولا «ظلم».
- ولا تمسّ من ساق الاعتراضَ إلزامًا داخليًّا — وهذه أقوى صياغةٍ له عند أهله، وهي أوّلُ ما يقوله من درس المسألة. صورتُه: «أنا لا أُدخل في المقدّمات قيمةً من عندي، أُدخل قيمَك أنت: أنت تقول إنّ الله خيرٌ بالمعنى الذي تفهمه من الخير، رحيمٌ بالمعنى الذي تفهمه من الرحمة، وأنّ الظلمَ قبيحٌ عليه؛ ثمّ أُريك أنّ ما في العالم لا ينتظم مع قضاياك هذه». ومن أرى صاحبَ نظريةٍ تناقضًا في نظريته لا يلزمه أن يؤمن بها، كما لا يلزم من ردّ على نظرية بطلمية بمقتضى أصولها أن يعتقدها.
فالمخاطَبُ بهذه الملحوظة صنفٌ واحد: من رفع «ظلم» دعوى على العالم من عنده، لا من أجراها على خصمه. وهي بهذا القيد لا تصلح جوابًا عامًّا في الباب، وسوقُها جوابًا عامًّا هو بعينه ما أنهى به هذا الفصل من التحذير.
فإن كان القائلُ يرفعها دعوى من عنده، ولم يكن فوقنا ميزان، فما جرى للطفل حدثٌ فيزيائيّ: خلايا انقسمت انقسامًا لا ينضبط، وأعصابٌ أطلقت إشاراتٍ، ثمّ توقّف كلُّ ذلك. صادقٌ في وصفه، تامٌّ في تفسيره، ولا يبقى فيه موضعٌ للفظ «ينبغي» إلا بمعنى: نحن نكره هذا.
وهذا ليس تُهمةً أرمي بها المخالف، بل موقفٌ التزمه أهلُه بشجاعة. ج. ل. ماكي — وهو صاحبُ أقوى صياغةٍ للصيغة المنطقية — كتب أنّ القيم الأخلاقية الموضوعية غيرُ موجودةٍ أصلًا، وسمّى حجّته «حجّة الغرابة»: كياناتٌ تحمل إلزامًا مغروسًا فيها نوعٌ غريبٌ عن كلّ ما في العالم، وتستلزم مَلَكةَ إدراكٍ لا نظير لها `mackie-1977-ethics`.
وماكي نفسُه يُري حدَّ ملحوظتي، وكنتُ قد قلبتُ شاهدَه فجعلتُه شاهدًا لي. كتبتُ أوّلًا «فالرجلُ منسجم: لم يقل إنّ الكون ظلم الطفل»، وأوهمتُ بذلك أنّه ترك حجّةَ الشرّ لمّا أنكر الموضوعية. وليس كذلك: ظلّ يسوقها بعد نظرية الخطأ بسنوات، في كتابٍ أفرد لها فصلًا `mackie-1982-miracle`. وانسجامُه ليس بترك الحجّة، بل بإجرائها إلزامًا داخليًّا: لا يقول «الكونُ ظلم الطفل»، يقول «إلهُكم كما وصفتموه كان يلزم أن يمنع هذا». فأوضحُ مثالٍ على أنّ الاعتراضَ يقوم بلا ميزانٍ موضوعيّ هو المثالُ الذي سُقتُه شاهدًا على العكس.
وهنا أقول صراحةً ما تخسره هذه الملحوظة، ولا أزيّنها:
أوّلًا: هي لا تُثبت وجود الله. ولا تقترب. غايتُها أن تُري أنّ الإنكار له كلفةٌ في موضعٍ آخر، والكلفةُ ليست برهانًا.
وثانيًا — وهو الأثقل: مقدّمتُها منازَعةٌ بقوّةٍ عند من لا يؤمن. ديفيد إينوخ دافع في واحدٍ من أوسع ما كُتب في بابه عن واقعيةٍ أخلاقيةٍ غيرِ طبيعيةٍ وغيرِ إلهية `enoch-2011-taking-morality`؛ وإريك فيلينبرغ ردّ مباشرةً على القائلين بأنّ الأخلاق تفتقر إلى الله، وحجّتُه أنّ الحقائق الأخلاقية الأساسية ليست أغربَ من الحقائق الضرورية التي يلتزمها المؤمنُ نفسُه — فالعبء متساوٍ `wielenberg-2014-robust`. فمن قال «لا شرَّ بلا إله» فقد كذّبه فلاسفةٌ غيرُ مؤمنين بكتبٍ كاملةٍ في خلافه. ومن قال «إذن الملحدُ لا أخلاق له» فقد كذب على خصمه؛ وماكي نفسُه — في الكتاب ذاته الذي أنكر فيه الموضوعية — عقد قسمَه الثاني في الأخلاق العملية: الإجهاض والعدل والكذب وغيرها `mackie-1977-ethics`. وأن يفعل ذلك في الكتاب نفسِه أدلُّ على المقصود من أن يفرده بكتاب.
فما الذي يبقى منها بعد هذا كلِّه؟ شيءٌ واحدٌ متواضعٌ وصحيح: أنّ الإنكارَ لا يُنجي من المشكلة فيما لو رُفعت الدعوى من عند صاحبها. المشكلةُ تسقط عن اللاهوت وتنتقل إلى لغة المتألّم نفسِها. فأنت أمام أحد أمرين: إمّا أن تفقد اللفظ الذي جعل الحادثةَ ظلمًا وتُبقي الألم كما هو؛ وإمّا أن تُبقي اللفظ بثمنٍ ميتافيزيقيّ — حقائقُ ضروريةٌ خامّة قائمةٌ بلا شيءٍ تحتها — وليس هذا أرخصَ ممّا فررتَ منه. وهذه ملاحظةٌ في الكلفة لا حجّةٌ في الوجود، وترجيحٌ لا إلزام، وأنا أقدّمها بهذا الوصف.
ولا تُقال هذه لمفجوع، ألبتّة. موضعُها مجلسُ نظرٍ بارد. ومن قالها عند قبرٍ لم يقل شيئًا صحيحًا في غير موضعه فحسب — بل استعمل ميّتَ رجلٍ في مناظرة.
٨. وأين أقف أنا — «لا أعرف» صريحةٌ لا مجاملة
لن أختم بخلاصةٍ تُوهم أنّ الميزان استقرّ. هذا ما أراه بعد كلّ ما تقدّم:
ما انتقل عنه الثقل: الصيغةُ المنطقية. أقرّ صاحبُ أشهر صياغةٍ لها بأنّها لا تنجح، وانتقل الجمهورُ معه `mackie-1982-miracle`. ولا أقول إنّها لا تُساق في موضعٍ جادّ: تُساق، وأُعيد فتحُها سنة ٢٠١٩ بمقدّماتٍ أخرى ودارت حولها ردود `sterba-2019-good-god`. غايةُ ما أقوله إنّ ثقلَ الميدان في غيرها.
وما لم يسقط: صيغةُ رو — بحالتيها، الغزالةِ والطفلة — وصيغةُ درابر. لم أردّهما في هذا الفصل، وليس عندي ما يردّهما ردًّا حاسمًا. وقد بيّنتُ في جدول §٦-هـ أنّ ثلاثةً من أجوبتي الأربعة لا تمسّهما بحرف، وأنّ الرابع يمسّهما بثمنٍ يعمّ دعواي كما يعمّ دعوى الخصم. وأمينُ من الفلاسفة من قال إنّ حججَ الطرفين لا تنجح في إلزام الخصم العقلانيّ، لا حججُ الإيمان ولا حججُ الإلحاد `oppy-2006-arguing-gods`. وليس هذا انتصارًا لي؛ هو وصفُ حال.
وما هو أثقلُ ممّا يُظنّ: الخفاءُ الإلهيّ. أثقلُ في نظري من الشرّ عند من بحث بصدقٍ فلم يجد، لأنّه يمسّه هو لا يمسّ العالم.
وممّا يُذكر أنّ الشرّ يدخل الميزانَ حتى عند أشدّ المدافعين عن الإيمان بالحساب: ريتشارد سوينبرن يفرد له بابًا في حسابه البايزيّ، وينتهي في كتابه إلى أنّ وجود الله أرجحُ من عدمه — أي احتمالٌ يزيد على النصف، من غير أن يقدّر مقدارَ الزيادة؛ لا يقين ولا رجحانٌ ساحق `swinburne-2004-existence`. وأمّا الرقمُ الشائع — «أثبت فلانٌ وجود الله بنسبة سبعةٍ وتسعين بالمئة» — فليس في هذا الكتاب؛ ولسوينبرن رقمٌ يشبهه في مسألةٍ أخرى هي احتمالُ قيامة المسيح، في كتابٍ آخر `swinburne-2003-resurrection`. ولن أقول «رقمٌ ليس في كتاب» كما كتبتُ أوّلًا: النفيُ المطلق يسقط بأوّل من يُخرج الرقمَ من موضعه، فيسقط معه ما حوله ممّا هو صحيح.
وأمّا سؤالك أنت فجوابي فيه واحد: لماذا هذا القدرُ بعينه؟ لماذا هذا الطفلُ بعينه؟ لا أعرف. ولا أعرف أحدًا يعرف. وكلُّ من قال لك غيرَ ذلك إمّا أنّه لم يفهم سؤالك، وإمّا أنّه رأى أنّ سكوته أثقلُ عليه من كلامٍ لا يملكه.
وآخرُ ما أقوله ليس حجّة، هو تحريرُ وعد. الدينُ لا يَعِدك بأن تفهم. لم يقل لك أحدٌ يُعتدّ به إنّك ستُعطى الملفَّ لتقرأه. الذي يُوعَد به شيءٌ آخر: أن تُنصَف.
وقد سُئلتُ: وما صورةُ ذلك؟ فأقول محدَّدًا، ولا أزيد على ما أملك. في الطفل: أنّ الذي مات لم يُعدَم — أنّ ما جرى له ليس الكلمةَ الأخيرة فيه؛ وأنّ من ظلمه يُؤخَذ منه؛ وأنّ ما احتمله لا يُهمَل في حسابه. هذه ثلاثةُ أشياء محدَّدة يمكن أن تصدق أو تكذب، لا لفظٌ حسن. وأمّا الغزالةُ في الغابة فلا أملك فيها شيئًا محدَّدًا. وقد تكلّم في ذلك متكلّمون واختلفوا، ولستُ أنقل خلافَهم هنا ولا أحسمه، ولن أصنع للغزالة إنصافًا لأُتمّ به جدولًا. فهذا موضعُ سكوتٍ عندي، وقد أثبتُّه في جدول §٦-هـ صفرًا.
وأقول ما يلزمني هنا وإن كسر عليّ الخاتمة: من قرأ §٦-ج رأى أنّ سيفَ «الجهل بالحكمة» يمتدّ إلى هذا الوعد أيضًا — فمن جهل الحكمةَ فما يدريه أنّ «الإنصاف» على المعنى الذي يفهمه؟ ولا أدفع هذا. غايةُ ما أقول إنّ الوعدَ يُتلقّى من الخبر لا من قراءة الحوادث، فهو جوابٌ داخليّ كالذي قبله: من لم يقبل مصدرَ الخبر لم يلزمه من هذه الفقرة شيء. وهي إذن ليست حجّةً على أحد، ولا أُلبسها لباسَ الحجّة في آخر سطرٍ بعد أن تجرّدتُ منه في الفصل كلّه.
والفرقُ بين الوعدين — أن تفهم وأن تُنصَف — ليس تفصيلًا: هو الفرقُ بين إيمانٍ ينهار عند أوّل حادثةٍ لا يُفهم وجهُها، وإيمانٍ يحتمل أن لا يُفهم كثير.
ولك أن تخرج من هذا الفصل على شكّك. لا شيءَ في هذا الكتاب يشترط عليك أن تقتنع، ولا أعدّ بقاءك حيث أنت فشلًا لي. وإنّما أطلب واحدةً — وقد وقعتُ أنا فيها في النسخة الأولى من هذا الفصل في ثلاثة مواضعَ صحّحتُها هنا: أن يكون الذي تردّه هو ما قيل فعلًا، لا صورةً منه صنعها من أراد أن يكسبها.