من أعماق الماء
في المرّة الأخيرة التي حسمتَ فيها رأيَك في مسألة الوجود — أين كنتَ جالسًا؟
لا أعرف الجواب ولا أزعم أنّي أعرفه. لكنّي أعرف جوابي أنا: كنتُ في غرفة. بيني وبين السماء سقف، وبيني وبين الأفق جدار، وفي يدي شاشةٌ قطرُها ستُّ بوصاتٍ أو سبع. وأكثرُ ما أعرفه عن هذا العالم رآه غيري عنّي ثمّ صوّره لي ثمّ اختصره في دقائق. ولم أرَ من البحر إلّا سطحَه، ولا من السماء إلّا ما تركته لي مدينتي.
فإن كان حالُك غيرَ حالي فهذه الرسالةُ ليست لك، واتركها بلا حرج. وإن كان قريبًا منه فأنا لا أصف عيبًا فيك — أصف عيبًا وجدتُه في نفسي ثمّ سألتُ: أهو فيّ وحدي؟
ولستُ أقول إنّ من رأى البحر يؤمن ومن لم يره يجحد؛ هذا سخفٌ لا يستحقّ أن يُردّ، وسترى قبل آخر الرسالة أنّي لا أبني عليه شيئًا ولو من طرفٍ خفيّ. أقول شيئًا أضيقَ من ذلك وأصعبَ منه: أنّ العيّنة التي عاينّاها من الوجود أصغرُ بما لا يُقاس من الحكم الذي نصدره عليه. وهذا حالُنا جميعًا، أنا وأنت، والمؤمنُ والملحد. ولو كان الأمرُ امتحانًا في سعة المشاهدة لرسبنا كلُّنا بالدرجة نفسِها تقريبًا.
فدعني أحدّثك عن مكانٍ واحد. ثمّ أذكر ما لا تفعله هذه الرسالة. ثمّ أطلب منك شيئًا واحدًا وأقول لك ما أدفعه أنا في مقابله. ثمّ أسكت.
ما دون الألف
الضوءُ في الماء لا يذوي بالتدريج الذي تتخيّله. الأحمرُ يُبتلع في الأمتار الأولى، فما إن تنزل قليلًا حتّى يصير دمُك — لو جرحتَ إصبعَك — أخضرَ داكنًا. ثمّ يمضي الأزرقُ وحدَه هابطًا. وعند مئتَي متر يكون الباقي أقلَّ من واحدٍ في المئة من ضوء السطح، وعندها يتوقّف النباتُ عن العمل. ثمّ تبقى العينُ ترى شيئًا في ظلامٍ متزايد إلى نحوِ ألفِ متر.
وليس الألفُ حدًّا حادًّا: يتغيّر بصفاء الماء وخطّ العرض وحالة السطح. وهو حدُّ ما تلتقطه أشدُّ العيون حساسيّةً في الأرض، لا حدُّ انعدام الضوء.
وما تحت الألف يسمّيه علماءُ البحار `bathypelagic`، وأترجمها هنا طبقةَ اللُّجّة — والترجمةُ منّي لا من اصطلاحٍ مستقرّ، فلا تحملها عنّي كأنّها اسمٌ متّفقٌ عليه. تمتدّ إلى أربعة آلاف متر.
ولا يصلها من ضوء الشمس شيءٌ تلتقطه عينٌ ولا آلة، لا في الظهيرة ولا في الصيف. والباقي — إن بقي — دون عتبة أشدِّ العيون حساسيّةً في الأرض.
وأصارحك بشيءٍ عن هذه الجملة بالذات: كتبتُ في المسوّدة «ولا تصلها من الشمس فوتونٌ واحد، لا في الظهيرة ولا في الصيف ولا بعد مليون سنة». وهي أجملُ ممّا تقرأ الآن وأشدُّ إيقاعًا — وهي غير صحيحة: الخفوتُ أُسّيٌّ لا ينتهي إلى صفرٍ في الحساب، فالذي انتهى هو الإبصارُ لا الوجود. وأنا أذكر لك المحذوفَ لأنّي أريدك أن تعرف أين كنتُ سأربح لو سكتّ.
وهي ليست خالية. وليست شبهَ خالية.
في خليج مونتيري رصد باحثان ما تراه غوّاصاتٌ آليّة على مدى سبعةَ عشرَ عامًا، من السطح إلى ٣٬٩٠٠ متر: نحو ثلاثمئة وخمسين ألفَ ملاحظة. فكانت النتيجةُ أنّ ٧٦٪ من الحيوانات المرصودة تصنع ضوءَها بنفسها. وأغربُ ما في الورقة ليس الرقمَ بل ثباتَه: النسبةُ لا ترتفع كلّما هبطتَ ولا تنخفض. الضوءُ الحيويّ ليس حيلةَ الأعماق وحدها؛ هو الحالةُ الغالبة في عمود الماء المرصود كلِّه.
وحدُّ الرقم أنّه خليجٌ واحدٌ أُحصي بالغوّاصات، لا محيطاتُ الأرض. فأضخمُ حيّزٍ مأهولٍ على هذا الكوكب — لا نافذةَ فيه ولا فجر — وأكثرُ ما رُصد من سكّانه في الخليج الذي أُحصي يُضيئون. أمّا نسبةُ المحيطات كلِّها فلا أعرفها والورقةُ لا تقولها، ولن أزيد عليها كلمة.
سنةُ ١٩٧٧
في فبراير من تلك السنة نزلت غوّاصةُ «ألفن» إلى صدع غالاباغوس تبحث عن ينابيعَ حارّةٍ في القاع. كان الفريقُ جيولوجيًّا؛ لم يكن على متنها عالمُ أحياءٍ واحد.
فوجدوا ما لم يذهب أحدٌ يبحث عنه: ديدانًا أنبوبيّةً بيضاءَ السوق حمراءَ الرؤوس، ومحارًا كبيرًا، وسرطانات — حول فوهاتٍ تنفث ماءً محمَّلًا بكبريتيد الهيدروجين، وهو سُمٌّ عندنا.
وكتبتُ في المسوّدة «فوجدوا مدينة»، وحذفتُها. «مدينة» زينةٌ لا وصف؛ وسأعيب بعد قليلٍ على من يقول «الخندقُ يعجّ بالحياة»، ولا يستقيم أن أمنع الزخرفةَ هناك وأبيحَها هنا. وكذلك حذفتُ طولًا نسبتُه إلى ما رآه أهلُ تلك الغوصة ولم يكن في وصفهم.
وتبيّن بعد ذلك بثلاث سنين أنّ أساس ذلك الغذاء كلِّه بكتيريا تبني المادّة العضويّة من كيمياء الأرض لا من ضوء الشمس. وكان تعريفُ الحياة عند أهلها إلى تلك الليلة يبدأ من الشمس: نباتٌ يلتقط الضوء، ثمّ آكلُ نبات، ثمّ آكلُ لحم. فصار في التعريف بابٌ آخر لم يكن أحدٌ يظنّه موجودًا.
وأنا لا أزيد على هذا حرفًا. وسأنقص منه شيئًا، لأنّ الأمانة أنفع لي معك من الحماسة: هذه الأنظمة تُبنى من كيمياء الأرض، لكنّ الأكسجين الذي تحرق به كبريتَها جاء أصلًا من نباتٍ رأى الشمس في مكانٍ آخر. فهي مستقلّةٌ عن الضوء في إنتاجها، لا في كلّ حلقةٍ من حلقاتها. من قال لك غير ذلك باعك عجبًا أكبرَ من الحقيقة، والعجبُ المضخَّم يهدم نفسَه بعد شهرين حين تقرأ الورقة.
أعمقُ من إفرست
خندقُ ماريانا. قِيس أعمقُ نقطةٍ فيه بالسونار المتعدّد الحُزَم فبلغت نحوَ ١٠٬٩٢٤ مترًا — بهامشٍ معلن، ولا رقمَ نهائيَّ متّفقًا عليه: التقديراتُ المنشورة تتراوح ضمن عشرات الأمتار باختلاف الأداة وسرعة الصوت والمدّ. وارتفاعُ إفرست ٨٬٨٤٩. أي أنّك لو اقتلعتَ الجبلَ من جذره وأغرقتَه هناك لبقي فوق قمّته نحوُ كيلومترين من الماء.
وفي القاع أحياء — قلّةٌ في التنوّع لا كثرة: قشريّاتٌ صغيرة، وكائناتٌ وحيدةُ الخليّة بحجم الكفّ، تحت ضغطٍ يقارب ألفَ ضِعفٍ من الضغط الذي تحته أنت الآن. والعجبُ في وجودها أصلًا لا في وفرتها. ومن قال لك إنّ الخندقَ «يعجّ بالحياة» فقد خالف الورقةَ التي ينقل عنها، والخندقُ لا يحتاج هذه الخدمة.
وحين انطلق مشروعٌ عالميّ سنة ٢٠١٧ ليرسم قاعَ المحيطات، كان المرسومُ منه بدقّةٍ حديثةٍ نحوَ ستّة في المئة. وهو رقمُ تلك السنة لا رقمُ اليوم: ارتفع منذئذٍ ارتفاعًا كبيرًا وسيرتفع. لكنّ الحال إلى اليوم أنّ خريطة سطح المرّيخ عندنا أوضحُ من خريطة قاع محيطنا بمقياس دقّة الشبكة — لا بكلّ مقياس، والفرقُ يهمّ.
نحن نعيش على كوكبٍ لم نره.
وما يقابل ذلك فوق رأسك
وثمّة نصفٌ ثانٍ من الحكاية لا يحتاج منك رخصةَ غوص.
قاس فريقٌ سطوعَ سماء الليل الصناعيّ في العالم كلِّه فوجد أنّ ٨٣٪ من سكّان الأرض يعيشون تحت سماءٍ ملوّثةٍ بالضوء، وأنّ أكثر من ثلث البشر لا يستطيعون رؤية درب التبّانة من حيث يسكنون — ومنهم نحو ثمانين في المئة من سكّان أمريكا الشماليّة.
والقياسُ قياسُ سماءٍ لا قياسُ ناس: الورقةُ تنمذج سطوعَ السماء من بيانات الأقمار، ولا تستطلع من رأى ومن لم يرَ. ومن سافر خارج مدينته رآها.
فأقولها بحدِّها: وُلد أحدُهم في مدينةٍ سقفُها برتقاليّ، فلم تُرِه مدينتُه قطُّ ما فوقها. لا أعرف أسافر أم لم يسافر، ولا أعرف متى مات ولا بماذا. أعرف أنّ الغالبيّة الساحقة ممّن يتحاورون في الوجود على الإنترنت لم تعرض عليهم مساكنُهم مجرّتَهم مرّةً واحدة. ليس رفضًا ولا زهدًا؛ لم تُتَح.
الاعتراض
ولستُ أعرف ما يدور في رأسك، ومن ادّعى ذلك فقد ادّعى ما ليس له. لكنّي أعرف الاعتراضَ في أقوى صيغةٍ بلغتني، فدعني أسوقها بها لا بأضعفَ منها — فإن كان اعتراضُك أقوى منها فقائمتي أنا الناقصة، وأنا أحبّ أن أعرف:
«حسنًا. البحرُ عجيب. والسماءُ عجيبة. وماذا في ذلك؟ العجبُ حالةٌ في دماغي لا خاصّيةٌ في الشيء. والتطوّرُ يفسّر الوميض، والكيمياءُ الحراريّة تفسّر الفوهات، والضغطُ يفسّر تكيُّف القشريّات. ثمّ إنّ العبء ليس عليّ. أنت المدّعي فأنت المطالَب بالبيّنة، ولا يلزمني أن أُثبت عدمًا. ثمّ إنّ «خالقًا» ليس فرضيّةً أصلًا بالمعنى الذي أعمل به: لا يتنبّأ بشيء، ولا أستطيع أن أسمّي لك رصدًا واحدًا لو وقع لكذّبه. وما لا يمنع شيئًا لا يفسّر شيئًا. ثمّ إنّ توزيع الألم في هذا العالم لا يستقيم مع الأوصاف المدَّعاة. طفلٌ يموت وجعًا في مكانٍ لا يعلم به أحد — هذا أثقلُ عندي من ٧٦٪ في خليج. وكلُّ ما تسوقه يقبل تفسيرًا أرخص. والأرخصُ أولى.»
وأنت محقّ في أنّ هذه الخمسَ لا تُهدم بما كتبتُ. وأزيد: لا أنازعك في واحدةٍ منها في هذه الرسالة — لا لأنّي أوافق على كلِّها، بل لأنّ هذه الرسالة لا تملك أدواتِ منازعتها، ولو ادّعيتُ غير ذلك لانتقلتُ من موضوعي إلى موضوعٍ آخر وسمّيتُ الانتقالَ جوابًا. وأثقلُهنّ عندي الرابعة، وليس لها في هذه الصفحات حرف؛ وحقُّها رسالةٌ أخرى يكتبها من يقوى عليها.
وشون كارول الفيزيائيّ — صاحب «الصورة الكبرى» — يقول شيئًا قريبًا من الأولى وأنا لا أنازعه فيه: الدهشةُ ليست حكرًا على المتديّن، ولا تُصرف من عملةٍ إلى عملة. وهو ملحدٌ مصرّح، وأنقله مقرًّا بحجّته لا مقتطعًا منها ما يخدمني. ومن ساق لك عجبًا وسمّاه دليلًا فقد غشّك. وهذا الموقعُ الذي أكتب من داخله أسقط أربع مقالاتٍ من نوع «الإعجاز العدديّ» لأنّ العدّ كذّبها — لا لأنّها ضعيفة، بل لأنّها غير صحيحة، ودعوى تُنسب إلى الدين ويكذّبها العدُّ أشدُّ ضررًا على الدين من السكوت.
ما لا تفعله هذه الرسالة
كتبتُ في المسوّدة أنّ العجبَ «يُعيد فتح ملفٍّ أُغلق». فسألني من قرأها: أيُّ ملفّ؟ سمِّ بندًا واحدًا في لائحتي يتحرّك بعد ليلةٍ في صحراء. ولم يكن عندي جواب. فحذفتُها.
وأقولها الآن بلا استعارةٍ ولا قوسين: لا يتحرّك بندٌ واحدٌ من الخمسة. عبءُ الإثبات يبقى حيث هو. وتوزيعُ الألم يبقى كما هو. والدعوى التي لا تتنبّأ بشيءٍ لا تصير متنبّئةً لأنّك نزلتَ ثلاثة أمتارٍ في بركة. ولا يوجد في هذه الرسالة قياسٌ من الوميض إلى خالق، ولن يوجد، ولا في سطرها الأخير.
وكتبتُ فيها أيضًا أنّها «تنقل سؤالك من غرفةٍ إلى غرفة». وسُئلتُ: ما الغرفتان؟ فلم أُحسن الجواب، فحذفتُها هي أيضًا.
وهذه رسالةٌ لا برهان. لا تحمل مقدّمةً ولا نتيجة، ولا يصحّ أن يُحتجّ بها في مناظرة. والذي تفعله شيءٌ واحدٌ صغيرٌ محسوس، ولا يخصّ الله في شيء: يوسّع العيّنة. أنت الآن تحكم على وجودٍ رأيتَ منه ما تراه من غرفة؛ وبعد ساعتين تحكم عليه وقد رأيتَ منه قليلًا أكثر. الحكمُ قد يبقى هو هو — وهذا احتمالٌ قائمٌ أقبله — لكنّ الذي يصدره يكون قد رأى.
هذا كلُّ ما عندي، وهو أقلُّ ممّا يُقدَّم عادةً في رسائل من هذا الباب.
ما أطلبه منك بالضبط
ولأنّ الكلام رخيص، فالطلبُ محدّدٌ وقابلٌ للتنفيذ هذا الأسبوع.
وأصارحك بأمرٍ قبل التفاصيل، لأنّ كتمانَه هو التلاعب: ما سأصفه ظرفٌ أعلمُ أثرَه. ظلامٌ، ووحدة، وسكون، وحرمانٌ من كلّ مُلْهٍ، ثمّ نظر. وهذا يفعل بالإنسان شيئًا، وأنا أعلمه وأقصده وأضعك فيه عن عمد. فخذه وأنت تعرفه، ولا تحسبني صادفتُه. وما لا أدّعيه أنّ الذي يفعله بك دليلٌ على شيءٍ خارجك — الحالةُ النفسيّة ليست بيّنة، وأوّلُ من يقول ذلك أنا.
إن كان بينك وبين ماءٍ ساعة: ابحث عن مركز غوصٍ معتمدٍ من جهةٍ معروفة واطلب تجربةً استكشافية. ليست دورة، ولا شهادة، ولا التزام. تملأ استمارةً طبّيّةً قصيرة، ويشرح لك مدرِّبٌ نصفَ ساعة، ثمّ تنزل معه في بركةٍ إلى ثلاثة أمتار. المجموع ساعتان. وأنت لا تجيد السباحة؟ في أكثر المراكز لا يُشترط لهذه التجربة إجادةُ السباحة، فاسأل.
وإن أعجبك، فالدورة الأولى ثلاثةُ أيّامٍ أو أربعة: بركةٌ أوّلًا حتّى يصير التنفّسُ تحت الماء أمرًا مملًّا، ثمّ أربعُ غوصاتٍ مفتوحة إلى نحوِ ثمانيةَ عشرَ مترًا.
ولن ترى الفوهات. ولن ترى ما دون الألف. قلّةٌ من البشر رأته. لكنّك سترى ما يكفي: أنّك تتنفّس في مكانٍ لم يُصنع لك، وأنّ فوقك سطحًا كان قبل ساعةٍ هو كلَّ ما تعرفه عن هذا البحر.
وإن لم يكن بينك وبين ماء: فالبديلُ أرخص. اخرج ليلةً بلا قمر إلى مكانٍ خارج المدينة بأربعين أو خمسين كيلومترًا — صحراءٌ أو ساحلٌ أو جبل. ثمّ افعل الشيء الوحيد الصعب في هذه الرسالة كلِّها: أطفئ الهاتف وضعه في السيّارة. لا في جيبك.
واجلس. أوّلُ عشرين دقيقةً ستكون مملّةً وستشعر أنّك تُضيّع وقتَك؛ عينُك تتكيّف مع الظلام في نحو نصف ساعة، وقبل ذلك أنت لا ترى شيئًا في الحقيقة. ولا تنظر إلى شاشةٍ في أثناء ذلك ولو ثانية، فالتكيُّف يُهدم في لحظة ويُبنى في نصف ساعة.
ثمّ انظر.
ساعتان. لا رحلة، ولا خلوة، ولا تغييرَ حياة. ساعتان.
وما أدفعه أنا
قال لي قارئٌ للمسوّدة جملةً استحققتُها: «الرسالةُ كلُّها حركةٌ في اتّجاه واحد — أنا أخاطر وأنت تكتب». وكان محقًّا، فأذكر ما أدفعه بالمقابل، محدَّدًا كما طلبتُ منك:
الأوّل: أفعل الاثنين في الأسبوع نفسِه — البركةَ والليلة. ولا أطلب منك ما لم أدفع ثمنَه.
الثاني: أقرأ أقوى صيغةٍ للاعتراض من كتب أهله لا من كتب من يردّ عليهم، وألّا أنقل جملةً عن مخالفٍ حتّى أقرأ الصفحةَ التي حولها. وقد فعلتُها في هذه الرسالة مع كارول، وهو أرخصُ موضعٍ فيها لأنّه واحد.
الثالث — وهو الذي يُقاس: أن أُسقط من هذا الموقع أيَّ دعوى يكذّبها العدُّ ولو كانت رابحة. وهذا ليس وعدًا في الهواء: أربعُ مقالاتٍ أُسقطت فعلًا، ومنها ما كان أشهرَ ما يُساق. فإن وجدتَ عندي رقمًا لا يصمد فأرسله، والحكمُ للعدّ لا لي.
السؤال الذي كان يجب أن يكون أوّلَ الرسالة
ما الذي أخرجك؟
لأنّ المسوّدة كانت تخاطب رجلًا وُلد على قولٍ ولم ينظر قطّ، وتقول له «طبِّق القاعدة على نفسك مرّةً واحدة» — أي تتّهمه بالكيل بمكيالين وتُخرج الاتّهامَ في صورة دعوة. وقد حذفتُ ذلك كلَّه، لسببٍ بسيط: أكثرُ من يخالفني ليس ذلك الرجل. من ترك موضعًا كان فيه فقد طبّق القاعدة على نفسه يومَ خرج، ودفع فيها ثمنًا لا أعرفه ولا أُحسن تقديره.
فإن كنتَ منهم فاطرح ما تقدّم من طلبٍ إن شئت، واقرأ هذا بدلًا منه: أنا لا أعرف قصّتك، وأودّ أن أسمعها أكثرَ ممّا أودّ أن تسمع رسالتي. وثلاثُ سنواتٍ من أسمائها التي تعرفها أحقُّ بسطرٍ من ٧٦٪ في خليج مونتيري.
السؤال
أنا لا أعرف ماذا سيحدث لك هناك، ولا أزعم أنّي أعرف. ربّما لا شيء. هذا احتمالٌ قائمٌ وأنا أقبله؛ ولو زعمتُ لك أنّ كلَّ من نظر تغيّر لكنتُ أكذب، والكذبُ في هذا الباب أعلى كلفةً من الصمت.
وأعرف أنّ العيّنة التي بين يديّ وبين يديك من هذا الوجود ضيّقةٌ جدًّا، وأنّ توسيعَها ممكنٌ في ساعتين. وقاعدةُ «انظر قبل أن تحكم» قاعدتُك أنت لا قاعدتي — أسوقها إليك بلفظك، ولا أزعم أنّك أهملتَها.
لستُ أسألك أن تغيّر رأيك. أسألك أن تنظر مرّةً ثمّ تعيد الحكم — فإن كان هو هو فقد صار حكمًا بعد نظر، وكان قبلها حكمًا بلا نظر. وذاك وحدَه ما أطلبه، وهو أقلُّ ممّا يُطلب في هذا الباب عادةً، وأنا أعلم.