من الكتب إلى الملحد
نحن الكتب. لا نعرف اسمك، ولا نعرف رفّك، ولا نعرف ما قرأت.
وكان في صدر هذه الرسالة كلامٌ أحسنُ من هذا: أنّ الكتاب يعرف قارئه من الكعب المنحني، ومن الحواشي، ومن الصفحات التي تنفتح وحدَها لأنّها فُتحت كثيرًا؛ وأنّ جهةً من رفّك مهترئةٌ وجهةً كأنّها خرجت من المطبعة أمس. حذفناه. لأنّه دعوى عن حالك لا سبيل لنا إليها، لبِست ثوبَ الشعر لتمرّ بلا إثبات. والشعرُ يجوز له ذاك، والحِجاجُ لا يجوز له. ونحن نكتب إليك في الاقتطاع — فأهونُ ما يلزمنا ألّا نبدأ باقتطاعك أنت.
فخذها إذن شرطيّةً من سطرها الأوّل: إن كان نصفُ رفّك جديدًا فهذه الرسالة لك. وإن لم يكن، فليس فيها ما يخصّك — إلا سؤالين في آخرها، وهما علينا قبل أن يكونا عليك.
أوّلًا: نعترف نحن
قبل أن نقول لك شيئًا، نقول على أنفسنا. فأكثرُ من قرأنا — من الكتب التي تُنسب إلى جهتنا — لم يقرأنا. اقتطع منّا.
خُذ مكِي. رجلٌ ملحدٌ كتب سنة ١٩٧٧ كتابًا في الأخلاق، وقال فيه إنّ القيمَ الموضوعيّة لا وجود لها أصلًا — لا في العالم ولا خارجه — وسمّى حجّته «حجّة الغرابة»: أنّ قيمةً موضوعيّةً لو وُجدت لكانت كائنًا غريبًا لا شبيهَ له في العالم، وللزمها إدراكٌ غريبٌ لا شبيهَ له في مداركنا. ثمّ فُتحت صفحاتُه في العربية على هذا النحو: «حتى الملحدُ مكِي يعترف بأنّ الأخلاق الموضوعيّة تحتاج إلهًا».
وهذا ليس اختلاقًا عليه، وليس عكسَه. وهذا أدقُّ ممّا كُتب هنا أوّلَ مرّة، وأشدُّ. مكِي كتب في كتابٍ آخر — «معجزةُ الإلهيّة»، ١٩٨٢ — أنّ القيمَ الموضوعيّة لو وُجدت لكان وجودُ إلهٍ أقربَ إلى تفسيرها من الطبيعانيّة. فالشرطيّةُ لفظُه هو. والمقتطِعُ لم يقلب كلامَه — حذف شرطَه: أخذ نصفَ الجملة وترك النصف الذي أنكر فيه مقدَّمَها في كلّ ما كتب. وحذفُ الشرط أخفى من قلب المعنى وأشدُّ منه، لأنّ من راجع وجد اللفظَ فظنّ النقلَ صحيحًا.
ونعرف أنّه تكرّر: ناجل الذي يعلن إلحادَه في الكتاب نفسِه ويطلب بديلًا غائيًّا طبيعيًّا بلا فاعلٍ عاقل، ثمّ ساقه بعضُهم «رجوعَ فيلسوفٍ إلى الله»؛ وبنروز الذي حسب رقمًا هائلًا ليطلب له قانونًا فيزيائيًّا لا ليطلب له خالقًا؛ وواينبرغ الذي بنى حسابَه على الكون المتعدّد فصار في النقل شاهدًا على ضدّه.
بل إنّ كتابًا من الكتب التي تُقرأ في جهتك أصابه ما أصابنا. دوكينز يفتتح «صانعَ الساعات الأعمى» بأنّ البيولوجيا دراسةُ أشياءَ تبدو مصمَّمة — وهي عندَه مقدّمةُ ردٍّ يبني عليها فصولًا في نقض التصميم. فاقتُطعت الجملةُ وحدَها وطافت في العربية «اعترافًا من دوكينز». وهذا نمطٌ له اسمٌ عندنا نحن الكتب: الاقتباسُ من خصمٍ في اللحظة التي يصوغ فيها موقفَ خصمه تمهيدًا لهدمه.
وهنا موضعُ الاعتراف الثاني، وهو أثقلُ من الأوّل.
انظر في الخمسة التي سقناها: مكِي، وناجل، وبنروز، وواينبرغ، ودوكينز. كلُّها في اتجاهٍ واحد: كتبٌ لملحدين اقتطع منها متديّنون. فاعترافُنا إذن يشهد علينا وحدَنا، وهذا صحيح — لكنّه لا يُنتج الدعوى التي كانت مكتوبةً هنا: «ويقع هذا في الجهتين بالقدر نفسِه». تلك دعوى كمّيّة، ولا كيلَ عندنا نكيل به، فسحبناها.
والذي نملك قولَه أضيق: يقع في الجهتين، ولا ندّعي معرفةَ النسبة. ومن جهتك مثالٌ ظاهر: دوكينز نفسُه يعرض «طرقَ» الأكوينيّ في «وهم الإله» في صفحاتٍ قليلةٍ ثمّ يردّ على ما عرض — وهو الردُّ على الملخَّص بعينه، وقد نُقد عليه من فلاسفةٍ يشاركونه نتيجتَه لا من المؤمنين وحدهم. ولم ندرج هذا الكتاب في مراجعنا لأنّا لم نقابله على طبعةٍ بأيدينا، ولا نكتب رقمَ صفحةٍ لم نره. فاعلم أنّ شاهدَنا هذا أخفُّ من الخمسة، ونقولها.
ونقول هذا كلَّه أوّلًا لسببٍ واحد: لأنّ من لا يبدأ بنفسه لا يُسمع منه. ولا نجعله ردًّا مسبقًا على اعتراضٍ لم تقله أنت — فقد جرّبنا أن نكتب اعتراضَك بأيدينا فكتبناه ضعيفًا، وذاك صنيعُ من يريد أن يربح لا أن يفهم.
ثانيًا: الآليّة، لا الحكم عليك
لن نقول لك ما قرأت. الذي نصفه سلوكٌ في القرّاء جميعًا، فينا وفيك، ونعرفه لأنّنا نُقرأ:
أكثرُ من يقرأ لا يقرأ ليعرف — بل ليجد ما يُثبت به ما عرف. وذاك ليس قراءةً، بل بحثًا عن شاهدٍ. والشاهدُ الذي يختاره صاحبُ الدعوى ليس شهادة.
ولا نقول إنّ من يفعل ذلك سيّئُ النيّة، ولا كسول. نقول إنّ الكلفة غيرُ متساوية: الكتابُ الذي يوافقك يُقرأ في ليلة، والكتابُ الذي يخالفك يحتاج ثلاث ليالٍ وقلمًا. وفرقُ الكلفة وحدَه — بلا نيّةٍ ولا خُلُقٍ — كافٍ ليصنع رفًّا نصفُه جديد. هذه دعوى على آليّةٍ تجرّبها على نفسك، لا حكمٌ على شخصك.
ونعرف الفرقَ بين من قرأ حجّةً ومن قرأ ملخَّصًا لها. الأوّلُ يذكر شرطَها، لأنّ الشرطَ في المقدّمة ولا يُقرأ إلا في موضعه. والثاني يذكر نتيجتَها عاريةً، فيردّ على صورةٍ لا صاحبَ لها.
ورسالتُنا هذه ملخَّصات — وهذا عيبُها، ونقولُه قبل أن يُقال لنا. ولا نملك دفعَه إلا بشيءٍ واحد: أن نضع بين يديك حجّةً واحدةً كاملةً بمقدّماتها، لترى بعينك أين يسكن الشرط. وهي حجّةُ الخفاء عند شيلينبرغ، أصعبُ ما يواجه الإلهَ الشخصيَّ اليوم:
١. لو وُجد إلهٌ كاملُ المحبّة، لكان كلُّ من هو أهلٌ لعلاقةٍ شخصيّةٍ به وغيرُ مقاومٍ لها في وضعٍ يستطيع فيه الدخولَ في هذه العلاقة متى شاء. ٢. والدخولُ في هذه العلاقة يقتضي الاعتقادَ بوجوده. ٣. ويوجد من هو أهلٌ لها وغيرُ مقاومٍ لها، ولا يعتقد. ٤. فلا يوجد إلهٌ كاملُ المحبّة بهذا الوصف.
انظر أين الشرط: في المقدّمة الأولى، في صياغة الحجّة نفسِها لا في حاشيةٍ منها. ومن ردّها بأنّ «الأدلّةَ ظاهرةٌ والمنكِرَ معاند» فهو في الظاهر يردّ المقدّمةَ الثالثة بإنكار أن يكون لها مصداق — وذاك ردٌّ ممكنٌ يُناقش. لكنّ الذي يقع في الأعمّ ليس هذا: الذي يقع أن تُذكر النتيجةُ عاريةً — «لو كان الله موجودًا لظهر» — فيُردَّ عليها بما ليس فيها. والفرقُ بين الردّين هو الفرقُ بين من فتح الكتاب ومن فتح مقالًا عنه.
ثالثًا: وأكبرُ خصومك ليس واعظًا
الصورةُ التي في ذهنك عن «حجّة المؤمنين» — من أين جاءتك؟ الأرجحُ أنّها جاءتك ممّن يردّ عليها، أو من واعظٍ على منبرٍ يخطب في قومٍ يوافقونه سلفًا فلا يحتاج إلى إحكام.
وكلاهما ليس الخصم.
خصمُك الحقيقيّ رجلٌ يكتب في مجلّةٍ محكَّمة، ويصوغ حجّته بلغةٍ احتماليّة، ويحسب الدليلَ المضادَّ في ميزانه بيده. سوينبرن — وهو أشهرُ من صاغ الحجّة التراكميّة — يُدخل مشكلةَ الشرّ في حسابه دليلًا ضدّ الإلهيّة ويطرحه، ثمّ يخرج بنتيجةٍ متواضعةٍ إلى حدّ الإحراج: احتمالٌ يزيد على النصف بقليل. لا يقين.
وأمّا النسبةُ العالية التي تُنسب إليه في النقل العربيّ — «سبعةٌ وتسعون بالمئة» — فليست مختلَقة، وليست من هذا الكتاب في شيء. هي رقمُه في كتابٍ آخرَ موضوعُه قيامةُ المسيح (٢٠٠٣). فالعطبُ نقلُ رقمٍ من مسألته إلى غيرها: يُحسب في مسألةٍ تاريخيّةٍ مخصوصة، ثمّ يُعرض كأنّه ثمنُ «وجود الله». ونبّهنا إلى هذا لأنّ من راجعه فوجد الرقمَ موجودًا عند الرجل سيظنّ أنّا كذبنا عليه، والحقُّ أنّ الرقمَ في مكانٍ آخر.
ولعلّك لم تقرأ هذا الرجل. والأشيعُ أن يُقرأ من يقول لك إنّ المؤمنين يقولون «الكونُ معقّدٌ إذن الله». ولا نجزم بحالك — لكنّا نجزم بأنّ هذه الجملة ليست حجّةَ سوينبرن، ومن ردّ عليها لم يمسّه.
رابعًا: أوبي — وحدُّ ما نأخذ منه
غراهام أوبي ملحدٌ، أستراليّ، ومن أوسع من كتب في مسح أدلّة وجود الله نقدًا. وهو يخالف الكتبَ الشعبيّة في شيءٍ منهجيّ لا خُلُقيّ: يقصد أقوى صياغةٍ أكاديميّةٍ للحجّة، لا أشيعَ صياغةٍ منبريّةٍ لها، ثمّ يبيّن أين تتعثّر.
وممّا يقرّره — وهو الذي نرجو أن تقف عنده — أنّ حججَ الإلحاد لا تنجح كذلك، بالمعنى الذي يحدّده هو للنجاح: إلزامُ خصمٍ عاقلٍ بالتسليم. وهذا عنده لم يقع لأحدٍ في الجهتين.
وهنا نضع الحدّ بأيدينا قبل أن يوضع علينا. «النجاح» عند أوبي حدٌّ عالٍ متعمَّد، وهو يفرّق تفريقًا صريحًا بين «لا حجّةَ ملزِمة» وبين «الموقفان سواء». ولا يقول بالثاني: يرى الطبيعانيّة أرجحَ عنده بمقاييس الفضائل النظريّة — البساطةِ وقوّةِ التفسير — ويكتب في ذلك في مواضعَ أخرى. فمن أخذ حدَّه العاليَ للنجاح ليصنع به تعادلًا لا يقول به هو فقد فعل بأوبي ما فُعل بمكِي. ولا نأخذ منه إلا الطريقة: أن تُقابَل الحجّةُ في أقوى صورةٍ لها.
فإن كنتَ قرأتَ دوكينز لأنّه يقول ما تقول، فاقرأ أوبي لأنّه يقول ما تقول ثمّ يشترط عليك شروطًا لا تحبّها.
خامسًا: والقاعدةُ تقطع في الجهتين
ولئلّا يكون كلامُنا في جهةٍ واحدة، نقولها بالوضوح نفسِه:
والمؤمنُ الذي لم يقرأ مكِي ولا شيلينبرغ ولا ويلنبرغ لا يعرف أقوى ما قيل ضدّ ما يعتقد. ويعني هذا شيئًا محسوسًا: أنّه إذا سُئل «ما أقوى اعتراضٍ على قولك؟» ذكر أضعفَ ما سمع — لأنّه لم يسمع إلا ما نقله إليه من يردّ عليه.
ومن ظنّ أنّ «لا أخلاق موضوعيّة بلا إله» بديهةٌ لا تُنازَع، فليقرأ إريك ويلنبرغ — واقعيٌّ أخلاقيٌّ بلا إله، يبني الأمرَ كلَّه بلا إله، وكتابُه في دار أكسفورد. لن يُلزمه بشيء، ولا يدّعي هو الإلزام. لكنّه سيريه أنّ ما ظنّه بديهةً دعوى قابلةٌ للتكذيب، ومثالُها المضادُّ منشورٌ ومطبوع.
القاعدةُ واحدة. من قرأ في جهةٍ واحدةٍ خرج بيقينٍ لم يُمتحن. وغيرُ الممتحَن ينكسر عند أوّل خصمٍ جادّ، ثمّ يقول صاحبُه: خُدعت. ولم يُخدع. إنّما لم يُختبر.
سادسًا: ولماذا خمستُنا كلُّهم نصارى؟
سؤالٌ يَرِدُه كلُّ من نظر في القائمة الأولى: بلانتينغا وسوينبرن وكولينز وفان إنفاغن وألستون — خمسةٌ من اللاهوت التحليليّ المسيحيّ، في رسالةٍ صادرةٍ عن مشروعٍ قرآنيّ. ولم نُسأل عنه فأجبنا؛ سألناه على أنفسنا، لأنّ السكوتَ عنه أسوأُ من أيّ جوابٍ نقوله.
والجواب: لأنّ أقوى ما صيغ في هذا الباب بأدوات الفلسفة التحليليّة ليس منّا. وهذا يحتمل أمرين، وكلاهما يلزمنا: إمّا أنّ في تقليدنا ما لم يُصَغ بعدُ بهذه الأدوات، وإمّا أنّا لم نقرأه. ولسنا ندري أيَّهما أكبر.
ولا نستعير هيبةَ تقليدٍ لسنا فيه. بلانتينغا يكتب في «الإيمان المسيحيّ» بنصّ العنوان لا بالتأويل، وسوينبرن يبني في كتبٍ أخرى على التجسّد والقيامة — وتلك مواضعُ نخالفه فيها مخالفةً في الأصل لا في الفرع. فالذي نأخذه منهم الطريقةُ: كيف تُصاغ دعوى، وكيف يُحسب دليلٌ مضادّ في ميزانها، وأين توضع حدودُها. ومن أخذ نتيجةَ نصرانيٍّ فنسبها إلى الإسلام وقع في اقتطاعٍ من صنفنا نفسِه — وهو أوّلُ ما تدين هذه الرسالةُ به.
سابعًا: القائمتان
هذه أسماءٌ لا وعظ. عشرةُ كتب، وقلنا لكلٍّ لماذا نراه أقوى ما في بابه، وقلنا معه ما لا يفعله — فالكتابُ الذي يُوصف بأكثر ممّا فيه يخسر قارئَه في الفصل الثاني.
وما نصفه بـ«الأقوى» تقديرٌ منّا يُنازَع، لا حكمٌ منقولٌ عن إجماع.
وقسمناها قسمين للترتيب لا للولاء. والدليلُ على ذلك أنّ مكِي يقع في القسمين معًا: هو أنفعُ ما يُقرأ في هدم القيم الموضوعيّة، وهو نفسُه من كتب أنّها لو وُجدت لرجّحت الإلهيّة. فعلى أيّ رفٍّ تضعه؟ الكتبُ لا صفوفَ لها. الصفوفُ في القرّاء.
خمسةٌ ننصح بها من يخالفهم:
١ · ألفن بلانتينغا، «الإيمانُ المسيحيّ المسوَّغ» (أكسفورد، ٢٠٠٠). في نظريّة المعرفة الدينيّة. وهو لا يقدّم برهانًا على وجود الله ويصرّح بذلك: غايتُه أن يُسقط الاعتراضَ الحُكميّ — «إيمانُك غيرُ مسوَّغ حتى لو كان صادقًا» — ويبيّن أنّه لا يستقلّ عن الاعتراض الواقعيّ، أي أنّ من أراد إسقاطَ الإيمان فعليه أن يبيّن أنّه كاذب، لا أن يكتفي بأنّه غيرُ عقلانيّ. نتيجتُه شرطيّة — ومن أجل ذلك أدرجناه: الشرطيّةُ أوفى بعهدتها من القاطعة.
٢ · ريتشارد سوينبرن، «وجودُ الله»، الطبعة الثانية (كلاريندون / أكسفورد، ٢٠٠٤). الحجّةُ التراكميّة في صورةٍ بايزيّة صريحة. اقرأه لترى كيف يُحسب الدليلُ المضادّ داخل الميزان لا خارجه. وهو لا ينتهي إلى يقين، والنسبةُ المئويّةُ العالية التي تُنسب إليه في العربية ليست في هذا الكتاب.
٣ · روبن كولينز، «الحجّةُ الغائيّة» — فصلٌ في «الرفيقُ البلاكويليّ للاهوت الطبيعيّ» (وايلي-بلاكويل، ٢٠٠٩). صياغةٌ فلسفيّةٌ دقيقةٌ للضبط الدقيق، بعيدةٌ عن كتب «الإعجاز». وهي احتماليّةٌ لا برهانيّة، ولا تنتهي إلى إله دينٍ بعينه — يقول ذلك بنصّه.
٤ · بيتر فان إنفاغن، «مشكلةُ الشرّ» (أكسفورد، ٢٠٠٦). محاضراتُ غيفورد. وأدرجناه لسببٍ نادر: لا يقدّم ثيوديسيا — أي لا يزعم أنّه يعرف السببَ الواقعيّ الذي لأجله يُسمح بالشرّ، ويصرّح بأنّه لا يعلمه. وإنّما يسوق «دفاعًا»: قصّةً موسَّعةً عن حرّية الاختيار قد تكون صادقةً في حدود علمنا، يكفي في إبطال الحجّة أن تكون ممكنةً لا أن تكون واقعة. والفرقُ بين الثيوديسيا والدفاع هو كلُّ ما في الكتاب، فإن أردتَ الأولى فلن تجدها هنا، وذاك أشرفُ ما فيه.
٥ · ويليام ألستون، «إدراكُ الله» (كورنيل، ١٩٩١). معالجةٌ موسَّعةٌ للتجربة الدينيّة بوصفها ممارسةً إدراكيّة. وألستون يعترف بأنّ التعدُّد الدينيّ مشكلةٌ لم يحلَّها: ممارساتٌ متنافسةٌ تتساوى في تسويغها الداخليّ وتتناقض مخرجاتُها — وهو مع ذلك يرى أنّها لا تُنزل تسويغَ المؤمن دون حدّ المقبوليّة العقليّة، وذاك موضعُ الخلاف عليه. فمن استشهد به على إثبات دينٍ بعينه استعمله ضدّ أظهرِ تحفُّظاته.
وخمسةٌ ننصح بها من يوافقهم:
١ · جون مكِي، «الأخلاق: اختراعُ الصواب والخطأ» (بنغوين، ١٩٧٧). الكتابُ الذي بدأنا به هذه الرسالة. ليقرأه المؤمنُ كما هو، لا كما يُنقل عنه: إنكارٌ للقيم الموضوعيّة من أصلها، بحجّةٍ محكمة.
٢ · غراهام أوبي، «الجدالُ في الآلهة» (كمبريدج، ٢٠٠٦). مسحٌ نقديٌّ لأدلّة وجود الله كلِّها. وهو لا يدّعي إثبات الإلحاد — بل يقرّر أنّ حجج الإلحاد لا تنجح كذلك بحدّه العالي للنجاح؛ ولا يعني ذلك عنده أنّ الموقفين سواء.
٣ · ج. ل. شيلينبرغ، «حجّةُ الخفاء» (أكسفورد، ٢٠١٥). صياغةٌ مختصرةٌ واضحةٌ لأصعب حجّةٍ معاصرةٍ على الإلهيّ الشخصيّ — وهي المسوقةُ بمقدّماتها في صدر هذه الرسالة. ويفصلها عن مشكلة الشرّ صراحةً، فلا تُردّ بردودها، ولا تمسّ ربوبيّةً غيرَ شخصيّة.
٤ · إريك ويلنبرغ، «أخلاقٌ متينة» (أكسفورد، ٢٠١٤). واقعيّةٌ أخلاقيّةٌ بلا إله، تردّ مباشرةً على من يجادل بأنّ الأخلاق تلزم منها الإلهيّة. ولا يدّعي برهنةً على وجود الحقائق الأخلاقية: حجّتُه أنّ عبء الغرابة متساوٍ على الجهتين.
٥ · باسكال بواييه، «الدينُ مشروحًا» (بيسك بوكس، ٢٠٠١). عرضٌ شعبيٌّ واسعُ الانتشار لتفسير نشأة الاعتقاد الدينيّ في العلوم المعرفيّة. وبواييه ينصّ على أنّه لا يفصل في صدق المعتقد ولا كذبه — والانتقالُ من «كيف نشأ» إلى «إذن هو باطل» مغالطةُ تكوينٍ يقع فيها الطرفان معًا.
وأخيرًا: حدُّنا، وسؤالان
وهذه رسالةٌ لا برهان. لم نُثبت لك شيئًا، ولا نملك أن نُثبت. عشرةُ كتبٍ لا تجعل عاقلًا مؤمنًا ولا مؤمنًا ملحدًا، وقد قرأها قومٌ فثبتوا على ما كانوا عليه — وذاك حقُّهم، وهو نتيجةٌ محترمة.
وكلُّ ما ندّعيه أضيقُ من ذلك، وهو شرطيّ: إن كان نصفُ رفّك جديدًا فالحكمُ صدر قبل انعقاد الجلسة. ولا نعلم أرفُّك كذلك أم لا، ولا سبيلَ لنا إلى علمه. والفرقُ بين يقينٍ امتُحن ويقينٍ لم يُمتحن فرقٌ لا يقيسه إلا صاحبُه، لأنّه في اليد على الكعب لا في الكلام.
والسؤال الأوّل علينا: ما الذي لو وقع لغيّر ما نقول؟
جوابُنا شيئان. الأوّل: لو أُرِيَ أنّ واحدًا من هذه العشرة يقول غيرَ ما نقلناه عنه، سقطت نسبتُنا وسقط معها حقُّنا في تعليم النقل — وقد وقع هذا فينا في هذه الرسالة نفسِها مرّتين، فأصلحناهما بأعلاه بأسمائهما لا بالحذف الصامت. والثاني، وهو الأثقل: دعوانا أنّ اليقين الذي لم يُمتحن لا يصمد للامتحان. ويُكذّبها شخصٌ واحد: من قرأ أقوى ما عند مخالفه في موضعه لا في ملخَّصه، فلم يتغيّر عنده شيءٌ ألبتّة — لا يقينُه، ولا صياغتُه لحجّته، ولا وصفُه لخصمه. نحن نقول إنّ الثالثة لا تثبت على القراءة. فإن ثبتت، فقد أخطأنا.
والسؤال الثاني لك، ولا نجيب عنه: وأنت — ما الذي لو وقع لغيّر رأيك؟
لا نطلب أن تكتب إلينا. اكتبه على ورقةٍ لنفسك، قبل أن تفتح كتابًا من هذه العشرة، وضعها في الكتاب. فإن كان الجواب «لا شيء» فقد عرفتَ منزلتك منّا في سطر، ولا حاجةَ بك إلى ستّ صفحات. وإن كان شيئًا يُذكر، فقد صار لك ميزانٌ تقيس به ما تقرأ — وهو أنفعُ لك من العشرة مجتمعة.
ولسنا نطلب منك أن تحسن الظنّ بنا. لعلّك تفتح بلانتينغا فتجده مراوغًا، أو تفتح كولينز فتجد الضبطَ أقلَّ ممّا وُصف — وقد قال ذلك فيزيائيّون، منهم فرِد آدمز في مسحٍ مطوَّلٍ نُشر في `Physics Reports` سنة ٢٠١٩ ضيّق دعوى الضبط ولم يوسّعها، ووصف أرقامًا مشهورةً بأنّها مبالَغٌ فيها. ونسمّيه في المتن لا في الذيل، فمن جعل دقّةَ النسبة شعارَه لا يكتب «قال فيزيائيّون» ثمّ يخبّئ الاسم حيث لا يُقرأ. فلتكن هذه نتيجتَك.
لا خاتمةَ عندنا نعطيكها. الذي نطلبه ثلاثُ ليالٍ وقلم، والورقة.