Skip to content

من كاتب هذا الكتاب — بعد مئة عام

لن أسوق إليك حجّةً جديدة في هذه الورقة؛ قلتُ ما عندي في الصفحات التي مضت. لكنّي لا أزعم أنّها ورقةٌ محايدة: من قصّ عليك سيرتَه فقد طلب ثقتَك، والثقةُ تُقنع أكثرَ ممّا يُقنع القياس. فاحسب هذا عليّ وأنت تقرأ. وسيرةُ رجلٍ ليست دليلًا على شيء: لا صدقُه في مراجعة نفسه يجعله على حقّ، ولا خطؤه يجعله على باطل.

وإنّما أريد منك شيئًا واحدًا: أن نجرّب حيلةً في الكتابة، ثمّ نفترق.

الحيلةُ هي: أن يكتب كلٌّ منّا قصّته كما يكتبها رجلٌ لم يعرفه، بعد مئة عامٍ من موته. بصيغة الغائب. «كان هناك إنسانٌ يُسمّى…». لا «أنا»، ولا دفاع، ولا خصمٌ يقرأ من فوق الكتف.

ولها سببٌ أعرفه ولا أخفيه عنك: النظرُ إلى النفس من مسافةٍ زمنيّةٍ بعيدةٍ يخفض حرارةَ الانفعال. درسه علماءُ النفس تحت اسم «المسافة عن الذات»، ومراجعُه في آخر الورقة، ومعها ما لا تقوله تلك الدراسات: لا تقول إنّ هذه الحيلة تغيّر رأيًا، ولا إنّها تكشف للكاتب حقيقةَ نفسه، ولا تصلح دليلًا على شيء. هي تخفض الحرارة فحسب — لا أصوب، ولا أصدق. وأدقُّ ما قِيس فيها أثرٌ صغير، وأصحابُ القياس أنفسُهم يقولون إنّ أكثر التجارب دونَ القدرة اللازمة لالتقاطه (المرجع الرابع، وفيه الرقم). فلا أعرضها عليك دليلًا؛ أعرضها لأنّي وجدتُها تنفعني أنا في الكتابة، وتلك تجربةُ رجلٍ لا نتيجةُ بحث.

وأبدأ بنفسي — لا لأنّي «تعرّيت»: أكثرُ ما ستقرؤه عنّي أدناه عيبٌ مُشرِّف، رجلٌ تأخّر عن الدقّة، وذاك أهونُ ما يُعترَف به. وإنّما أبدأ بها لأنّ من طلب صنعةً فليُرِ كيف تُصنع.

ما قد يكتبه مؤرّخٌ سنة ٢١٢٦

«في سنة ٢٠٢٦ — أي منذ مئة عامٍ من كتابة هذه السطور — كان في بلدٍ عربيٍّ رجلٌ يكتب البرامجَ ويعيش منها. لم يكن عالمًا ولا طالبَ علم. ورث دينَه كما يرث الناسُ لغتَهم: بلا اختيارٍ ولا مقاومة. ولو وُلد في بيتٍ آخر لورث غيره، وكان يعلم هذا عن نفسه ولا يحبّ أن يتذكّره.

في شبابه أعجبته مقالاتٌ تقول إنّ في القرآن أعدادًا لا تصنعها المصادفة: «الدنيا» مئةٌ وخمسَ عشرةَ مرّةً و«الآخرة» مثلُها، و«يوم» ثلاثمئةٍ وخمسةٌ وستّون بعدد أيّام السنة. وأعجبته لأنّها أرقام، وكان صاحبَ أرقام، فظنّ أنّه وجد في دينه ما يخاطبه بلغته هو. فنقلها إلى من حوله سنين، وهو واثقٌ ومرتاح.

ثمّ وقع الحدث. ولم يكن كتابًا قرأه ولا خصمًا ناظره — كان أنّه بنى بيده فهرسًا لنصّ المصحف ليخدم به موقعًا، فصار العدُّ عنده أمرًا يُنفَّذ في جزءٍ من ثانية. فنفّذه ذات ليلةٍ من غير قصدٍ للامتحان.

فخرجت «الآخرة» واحدًا وسبعين. وخرج «يوم» مئتين وسبعةَ عشر.

ويقف المؤرّخُ عند هذه اللحظة: رجلٌ يملك الآلةَ التي تكذّب ما يحبّ، فيشغّلها. أسقط أربعَ مقالاتٍ من موقعه، وكتب الأعدادَ الصحيحة مكانها، وعلّل ذلك بسطرٍ بقي بعده: أنّ دعوى تُنسب إلى القرآن ويكذّبها العدُّ أشدُّ ضررًا من السكوت عنها، لأنّ القارئ يتلقّاها على أنّها دين، ثمّ يجدها مخالفةً فيرتدّ الأثرُ على القرآن نفسه.

وقد أخطأ هنا — أو قبل هنا بسنين. فالآلةُ كانت في يده طولَ الوقت، والعدُّ ما كان يكلّفه شيئًا، ولم يعدّ. لم يمنعه عجزٌ، منعه أنّ الأرقام كانت في صفّه فلم يسأل عنها.»

وأخرج هنا من صيغة الغائب سطرًا واحدًا، لأنّه لي وحدي ولا أريد أن يحمله عنّي مؤرّخٌ متخيَّل: لا أدري إلى اليوم ماذا كنتُ سأفعل لو خرج العدُّ موافقًا. أظنّني كنتُ أنشره ولا أفحصه مرّةً ثانية. ولا شاهدَ لي على هذا ولا عليّ؛ هو ظنُّ رجلٍ في نفسه، وأسوأُ ما فيه أنّه ظنٌّ مُرجَّح.

«وأخطأ خطأً أكبر منه:

كان قد بنى على نصّ المصحف عشراتِ الفحوص، ووضع لكلّ بابٍ حارسًا يصرخ إن اختلّ. وكانت الفحوصُ كلُّها من داخل بيته: يقابل النصَّ على نفسه، والفهرسَ على النصّ، والصفحةَ على الفهرس. فمرّت السنةُ ولا حارسَ منها يصرخ. ثمّ قابل النصَّ — لأوّل مرّة — على مصدرٍ خارجَ بيته، فوجد فيه خمسةَ مواضعَ معطوبة، دخلت إليه من الناقل الذي أخذ عنه ولم يفتّش فيه. وفي أحدها حرفٌ زائدٌ داخل كلمةٍ قرآنية، لا تكشفه عينٌ ولا قراءة، لأنّ صورته في الرسم تكاد تطابق صورةَ الحرف الصحيح.

وكان طوال ذلك يعرض النصَّ على الناس ويقول إنّه محقَّق.

ويكتب المؤرّخ: لم يكن الرجلُ كاذبًا، كان واثقًا. والتفتيشُ من داخل البيت لا يكشف عطبَ الباب.

ثمّ يقف المؤرّخُ وقفةً ثالثة، وهي أقسى الثلاث: أنّ الآلةَ لم تُوجَّه قطُّ إلى أصل ما كان يؤمن به. عدَّت أرقامًا ادّعاها المتحمّسون لدينه، وفحصت أنبوبَ نقله للنصّ إليه. وكلاهما دعوى بشرٍ عن الدين، لا الدينُ نفسه. فمن سمّاها «آلةً تكذّب ما يحبّ» فقد وسّع الوصف: هي آلةٌ تكذّب ما يقوله أنصارُه، وذاك أهونُ عليه بكثير.

ولم يُحسم في سيرته أمرٌ واحد: أكان يؤمن لأنّه فحص، أم يفحص لأنّه يؤمن؟ كتب في آخر ما كتب أنّ الفرق بين الحالين لا يُرى من الداخل أصلًا، وأنّه ترك المسألة معلّقةً ولم يدّعِ أنّه حلّها.»

وثلاثةُ أسطرٍ تختصرها: رجلٌ ورث يقينًا، فبنى آلةً تفحص، فكذّبت الآلةُ بعضَ ما ورثه فأسقطه، ثمّ كذّبت بعضَ ما بناه هو فأصلحه. ولم تُوجَّه الآلةُ إلى الأصل قطّ، ولم يُحسم: أكان يؤمن لأنّه فحص أم يفحص لأنّه يؤمن. والذي يصحّ أن يُؤخذ منها واحدٌ لا غير: من لم يصنع لنفسه ما يكذّبه، لن يعرف أبدًا أنّه أخطأ.

والآن اكتب أنت — إن شئت

وقبل الأسئلة أقرّ بعطبٍ كان فيها، انتبهتُ إليه متأخّرًا ولم أُصلحه إلا بعد أن قيل لي: سيرتي التي كتبتُها قصّةُ حجّة — فهرسٌ وعدٌّ ومقابلةٌ على مصدر. والأسئلةُ التي كنتُ سأسوقها إليك تسألك عن شعورك — ما خفتَ، وما خسرتَ، وأيّ وحشةٍ وجدت. أي أنّي أروي نفسي بالعقل وأرويك بالنفس، وتلك قسمةٌ ظالمة، وفيها رسالةٌ لم أقصدها: أنّ عندي حجّةً وعندك جرحًا. فأوّلُ الأسئلة الآن عن حجّتك، وما بعده لك أن تكتبه ولك أن تتركه كلَّه.

اكتب بصيغة الغائب، كما كتبتُ. ولا تكتبها للنشر، ولا لخصمٍ تتخيّله يقرؤها. اكتبها كما يكتب المؤرّخُ عمّن لا يحبّه ولا يبغضه. وقد تجد أنّ يدك تكتب أشياء ما كنتَ تقولها بضمير المتكلّم، وقد لا تجد — فقد جرّبها أناسٌ ولم يقع عندهم شيء، وليس في ذلك حكمٌ عليك ولا على الحيلة.

١ · ما المقدّمةُ التي تراها صحيحةً وأراها فاسدة؟ هذا أوّلُ سؤالٍ وأولاها. اكتبها في سطرٍ واحدٍ بلفظك أنت، لا بلفظي. مثالان ممّا يُقال لي كثيرًا ولا أستخفّ بواحدٍ منهما: «لا يجتمع شرٌّ بهذا القدر مع إلهٍ قادرٍ رحيم»، و«إلهٌ يريد أن يُعرَف لا يبقى خافيًا هكذا». فإن كانت مقدّمتُك واحدةً منهما فقل ذلك، وإن كانت غيرَهما فهي أنفعُ لي.

٢ · وكيف وصلتَ إليها؟ بقراءةٍ طويلةٍ تراكمت، أو بحدثٍ بعينه، أو بهما. وإن كان الطريقُ قراءةً ونظرًا فاكتبه كذلك بلا اعتذار — ولا تظنّ أنّي أنتظر منك حكايةَ وجعٍ لأصدّقك. اكتب أوّلَ موضعٍ تحرّك فيه شيء، لا خلاصةَ ما انتهيتَ إليه؛ فالخلاصةُ مرتَّبةٌ بعدُ، والبدايةُ أقربُ إلى ما جرى.

٣ · هل خفتَ شيئًا حين بدأتَ تشكّ؟ وما هو؟ لا ما استنتجتَ — ما خفتَ. وإن لم تخف شيئًا فاكتب ذلك؛ فهو جوابٌ عن السؤال لا هروبٌ منه، ومن الناس من مرّ بهذا الباب ولم يجد فيه ثِقلًا أصلًا.

٤ · وإلى ماذا جرّك حكمُك — إن جرّ؟ في نفسك وفيمن حولك، وفي الجهتين: ما ربحتَ من راحةٍ وصدقٍ مع نفسك، وما خسرتَ إن خسرت. وإن لم يجرّ إلى شيءٍ يُذكر فتلك حالٌ تُكتب أيضًا، وهي عندي جوابٌ تامّ.

٥ · ولو كتب عنك مؤرّخٌ بعد مئة عام، أيّ سطرٍ تودّ ألّا يكتبه؟

وهذا السؤالُ عنّي أنا قبل أن يكون عنك، ولك أن تتجاوزه: وضعتُه لأنّ عندي سطرًا كهذا، وقد كتبتُه بيدي قبل قليل: الرجلُ الذي كانت الآلةُ في يده ولم يشغّلها سنين. وأعرف حدَّ سطري هذا: هو سطرُ رجلٍ متأخّرٍ عن الدقّة، لا سطرُ رجلٍ مكشوف. ولستُ أطلب منك أثقلَ ممّا دفعت.

اكتبه لنفسك، ثمّ افعل به ما شئت. لك أن تحرقه.

وإن شئت، أرسل — وهذه شروطُ الإرسال قبل عرضه

ولك عندي عرضٌ محدَّد. وأبدأ بما كان ينبغي أن أبدأ به: بما يقع لما ترسله، لا بما أعدك به.

أنا أقرؤها وحدي. فإن استعنتُ بأحدٍ في مسألةٍ لا أحسنها، سمّيتُه لك في الجواب واستأذنتُك قبله. ولا تُنشر منها كلمةٌ إلا بإذنٍ منك مكتوبٍ في رسالةٍ ثانيةٍ بعد أن ترى ما سأنشره. وإن طلبتَ إتلافَها بعد الجواب أتلفتُها ولم أُبقِ نسخة، ولا أحتاج أن تقول لماذا.

ولا أعدك بما لا أملك. البريدُ يمرّ بخوادمَ ليست لي، وما دخل شبكةً لا أحكمها لا أضمن أنا مصيره. فإن كنتَ في موضعٍ يكلّفك فيه هذا الكلامُ ثمنًا — وأنا أكتب من بلدٍ أعرف فيه هذا الثمن — فلا ترسل. اكتبها لنفسك وأتلفها؛ فالحيلةُ كلُّها لك لا لي، ولا يفوتك بترك الإرسال شيء. واحذف من نصّك ما يدلّ على أهلك وعلى مدينتك؛ لا أحتاج منها حرفًا.

فإن شئت بعد هذا، فأرسل ما كتبت. أو — إن لم ترد أن تكتب عن نفسك — أرسل شيئًا عشتَه لا تجد له تفسيرًا، أو حجّةً تراها لا تُدحض. وأعني بها: دعوى تظنّ أنّها تصمد لكلّ ما أُورده عليها؛ مثالُها المحسوسُ المقدّمتان اللتان كتبتُهما في السؤال الأوّل. أرسلها إلى العنوان المثبت في آخر هذا الكتاب.

وهذا ما ألتزم به، مكتوبًا لتحاسبني عليه:

  • أعيد صياغةَ حجّتك بلفظي وأعرضها عليك قبل أن أجيب. فإن قلتَ «ليست هذه حجّتي» رجعتُ إلى لفظك ولم أجادل في ذلك. وهذا الشرطُ لأنّي رأيتُ نفسي أجيب عن صيغةٍ أسهلَ ممّا قيل لي، ولم أنتبه إلا بعد حين.
  • كلُّ دعوًى فيها تُعدّ عددتُها، وقابلتُها على مصدرها الأصليّ لا على من نقله. وهذا ثمنُ خطئي أنا، لا تفضُّلٌ منّي.
  • وأكثرُ ما يُورَد عليّ لا يُعدّ. حجّةُ الشرّ لا تُعدّ، والخفاءُ لا يُقابَل على مصدر — فالتزامُ العدّ وحده يترك أثقلَ ما عندك بلا جواب. فما كان من هذا الصنف: إمّا أن أجيب بحجّةٍ تُناقَش، وإمّا أن أقول لا أملك جوابًا وأكتبها كما هي.
  • وأكتب في الجواب ما وجدتُه بلا مجاملة: ما الصائبُ فيها، وما المُصوَّب، وأين قلتَ بصدقٍ وأين مِلتَ إلى هواك — وأوّلُ من يُحكَم عليه بهذا المعيار أنا.
  • وإن دحضتْ فكرتُك شيئًا في هذا الكتاب، فموضعُ النشر صفحةُ الخطأ نفسِها في الموقع — تلك التي يقرؤها الناس — ومعها تاريخُ التصحيح ونصُّ ما كان مكتوبًا قبله، فمن أراد أن يرى ما غيّرتُه رآه. وأمّا النسخُ المطبوعةُ فقد خرجت من يدي ولا أستطيع ردَّها؛ يُثبَت التصحيحُ في الطبعة التالية، وهذا حدُّ ما أقدر عليه فلا أعدك بأكثر.
  • وما عجزتُ عن جوابه قلتُ فيه: لا أعرف. وتركتُه مكتوبًا كما هو.

والسؤالُ الذي كان ينبغي أن أسأله نفسي

سُئلتُ: ما الذي لو وقع لعلمتَ أنّك مخطئ — لا في مقالةٍ من موقعك، بل في الأصل؟ وهو سؤالي إليك مقلوبًا، وكنتُ سمّيتُه في هذه الورقة ثمّ مررتُ عليه، فقبضتُ ثمنَ الشجاعة ولم أدفعه. وهذا جوابي:

في نقل النصّ: لو ظهرت في نقله عبر القرون اختلافاتٌ ماديّةٌ في المعنى، لا في الرسم ولا في القراءات المعروفة — لسقط عندي أصلٌ كبير. وهذا يُفحص فعلًا، وقد فحصتُ منه طرفًا صغيرًا، ووجدتُ العطبَ في نقلي أنا لا فيما قوبلتُ عليه.

وفي الأصل الأبعد — أن يكون ثمّ إله — فلا أملك تجربةً تُبطله أعرفها. وكلُّ ما يُورَد عليّ أستطيع أن أدفعه بتأويل، والتأويلُ بابٌ لا يُغلق. وهذا نقصٌ في موقفي أُقرّ به ولا أزيّنه: من كانت دعواه لا يعرف لها مُبطِلًا، فذاك يُضعفها عنده هو قبل أن يُضعفها عندك. أقولها ولا أعرف كيف أخرج منها، وهي تقلقني، ولم أجد إلى اليوم من أخرجني.

فإن كان عندك مخرجٌ منها — أو زيادةٌ عليها — فتلك الرسالةُ التي أنتظرها حقًّا، لا ورقةُ سيرتك.

ولا أطالبك بما لا تملك

وقد أطلتُ في الطلب، فلأرفع عنك شيئًا قبل أن أنصرف.

أحيانًا رجوعُك عن فكرةٍ ليس في يدك. الاقتناعُ ليس زرًّا يُضغط، ولا قرارًا يُتّخذ في لحظة. أنت لا تختار ما يبدو لك صحيحًا، كما لا تختار ما يبدو لك مُرًّا. وقد يقرأ الرجلُ كلَّ ما كُتب في بابٍ ثمّ لا يتحرّك فيه شيء، وليس ذلك تقصيرًا منه.

فإن قرأتَ هذا الكتاب إلى آخره ولم يتغيّر عندك شيء، فلا تلُم نفسك. ولا أدّعي علمًا بما بينك وبين ربّك إن كان لك ربّ؛ تلك ليست ورقتي ولا ورقةَ أحدٍ من الناس، ولا أتكلّم فيها بحرف. وإنّما أتكلّم فيما أملكه: أنّي لا أطلب منك ما لا يُطلَب.

ولا تتصنّع اقتناعًا لم يقع: المتصنّعُ يخسر اثنين — صدقَه اليوم، وفرصةَ أن يقع الاقتناعُ حقًّا غدًا، لأنّه سدّ الباب بصورةٍ من نفسه.

يكفي أن تُبقي البابَ مفتوحًا. والبابُ المفتوحُ ليس موقفًا ولا التزامًا ولا وعدًا؛ هو ألّا تقول: انتهيت.


وبعدُ: هذا الكتابُ ناقص. أعرف بعضَ مواضع نقصه ولا أعرف أكثرها، وفيه قطعًا خطأٌ أنا اليوم واثقٌ منه كما كنتُ واثقًا من ثلاثمئةٍ وخمسةٍ وستّين.

وقارئٌ واحدٌ يكتب إليّ بخطأٍ فيه أنفعُ لي من ألفٍ يصفّقون. المصفّقُ يتركني حيث أنا؛ والمصحِّحُ ينقلني من موضعي خطوةً واحدةً إلى الصواب — وهي كلُّ ما أملك.

ولو لم تكتب فلا شيء عليك، ولا أحسبها لك ولا عليك. قد بلغتَ آخرَ سطرٍ في كتابٍ يخالفك، وهذا آخرُ ما عندي.