Skip to content

٢. لماذا يترك الناسُ دينهم فعلًا؟

السؤال: حين يترك إنسانٌ دينه، ما الذي جرى؟

الجوابُ في سطرين: في الحكايات التي رُصدت ودُوّنت — وكلُّها غربيةُ العيّنة، متطوّعةُ الرواة — يسبق الحجّةَ في الغالب شيءٌ وقع؛ ثمّ تُلتمس الحجّةُ بعده فتكون حقيقيةً عند صاحبها وتستحقّ جوابًا جادًّا. ولا أعلم أهذا هو الغالبُ في الشابّ المسلم العربيّ أم لا — لم يُرصد، ولا أملك أن أدّعيه. فاقرأ هذا الفصلَ احتمالًا تختبره في نفسك ومن تعرف، لا حكمًا مقرَّرًا عليك.

وسببُ أهمّيته أنّ الخطأ في تشخيص السؤال أسبقُ من الخطأ في جوابه، ومن أخطأ الأوّل لم ينفعه أن يُحسن الثاني.

وقد كان عنوانُ هذا الفصل «ما يقوله المريضُ وما يجده الطبيب»، فغُيّر. قرأه غيرُ مؤمنٍ فكتب: «أنا المريض وأنت الطبيب؛ تقول في الفصل الأوّل إنّك لا تَعِدني بأن أقتنع، ثمّ تفتح الثاني بأنّ حالي مرضٌ يُشخَّص». وهو محقّ، والاستعارةُ ليست زينةً — هي دعوى مهرَّبة: تجعل لأحد الطرفين شكوى وللآخر أداةَ نظر. والذي أملكه ليس أشعّةً على الأسباب، إنّما احتمالاتٌ تُعرض عليك لتقيسها أنت على نفسك، وأنت الوحيدُ الذي يملك أن يردّها.

ما يقوله صاحبُ الشأن، وما يُحتمل أنّه زاد عليه

إذا سألتَ من ترك دينه: «لماذا؟» قال لك غالبًا: «لم أجد دليلًا مقنعًا».

وهذا صادقٌ فيما يشعر به. ولستُ أتّهمه بالكذب، ولا أزعم أنّي أعرف من تاريخه ما لا يعرفه. أقول شيئًا أضيقَ من ذلك: أنّ سؤال «لماذا تركتَ؟» أداةٌ خشنة — يطلب سببًا واحدًا مرتّبًا يُقال في جملة، والذي جرى في النفس ليس واحدًا ولا مرتّبًا. فما يخرج في الجواب هو رأسُ السلسلة لا السلسلة، وهذا يقع لي ولك في أهون الأمور: اسأل نفسك لماذا تركتَ عملًا أو صديقًا، واكتب الجواب، ثمّ اكتب بعده ما تعرف أنّك لم تقله.

والمثال: تدخل على طبيبٍ فتقول «ظهري يؤلمني من رفع الصندوق أمس». هذا صادق: الصندوقُ رُفع والألمُ بدأ بعده. ثمّ يصوّر فيجد انزلاقًا يتكوّن منذ سنتين. لم تكذب، ولم تُبطل الصورةُ روايتك — زادت عليها.

*وأين ينكسر — وهو كسرٌ يهدم نصفَ المثال*: الطبيبُ يملك صورةَ أشعّة، وأنا لا أملك أشعّةً على الأسباب. الصورةُ شيءٌ ثالثٌ خارجَ روايتك وخارجَ ظنّ الطبيب، تُرى ويُشار إليها. وليس عندي في هذا الباب إلا أنماطٌ في حكاياتٍ رواها متطوّعون في بلادٍ أخرى. فما دام لا شيءَ عندي أضعه على الطاولة كما تُوضع الصورة، فليس لي أن أقول «الصندوق ليس هو السبب» — غايةُ ما لي أن أقول: اسأل نفسك: أثمّ انزلاق؟ فإن نظرتَ فلم تجد، فليس عندي ما أردّ به عليك.

وأمّا الجملة التي كانت هنا: «إنّ ‹وجدتُ تناقضًا› أكرمُ في فم صاحبها من ‹كسرني أبي›، والناس يختارون من تاريخهم ما يُقال بكرامة» — فقد حُذفت. كتب لي قارئٌ أنّها أثقلُ سطرٍ في الفصل، لا لأنّها تتّهمه بالكذب، بل لأنّها تتّهمه بما هو أسوأ: بأنّه لا يملك الوصولَ إلى سببه. وإذا قلتُ ذلك فقد أغلقتُ عليه البابَ إغلاقًا: إن قال «كانت الحجّةُ فعلًا» قلتُ هذا نفسُه ما يقوله صاحبُ الجرح. ودعوى تُصدَّق بكلّ شهادةٍ تُقال عنها لا تُخبر عن الواقع بشيء — وهي بحسابي أنا في العهد الثالث: ميزانُ الحرارة العالق. والذي بقي منها بعد الحذف قدرٌ أستطيع الدفاع عنه: أنّ السؤال أداةٌ خشنة، لا أنّ الجواب مشوَّهٌ بحبّ الكرامة.
وقبل أن نكمل، حدُّ ما نعرف. معظمُ البحث في ترك الدين أُجري على عيّناتٍ غربية، أكثرُها بروتستانتيةٌ أمريكية أو ألمانية، وأغلبُها متطوّعة — أي ممّن قَبِل أن يُقابَل ويحكي، وهو صنفٌ يميل إلى الإفصاح والتنظير أكثر من عموم الناس. وأحجامُها تختلف: زوكرمان نحوُ سبعٍ وثمانين مقابلة، وكوتي نحوُ خمسةٍ وثلاثين، ودراسةُ بيلفلد قابلت نحو ألفٍ ومئتين وركّزت تحليلَها النوعيّ على نحو مئةٍ منهم. فليست «عشراتٍ» في كلّ موضع، وليست آلافًا في أيّ موضع، والعيبُ الحاملُ ليس العددَ بل أنّها متطوّعةٌ غيرُ تمثيلية. فالقياسُ منها إلى الشابّ المسلم العربيّ قياسٌ لا نقل، ولن تجد في هذا الفصل نسبةً مئويةً واحدة، لأنّي لا أملكها ولا يملكها من ادّعاها.

الأبوابُ الستّة

كلُّ حكايةٍ فيما يلي مركَّبةٌ من أنماطٍ متكرّرة، ولا تحكي واقعةً جرت لشخصٍ بعينه ولا تُنسب إلى أحد. هي نموذجٌ يُري الشكل، لا شهادةٌ تُروى. ولذلك لن أكتب في واحدةٍ منها أنّ صاحبَها سُئل فأجاب بكذا — فالإعلانُ يبيح لي أن أركّب شخصًا، ولا يبيح لي أن أصنع شهادةً يُستدلّ بها على أطروحتي. وقد كان في النسخة الأولى سطرٌ من هذا النوع فحُذف، وسترى موضعَه مذكورًا.

الباب الأوّل: جرحٌ لم يُفسَّر

موتُ طفل. مرضٌ طال. ظلمٌ وقع ولم يُرفع. دعاءٌ تكرّر ولم يُستجب. والإنسانُ في هذه الحال لا يبحث عن برهانٍ على وجود الله، يبحث عن معنًى لما أصابه — فإن لم يجده انصرف.

الحكاية: رجلٌ في الأربعين، ابنتُه في المستشفى تسعةَ أشهر. كان يبيت على الكرسيّ ويدعو كلَّ ليلة دعاءً واحدًا لا يزيد عليه. ثمّ ماتت. وفي اليوم الثالث جاءه من قال له، بحسن نيّةٍ ظاهرة: «الحمد لله، هذا خيرٌ لها، ولا يُسأل الله عمّا يفعل». لم يجادله يومَها ولم يقل شيئًا. لكنّه توقّف عن الدعاء — لأنّ الدعاء صار موضعَ إحراج. وبعد ثلاث سنواتٍ صار يصف نفسه بأنّه لا يؤمن، وإذا سُئل ساق مشكلةَ الشرّ بصياغةٍ محكمةٍ مقروءة.

*ما تُظهره*: مشكلةُ الشرّ عنده اعتراضٌ حقيقيٌّ يستحقّ أقوى جوابٍ نملكه، ولا يجوز التعالي عليه بحال.

*وما لا تُظهره*: أنّ اعتراضه باطل. الجرحُ — إن كان — يفسّر لماذا ذهب يبحث، ولا يقول شيئًا عمّا وجد.

*وحدُّ الحكاية*: أنّها مركَّبة، فترتيبُ الوقائع فيها من صنعي أنا. ولو كان الترتيبُ معكوسًا — أن يكون الرجلُ قد قرأ في مشكلة الشرّ قبل مرض ابنته ثمّ جاء المرضُ فصدّق عنده ما قرأ — لخرجت الحكايةُ نفسُها بمعنًى آخر تمامًا. والحكايةُ لا تفصل بين الترتيبين، وأنا الذي اخترت. فخذها بيانًا لشكلٍ تعرفه إن رأيتَه، لا شاهدًا على أنّ هذا هو الغالب.

الباب الثاني: سلطةٌ خلطت نفسَها بالله

أبٌ يضرب باسم الدين. معلّمٌ يُهين. جماعةٌ تمارس نقيضَ ما تعظ به. فيتشكّل في النفس اقترانٌ بين «الله» و«الذي آذاني»، ثمّ يُقال لصاحبه: «الله ليس كذلك» — وهو يعلم أنّ الله ليس كذلك، لكنّ جسده لا يعلم.

الحكاية: شابٌّ في السابعة والعشرين، حفظ القرآن صغيرًا على رجلٍ كان يضربه ويقول له وهو يضرب: «الله غاضبٌ عليك». هو اليوم لا يجادل في وجود الله ولا في النبوّة، ولو ناظرتَه في برهانٍ لم يمانع. لكنّه إذا سمع «الله رحيم» انقبض صدرُه انقباضًا لا يملكه. جرّب الصلاة ثلاث مرّاتٍ في سنة، وفي كلّ مرّةٍ يعود صوتُ الرجل عند تكبيرة الإحرام.

*ما تُظهره*: هذه إصابةٌ لا شبهة. وأيُّ برهانٍ يُساق له لا يمسّ العطبَ أصلًا، وقد يُقرأ تواطؤًا مع من آذاه. والفرقُ الذي يقوم عليه هذا الكتاب كلُّه: «لا أُصدّق» غيرُ «لا أستطيع». الأوّل يُخاطَب بالنظر، والثاني يُخاطَب بما يُخاطَب به من كُسر.

*وكيف تعرف أيُّهما أنت؟* سؤالٌ واحدٌ لا يفرز، فهذه أربعُ علاماتٍ عمليّة تنظر فيها بنفسك، ولا يملكها عنك أحد:

  • موضعُ الأثر: حين تُساق إليك حجّةٌ قويّةٌ لصالح الإيمان، أين تجد الحركة؟ في الرأس («هذه أقوى ممّا ظننت») أم في الصدر (انقباضٌ، أو غضبٌ يسبق الفهم)؟ الأوّلُ نظر، والثاني ليس نقصًا فيك — لكنّه ليس نظرًا.
  • قابليّةُ التبدّل: لو زال الاعتراضُ الذي تسوقه، أتتوقّع أن يتغيّر شيء؟ من كان جوابه «نعم» فهو في مسألة؛ ومن كان جوابه «لا وأعرف لماذا: لا سببَ عندي أصلًا للتصديق» فهو في مسألةٍ أخرى من جنس النظر أيضًا (وسأعود إليها)؛ ومن كان جوابه «لا ولا أعرف لماذا» فذاك موضعُ النظر في الباقي.
  • الجسد في الموضع: أتستطيع أن تدخل مسجدًا أو تسمع أذانًا وأنت هادئ؟ من يجد ضيقًا لا يفسّره ليس عنده خللٌ في الاستدلال.
  • اختبارُ الشرح: خذ أقوى اعتراضٍ عندك واشرحه لمن لا يعرفه شرحًا كاملًا، بمقدّماته وما يُعترض به عليه وما يُجاب. فمن كان اعتراضُه هو الجدارَ الحاملَ فعلًا وجد عنده ما يقوله ويقول؛ ومن وجد أنّه يملك العنوان ولا يملك التفصيل فقد وجد شيئًا يستحقّ النظر — وهذا وهمٌ عامٌّ في الناس قيس في المسائل الآليّة: نظنّ أنّنا نفهم كيف تعمل الأشياء أكثرَ ممّا نفهم، ولا يظهر إلا حين يُطلب الشرح.

*وأين ينكسر اختبارُ الشرح*: قِيس على دورات المياه والدرّاجات والأقفال، لا على المعتقدات؛ ونقلُه إلى هذا الباب استعمالٌ خارج مجاله المختبَر، فخذه تمرينًا نافعًا لا مقياسًا حاكمًا. وأنا لم أجد له بديلًا مقيسًا في بابنا، فأقول: لا أعلم.

*وما لا يُقال له*: «ما فعله بك ذلك الرجل لا علاقة له بالدين». الصلةُ قائمةٌ في تجربته وإن لم تكن قائمةً في الحكم، فنفيُها يُكذّبه في أوضح ما يعرف فيُغلق الباب. والصيغةُ الأنفع ثلاثُ خطوات: أن يُسمّى الفعلُ بما هو — ظلمٌ وخيانةُ أمانة؛ وأن يُعترَف بأنّه وقع باسم الدين فعلًا؛ وأن يُعرض الفصلُ بين الفاعل والمنسوب إليه احتمالًا يملكه لا واجبًا يُفرض عليه. ولا يُطلب منه أن يسامح، ولا أن يفصل الآن؛ الفصلُ نتيجةُ شفاءٍ لا شرطُ بدايته.

الباب الثالث: سؤالٌ قُمع في الصغر

طفلٌ سأل مرّةً فقيل له: «اسكت، هذا كفر». فتعلّم شيئين معًا: أنّ سؤاله خطر، وأنّ من قال له ذلك لا يملك الجواب. والثاني أخطرُ من الأوّل، لأنّه يعمّم: إن لم يكن عند هذا جواب، فلعلّه لا جواب.

الحكاية: بنتٌ في العاشرة سألت على المائدة سؤالًا خطر لها، فقيل لها أمام أعمامها: «هذا سؤالُ من في قلبه مرض». هي اليوم في التاسعة عشرة، وفي دفترها أربعةَ عشرَ اعتراضًا مكتوبةً مرقّمةً محرَّرةً تحريرًا جيّدًا.

وكان هنا سطرٌ حُذف: «ولمّا سُئلت — لا عن الاعتراضات بل عن أوّل يومٍ خطر فيه شيءٌ من هذا — ذكرت تلك المائدة». وهو شاهدٌ صنعتُه بيدي: الحكايةُ مركَّبةٌ بإقراري، فإن جعلتُ فيها سؤالًا وُجّه وجوابًا رجع يصدّق أطروحتي، فقد استدللتُ بما ألّفت. والإعلانُ يبيح تركيبَ الشخص ولا يبيح تركيبَ الدليل. وحُذف معه وصفُ اعتراضاتها بأنّها «مصقولةٌ بحيث لا تُردّ في مجلس»، لأنّ فيه حكمًا مهرَّبًا: صياغةُ السلاح. ولو كانت مؤمنةً بأربعة عشر جوابًا لقلتُ: طلبُ علم — فأقول فيها ما كنتُ أقوله فيه.

*ما تُظهره*: الأربعةَ عشرَ اعتراضًا حقيقية، وكلٌّ منها يستحقّ جوابًا جادًّا. وهذا هو الذي يلزمني: أن أجيب عنها. وأمّا ما وراءها فاحتمالٌ أعرضه ولا أُثبته: أنّ من تعلّم في العاشرة أنّ السؤال عارٌ وأنّ أهله عاجزون قد يحمل درسًا لا يُنقَض بجواب، إنّما يُنقَض بمجلسٍ آخر يقع فيه العكس. فإن قالت لي: لا، اعتراضاتي هي هي وليس تحتها شيء — فليس عندي ما أردّ به، وليس لي إلا أن أجيب عنها واحدًا واحدًا.

*وما لا تُظهره*: أنّ من قمعها كان يمثّل الدين. هو كان يحمي نفسه من سؤالٍ لا يعرف جوابه، وسمّى جهلَه غيرةً.

الباب الرابع: عارٌ وذنبٌ لا يُطاقان

هذا البابُ لا يُذكر في المناظرات ألبتّة. ولستُ أعلم مقدارَ وقوعه، ولم يُعدّ — إنّما أعرف أنّ من وقع فيه لا يجد له لسانًا يقوله به، وأنّ بابًا لا لسانَ له لا يظهر في إحصاء. إنسانٌ وقع فيما يستحيي منه، فصار كلُّ شيءٍ في دينه يذكّره به: الصلاةُ موعدُ محاسبة، والمسجدُ مكانُ فضيحةٍ متخيَّلة، ورمضانُ شهرُ مقارنةٍ بينه وبين من كانه. فوجد أنّ حملَ الذنب أثقلُ من حمل الكفر.

الحكاية: شابٌّ في الثالثة والعشرين، بينه وبين نفسه أمرٌ لا يعرفه أحد. حاول التوبة إحدى عشرة مرّة وعاد. وفي المرّة الأخيرة لم يقل «لا أستطيع» — قال: «لعلّه لا يوجد أصلًا». ولم يكن ذلك مكرًا، كان راحة: هدمُ البيت أهونُ من الوقوف كلَّ يومٍ في غرفةٍ فيه يُحاسَب فيها.

*ما تُظهره*: أنّ التركَ قد يكون مخرجًا من ألمٍ لا طلبًا لشهوة. وهذا تمييزٌ لا يُتساهل فيه.

*وما لا يُقال*: «أنت لا تريد الحقّ، تريد الشهوة». وأنبّه هنا تنبيهًا شديدًا — ولا أنبّه لأنّي أعلم أنّها كاذبة: أنا لا أعلم. وقد قرّرتُ قبل قليل أنّ السؤال أداةٌ خشنةٌ وأنّ ما يُستحيا منه أوّلُ ما يسقط من الجواب — فلا يجوز لي أن أستدلّ بغياب الشهوة من السرد على غيابها من الواقع، وإلا كنتُ أستعمل الميزانَ في جهةٍ وأكسره في جهة. وإنّما أنبّه لأنّها تُغلق الصدق من الجهتين: إن أنكر بدا مدافعًا، وإن سكت بدا مقرًّا. فمن رماه بها لم يترك له بابًا يدخل منه صادقًا. وهذا يكفي لتركها، صدقت أو كذبت، لأنّ الذي يرميها لا يملك ما يفصل بين الحالين، والذي تُرمى عليه لا يملك ما يدفع به. وقد نهيتُ نفسي عن هذا الجنس في العهد السابع، وأنهى عنه القارئ.

الباب الخامس: البيئةُ والانتماء

وهذا أوسعُها وأخفاها، لأنّه لا يوجعك فتنتبه إليه. الناسُ يرثون دينهم بالعلاقة أكثرَ ممّا يرثونه بالحجّة، ويتركونه بالعلاقة كذلك. ومن أطولِ ما رُصد في هذا: دراسةٌ طوليةٌ امتدّت نحو خمسةٍ وثلاثين عامًا وجدت أنّ دفءَ الأب من أقوى ما ينبئ بانتقال الدين إلى الأبناء، وأنّ الأبَ المتديّنَ الباردَ أو المتسلّط يرتبط بالانفصال.

وكان هنا سطر: «وهذه وحدَها تكفي ليُعاد النظر في كتابٍ كلُّه براهين»، فأُصلح — لأنّ فيه تناقضًا مع ما أقرّره بعد صفحاتٍ في مغالطة التكوين. ولا يُقال هنا شيءٌ واحدٌ بل شيئان يجب فصلُهما: الأوّل عمليّ وهو الذي أستطيع أن أدّعيه — إن كان انتقالُ الدين في عيّنةٍ أمريكيةٍ يرتبط بدفء الأب ارتباطًا قويًّا، فمن أراد أن يفهم قريبًا له فلينظر في هذا قبل أن يجمع له البراهين. والثاني معرفيّ، وهو دعوى خصمي لا دعواي، وسأعرضها بصيغتها في موضعها من هذا الفصل ولن أطمسها هنا: إن كان الاعتقادُ يتبع حرارةَ الأب، فآلةُ التوريث لا تتعقّب الصدق. وهذه ليست مغالطةَ تكوين، وسأقول لماذا وأين أوافق عليها وأين أخالف.

الحكاية: طالبٌ انتقل إلى مدينةٍ أخرى للدراسة. لا جرحَ عنده ولا سؤالَ مقموع. في السنة الأولى صلّى وحده، وفي الثانية صار يؤجّل، وفي الثالثة لم يعد يفكّر في الأمر أصلًا — لا رفضًا بل انصرافًا. ثمّ عاد في إجازةٍ إلى بيت أهله، فوجد نفسه يصلّي في اليوم الأوّل بلا مقدّمات. فتنبّه إلى شيءٍ أزعجه: أنّ ميله يتبع الغرفة التي هو فيها.

*ما تُظهره*: أنّ ما نسمّيه «قناعة» كثيرًا ما يكون انتماءً. وأنّ هذا يقطع في الجهتين: من بقي على دينه لأنّ كلَّ من حوله عليه لم ينظر أيضًا، وإنّما جرت به الغرفةُ كما جرت بصاحبه. وأصدقُ ما في حكاية الطالب أنّه رأى ذلك في نفسه، وأكثرُنا لا يراه. وسيأتي بعد قليلٍ بابٌ في الجهة الأخرى بحكاياته، لأنّ دعوى التماثل لا تُنفَّذ بسطرٍ يقابل خمسَ حكايات.

*وزيادةٌ تخصّ سياقنا — وحدُّها معها*: مقابلاتٌ مع نحو خمسةٍ وثلاثين تاركًا من خلفيّةٍ مسلمة في بريطانيا وكندا أظهرت أنّ همّهم الأكبر الكلفةُ الاجتماعية لا مضمونُ العقيدة: الأسرة، والفضيحة، والقطيعة، والخوف؛ وأكثرُ من نصفهم يُخفي. وهؤلاء أقلّيةٌ مهاجرةٌ في محيطٍ علمانيّ، والكلفةُ عندهم أسريّةٌ لا قانونية. فأمّا المجتمعُ المسلم الغالب — وهو الذي أكتب لأهله — فليس في مراجع هذا الفصل بحثٌ واحدٌ يقيسه. والذي أقوله فيه إذن ترجيحٌ لا إلزام، ومستندُه أنّ الكلفة حيث تعظم يعظم أثرُها: فمن خاطب التاركَ في العقيدة وحدها خاطب — على الأرجح — نصفَ مشكلته، وبدا له غافلًا أو متغافلًا. ويلزم من هذا شيءٌ لا يُقال كثيرًا: أنّ عددًا ممّن يظهرون على الدين ليسوا عليه، وعددًا ممّن يُعلنون الترك أعلنوه بعد كلفةٍ لم ندفع مثلَها. ولو وُجد بحثٌ يقيس هذا في مجتمعٍ مسلمٍ غالبٍ فخالفني لسقط ما قلت، ولا أعرف اليوم بحثًا كذلك.

الباب السادس: نظرٌ خالصٌ لا شيءَ تحته

وهذا بابٌ لم يكن في النسخة الأولى إلا جملةً واحدة بين خمس حكايات، فكتب لي قارئ: «ادّعيتَ التماثلَ ونفّذتَ الميل؛ ما يبقى في الذهن هو المشاهد لا التنبيهات». وهو محقّ، والبنيةُ تقول ما لا يقوله المتن. فهذا بابُه وحكايتُه، وهو في المرتبة لا في الذيل.

رجلٌ لم يقع له شيء. أبوه دافئٌ متديّن، ولم يُقمع له سؤال، ولا في تاريخه جرحٌ ولا فضيحة، ولا انتقل من غرفةٍ إلى غرفة. قرأ في الثامنة عشرة كتابًا في الأدلّة الكلاميّة فأعجبه، ثمّ قرأ نقدَها فوجد أنّ النقد أمتنُ ممّا كان يُقال له. ثمّ قرأ الجواب عن النقد فوجده يُصلح موضعًا ويترك موضعًا. وبقي سبع سنواتٍ يقرأ في الجهتين، ثمّ استقرّ عنده أنّه لا يجد ما يوجب التصديق. لا اعتراضَ عنده يهدم، ولا جدارَ اعتراضاتٍ يُهدَم فيسقط شيء — إنّما غيابُ ما يُوجب. ولمّا سُئل عن أوّل يومٍ خطر فيه شيءٌ من هذا لم يجد يومًا يذكره، وهو صادق. وهذا الصنفُ لا تُلتقطه أدواتُ البحث النوعيّ بسهولة، لأنّ الحكايةَ فيه لا حادثةَ لها تُروى، والمقابلاتُ تجري على من عنده ما يحكيه.

*ما يُظهره*: أنّ التصنيف الذي بنيتُه عليه هذا الفصلَ ليس شاملًا، وأنّ موقفًا كهذا لا يُفسَّر بشيءٍ وقع لأنّه لم يقع فيه شيء.

*وما لا يُظهره*: أنّ الأبواب الخمسة قبله وهمٌ. هي أنماطٌ وردت في العيّنات، وهذا نمطٌ يرد فيها أيضًا ويقلّ ظهورُه فيها لسببٍ في الأداة لا في الواقع. ولذلك لا أقول لك: هو أقلّية. لا أعرف مقدارَه، وأداةُ الرصد نفسُها متحيّزةٌ ضدّه، فمن قال لك «أقلّية» فقد أعطاك رتبةً من عيّنةٍ لا تُستخرج منها رتبة.

ولماذا يأتي العقلُ بعدُ؟

الآن نصل إلى ما يجمع الأبوابَ الأربعةَ الأولى — والخامسُ والسادسُ ليسا منه، وسأقول لماذا: أنّ العقل كثيرًا ما يأتي بعدُ ليؤيّد ما استقرّ في القلب.

أمّا الباب الخامس فآليّتُه أخرى: لا استدلالَ فيه أصلًا حتى يُدفَع، إنّما انصرافٌ بغير قرار — وطالبُ الحكاية لم يستقرّ في قلبه شيءٌ ثمّ التمس له حجّة، بل خفّ الأمرُ عنده حتى خرج من دائرة ما يُفكَّر فيه. وذاك أخفى، ولا يُعالَج بما يُعالَج به الأربعة. وأمّا السادس فليس فيه دافعٌ يُوجّه أصلًا، وقد سبق. وقاعدةٌ تُعلَن جامعةً وهي لا تجمع ثلثَ المادّة قاعدةٌ مصنوعةٌ لحسن وقع اسمها.

وأوّلُ ما يجب أن يُفهم أنّ هذه ليست تهمة، ولا هي عيبٌ خاصٌّ بمن ترك دينه. هي وظيفةٌ من وظائف العقل، معروفةٌ مدروسةٌ لها اسمٌ في علم النفس: الاستدلالُ المدفوع.

وكيف يعمل بالضبط؟ الصياغةُ المعتمدة تقول: الدافعُ لا يخترع النتيجةَ اختراعًا، بل يوجّه البحث — في الذاكرة، وفي قواعد الاستدلال، وفيما نقبله من شواهد — حتى نبني حجّةً تبدو لنا معقولة. أي أنّ صاحبها يشعر أنّه يستدلّ، وهو صادقٌ في شعوره. ولهذا لا ينفع أن تقول لأحدٍ «أنت متحيّز»: هو لا يجد في نفسه تحيّزًا، يجد استدلالًا.

والمثال: سيارةٌ مستعملةٌ يُراد بيعها، وتقريرُ الفحص ورقةٌ واحدةٌ يقرؤها الاثنان. المشتري الذي أحبّ السيارةَ من أوّل نظرةٍ يقرأ سطرَ «المحرّك يحتاج متابعة» فيقول: متابعةٌ لا عطب. والذي جاء وفي نفسه أنّها غاليةٌ يقرأ السطرَ نفسَه فيقول: هذا بابُ مصاريف. لم يكذب أحدهما، ولم يخترع أحدهما سطرًا. الورقةُ واحدة، والذي اختلف هو ما وقفت عنده العين وما مرّت عليه.

*وأين ينكسر المثال*: بائعٌ ومشترٍ يعرف كلٌّ منهما مصلحته ويستطيع أن يسمّيها، وأكثرُ الاستدلال المدفوع في المسائل الكبرى لا يعرف صاحبُه أنّ له مصلحةً فيه أصلًا — وذاك أخفى وأصعب.

وقيل لي: هذا في سيارة، والمدّعى أنّ الآلة نفسَها تشتغل في حجّة؛ فأرِني الأمرَ واقعًا في حجّةٍ بعينها. وهو مطلبٌ عادل، فخذ حجّةَ الضبط الدقيق — أنّ ثوابتَ الكون لو تغيّر بعضُها قليلًا لما قامت حياة:

  • المؤمنُ يقرأ: «احتمالٌ ضئيلٌ جدًّا، فالتصميمُ أرجح». وتقف عينُه عند الضآلة، وتمرّ سريعًا على أنّ الاحتمال يحتاج فضاءً محدَّدًا من القيم الممكنة يُقاس عليه، وأنّ تحديد هذا الفضاء نفسَه محلُّ نزاعٍ ثقيل.
  • والملحدُ يقرأ: «إن كثرت العوالمُ فلا عجب أن يقع أحدُها موافقًا». وتقف عينُه عند الحلّ، وتمرّ سريعًا على أنّ فرض العوالم الكثيرة ليس معطًى مرصودًا، وأنّ سوقه هنا يحمل عبئًا يشبه العبء الذي يعترض به على خصمه.

والذي جرى في الجهتين واحد: لم يخترع أحدُهما مقدّمة، ولم يكذب أحدُهما. كلٌّ منهما وقف حيث يريحه ومرّ حيث يُتعبه. وهذا الوصفُ يستوي على المؤمن والملحد، وهو أقوى ما في هذا الباب وأقلُّه إفادةً لأحد الفريقين.

*وأين ينكسر هذا العرض*: أنّي أنا الذي اختار ما يقف عنده كلُّ واحدٍ منهما، وأنا طرفٌ في المسألة. فلا تأخذه منّي: خذ أقوى حجّةٍ عندك، واكتب في سطرين ما تمرّ عليه سريعًا حين تقرؤها، ثمّ اعرضه على مخالفٍ واسأله: أهذا هو؟

وثلاثُ نتائجَ تقلب ما نظنّه:

الأولى: الخبرةُ تزيد أدواتِ الدفاع. قِيست في سياقٍ سياسيّ ثلاثةُ آثارٍ في من عُرضت عليهم حججٌ متوازنة: أثرُ الموقف السابق، والتشكّكُ المضاعف في المخالف، والتماسُ المؤيِّد؛ وكان من نتائجها أنّ الأعلمَ خرج أشدَّ استقطابًا. والمثال: محامٍ كلّما ازداد علمًا بالقانون ازدادت قدرتُه على الدفاع عن موكّله؛ ولا يجعله علمُه أميلَ إلى أن يقول لموكّله «أنت مخطئ».

*وأين ينكسر*: المحامي مأمورٌ بالانحياز، يعرف موكّلَه ويعلن مصلحته؛ وصاحبُ المسألة الكبرى لا يعرف أنّ له موكّلًا أصلًا — فالمثالُ يُري الآليّة ويُخفي أخفى ما فيها.

وحدُّ النتيجة نفسِها: المجالُ سياسيٌّ لا دينيّ، والمفحوصون طلبةٌ جامعيون، والمسألتان سلاحٌ وتمييزٌ إيجابيّ، والسنةُ ٢٠٠٦. ونقلُه إلى الدين قياسٌ لا نقل، أسوقه احتمالًا لا نتيجة.

الثانية: المهارةُ نفسُها تُجنَّد. في تجربةٍ أُعطي الناسُ جدولَ أرقامٍ وطُلب منهم استخراجُ نتيجته، فكان الأقوى في الحساب أكثرَ خطأً حين خالفت النتيجةُ هويّتَهم. أي أنّ الآلةَ لم تتعطّل، بل عملت في الاتجاه المطلوب.

الثالثة: الحكمُ أوّلًا والتبرير بعده. في الأحكام الأخلاقية خاصّةً، يقع الحكمُ حدسيًّا سريعًا ثمّ يُصنع له تعليلٌ. والمثال: تذوق طعامًا في بيت أحدهم فتنقبض نفسُك في لحظة، ثمّ تمضي الدقائقُ وأنت تبحث عمّا تقوله — «مالحٌ قليلًا» — والانقباضُ سبق العبارةَ ولم يخرج منها.

*وأين ينكسر*: الطعامُ حكمُ ذوقٍ لا حكمَ صدق، ولا أحدَ يدّعي في المالح برهانًا. ودعوى هايت نفسُها في الأحكام الأخلاقية لا في كلّ اعتقاد، وهو يستثني التحاورَ مع الغير والتفكيرَ المتأنّي — فتعميمُها على مسائل الوجود زيادةٌ عليه لا أزيدها.

وهنا أُنصف نفسي وأُنصف خصمي معًا. قيل لي: أسقطتَ «أثرَ الارتداد» لأنّه لا يخدمك، ثمّ سُقتَ تابر ولودج وكاهان بلغة الوقائع المستقرّة وهي من الأدبيات نفسِها وحقبتها. والاعتراضُ صحيحٌ في وجهه، فأقول: هذه الثلاثةُ ليست في مرتبةٍ واحدة من الرسوخ عندي. أثرُ الارتداد جُرّبت إعادتُه على نطاقٍ واسعٍ فلم يظهر إلا نادرًا — وذاك أعلى ما يُطلب. وتابر ولودج وكاهان لم يمرّا بمثل ذلك الاختبار في حدود علمي، فأدنى مرتبةً منه، ولذلك تجدني ألحق بكلٍّ منهما حدَّه في المتن لا في الحاشية. ومن أراد أن يزنني بميزاني فليفعل: إن ظهر غدًا أنّ هذين لا يُعاد إنتاجهما، سقطا من هذا الفصل كما سقط غيرُهما، ولا يتغيّر شيءٌ في أبوابه الستّة لأنّها ليست مبنيّةً عليهما.

ومعها نتيجةٌ رابعةٌ تفسّر لماذا كُتب هذا الكتاب على هيئة أسئلة: أنّ العقلَ — كما يُرجَّح — نشأ للتبرير والإقناع بين اثنين، فيعمل في التبادل أحسنَ ممّا يعمل في العزلة. ولاحظ أنّ صاحبَي هذه الأطروحة يريان الاستدلالَ الجماعيّ أنجحَ من الفرديّ لا أفشل، فليست دعوةً إلى ترك الاستدلال.

وهذا يُقال على كتابٍ مكتوب، أي على أضعف الوجهين. فاقرأه وفي يدك من تحاوره به، وإلا فأنا أعمل في الشرط الأضعف وأعلم ذلك. ولهذا سترى في الكتاب أسئلةً أكثرَ ممّا ترى إعلاناتٍ للنتائج — وهي حيلةُ مضطرٍّ لا بديلٌ عن مجلس.

والقاعدةُ تقطع في الجهتين — وأنا منها

هنا الموضعُ الذي يسقط فيه أكثرُ من كتب في هذا الباب: يشرح الاستدلالَ المدفوع ثمّ يُشهره سلاحًا في وجه المخالف وحده. وذلك أوّلُ نقضٍ للقاعدة، لأنّ القاعدة إن صحّت فهي في الناس لا في فريق.

فالمؤمنُ يفعلها في إيمانه كما يفعلها التاركُ في تركه. من قرأ نقدًا لدينه فتّش عن العيب فيه قبل أن يقرأ نصفَه؛ ومن قرأ ردًّا على شكّه فعل الشيءَ نفسه بالحرف. وكاتبُ هذا الكتاب واقعٌ فيه: من جلس ليردّ لا يقرأ الاعتراضَ قراءةً محايدة أبدًا، وأنا حين أختار أيَّ صيغةٍ للاعتراض أعرض عليك أختار تحت ضغطٍ لا أراه كلَّه. والاعترافُ لا يُصلح الميزان — قال لي ذلك قارئٌ وهو محقّ — إنّما يُصلحه أن أزن، ولذلك جاء بعده اختبارٌ يُجرى لا وعظٌ يُقال، وجاء بعده بابٌ في الجهة الأخرى بحكاياته.

وعلاجُه إجرائيٌّ لا وعظيّ. الوعظُ هنا لا يُغني شيئًا، والذي يُغني اختبارٌ تجريه بيدك: أن تكتب موقفَ مخالفك بأقوى صيغةٍ تستطيع، ثمّ تعرضها على من يعتنقه فعلًا وتسأله: أهذا موقفُك؟ فإن قال «لم أكن لأحسنَ صياغتَه» فقد اجتزت. وإن قال «ليس هذا ما أقول» فأنت تجادل صنمًا صنعتَه بيدك، وكلُّ انتصارٍ عليه انتصارٌ على نفسك.

جرّبها الآن، أيًّا كنتَ. إن كنتَ شاكًّا فاكتب في ثلاثة أسطرٍ أقوى ما عند المؤمن. وإن كنتَ مؤمنًا فاكتب في ثلاثة أسطرٍ أقوى ما عند الملحد. ثمّ انظر: هل كتبتَ موقفًا، أم كتبتَ صورةً كاريكاتيريةً تسهُل عليك؟

ما لا يقوله هذا التشخيص — وهو أهمُّ من قوله

الآن أُغلق على هذا الفصل ثمانيةَ أبواب، لأنّ كلَّ واحدٍ منها بابُ ظلمٍ إن تُرك مفتوحًا:

١. لا يقول إنّ حجّةَ التارك باطلةٌ لأنّها جاءت بعد جرحه. الانتقالُ من «كيف نشأ الاعتقاد» إلى «إذن هو باطل» مغالطةٌ لها اسم — مغالطة التكوين — والطرفان يقعان فيها: هذا يقول «الدينُ نشأ من جهازٍ في الدماغ إذن هو وهم»، وذاك يقول «إلحادُك نشأ من جرحك إذن هو باطل». والمثال: رجلٌ اشترى ميزانًا لأنّه يتّهم البقّالَ بالغشّ. دافعُه واضحٌ ومعلن. ثمّ وضع السلعةَ على الميزان فقرأ ٩٠٠ غرامًا لا كيلو. أيُبطل دافعُه القراءة؟ تُقرأ الشاشة ويُترك الدافع. فالحجّةُ تُناقَش بذاتها، ولا يُردّ عليها بسيرة صاحبها.

*وأين ينكسر*: الميزانُ آلةٌ مستقلّةٌ عن حاملها، تقرأ وإن كره، ومعنا شاشةٌ خارج الرأس نقرؤها ونشير إليها. والحجّةُ تُقرأ بالعقل الذي هو نفسُه موضعُ الدفع — فليس عندنا في المسائل الكبرى شاشةٌ ثالثة. وهذا يضعّف المثالَ ولا يُبطله: يبقى صحيحًا أنّ الدافع لا يُبطل النتيجة، ولا يبقى صحيحًا أنّ قراءتَها سهلةٌ كقراءة شاشة.

٢. وليس كلُّ ردٍّ إلى الأصل مغالطةَ تكوين — وهذا اعتراضٌ عليّ أعرضه بصيغته لا بصيغتي. قيل لي: أنت أعدتَ تسميةَ الحجّة ومررت. والحجّةُ التي يسوقها أهلُها ليست «نشأ كذا إذن هو باطل»، بل:

«إن كان الجهازُ الذي أنتج عندك هذا الاعتقاد يُنتجه سواءٌ صدق أم كذب، فقد سقط مسوّغُك له. ولم أقل إنّ مضمونَه كاذب — قلتُ إنّك لم تعد تملك ما يسوّغ تصديقَك به. وهذا في نظرية المعرفة نقضٌ للمسوِّغ لا ردٌّ للنتيجة، وله اسمٌ وأدبيات، وأشدُّ شاهدٍ عليه سُقتَه أنت: إن كان انتقالُ الدين يرتبط بدفء الأب، فآلةُ التوريث لا تتعقّب الصدق.»

وهذا اعتراضٌ صحيحٌ في بنيته، ولا يُجاب بأن يُسمّى مغالطة. وجوابي شطران:

  • ما أُسلّمه: أنّ الفرقَ حقيقيّ، وأنّ ميزانَ البقّال لا يردّه. وأنّ من عرف أنّ آلةَ توريثه لا تتعقّب الصدق لزمه أن يعيد النظر في مسوّغه — وأنا ألزم نفسي بهذا: من كان دينُه وراثةً محضةً فليس عنده مسوّغٌ نظريّ، عنده أثرُ غرفة. وهذه هي دعواي في حكاية الطالب بعينها، مطبَّقةً عليّ.
  • وما لا أُسلّمه: أنّ النقض يعمّ. الآلةُ التي تُنتج الاعتقاد ليست دائمًا هي الآلةَ التي تُقوّمه. من ورث الحسابَ عن أبيه ثمّ راجع العمليّة بنفسه فوجدها صحيحة، لم يبقَ مسوّغُه هو الوراثة. فالنقضُ يُصيب من لم ينظر، ويسقط عمّن نظر بأداةٍ أخرى — وهذا هو مربطُ النزاع الحقيقيّ: أنملك في هذا الباب أداةً أخرى للتقويم أم لا؟ وهذا سؤالٌ لم أحسمه، وأبوابُ الأدلّة كلُّها محاولةٌ فيه، ولا أعدك بأنّها تنجح.

٣. لا يقول إنّ كلَّ تاركٍ مجروح. المسارُ الفكريُّ الخالص — من قرأ فبحث فترك، بلا جرحٍ ولا نفورٍ أخلاقيٍّ ولا انفصالٍ اجتماعيٍّ سابق — موجودٌ وحقيقيّ، وله في هذا الفصل بابٌ بحكايته. ولا أقول لك إنّه أقلّية: كنتُ أقولها في النسخة الأولى فحُذفت، لأنّ «أقلّية» رتبةٌ كمّيّة تعني دون النصف، ومن عيّنةٍ متطوّعةٍ غيرِ تمثيليةٍ لا تُستخرج نسبةٌ ولا رتبة. وغايةُ ما يُقال: هذا النمطُ يرد في العيّنات، وأدواتُ الرصد أضعفُ في التقاطه لأنّه بلا حادثةٍ تُروى.

٤. لا يقول إنّ أكثر التاركين ملحدون. وهذا ما يجهله أكثرُ من يخاطبهم. البحثُ يُخرج أنماطَ مسارٍ لا سببًا واحدًا، وأشهرُ تصنيفٍ فيها ستّةُ مسارات: خروجٌ إلى العلمنة، وخروجٌ إلى إطارٍ مرجعيٍّ آخر بتبديل الملّة، وخروجٌ إلى جماعةٍ أشدَّ توتّرًا مع محيطها (وهو المسمّى `oppositional`، وليس معناه أنّه خرج معترضًا على الدين — بل أنّه انتقل إلى منظومةٍ جديدةٍ كاملةٍ أعلى توتّرًا)، وخروجٌ يدمج، وخروجٌ يُخصخص الدين أي يُبقي الإيمان ويترك الجماعة، وخروجُ المبتدع. وامرأةٌ ما زالت تصلّي في بيتها وقد قطعت صلتَها بالوسط الذي نشأت فيه ليست ملحدة، ومن عاملها كملحدةٍ دفعها إلى صفٍّ لم تختره فصنع بيده التصنيفَ الذي كان يحذّر منه.

٥. لا يقول إنّ العلم أو الجامعة هي التي تأخذ الأبناء. ومقولةُ «العلمُ يأخذهم» ضعيفةُ الإسناد التجريبيّ — بل وُجد في عيّنةٍ أمريكيةٍ أنّ من لم يلتحق بالتعليم العالي كان أميلَ إلى التراجع الدينيّ في مرحلة الشباب. وبناءُ كتابٍ على عداوة العلم خسارةٌ بلا مقتضٍ. وحدُّه: عيّنةٌ أمريكيةٌ في حقبةٍ بعينها، وغايةُ الورقة أنّها تُضعف المقولة لا أنّها تقلبها.

٦. لا يقول إنّ الحجّة لا تنفع فاتركوا الاستدلال. اشتُهر منذ ٢٠١٠ أنّ التصحيح قد يزيد الخطأ رسوخًا («أثرُ الارتداد»)، ثمّ فشلت محاولاتُ تكراره الواسعة فلم يُوجد إلا نادرًا جدًّا. والأصحّ: أنّ التصحيح لا يزيد الخطأ رسوخًا، وأنّ الناس يقبلون المعلومة الصحيحة حين تُعرض — وهذا كلُّ ما ثبت في الورقة التي أنقل عنها. أمّا أنّه يغيّر المواقفَ تغييرًا يدوم، أو أنّه ينحسر بمرور الوقت، أو أنّه ينفصل عن السلوك والانتماء — فدعاوى أخرى، لم تُثبتها هذه الورقةُ ولا أُسنِدها إليها، وفي الأدبيات ما يبحثها ولم أقابله مقابلةً تُرضيني فلا أنقله. والذي يلزم من المثبَت وحده: الاستدلالُ ليس ضارًّا، وهذا أدنى ممّا كنتُ أقول وأصدق.

٧. ولا يُقال «متلازمة الصدمة الدينية» على أنّها تشخيصٌ طبّيّ. المصطلحُ متداولٌ ونافعٌ في الوصف، وقد صاغته مارلين وينِل سنة ٢٠١١ في سلسلة مقالاتٍ في دوريّةٍ مهنيّة — لا في كتابها سنة ١٩٩٣، وبين الاثنين ثمانيةَ عشرَ عامًا من العمل السريريّ بلا إطارٍ جاهز. وهو ليس في الدليل التشخيصيّ الأمريكيّ ولا في التصنيف الدوليّ للأمراض، وأدواتُ قياس ما يقابله ما زالت ناشئة. أقول هذا لأنّي لو أخفيتُه لسقط الكتابُ عند أوّل قارئٍ يتحقّق — وقد سقط عندي أنا أوّلًا: كانت النسخةُ الأولى تنسب المصطلحَ إلى كتاب ١٩٩٣، فوقعتُ في عين ما أحذّر منه في السطر الذي يليه.

٨. وأشدُّ ما يُعترض به على هذا الفصل كلِّه، وأقولُه بصيغته لا بصيغتي:

«دعواك لا تقبل التكذيب. إن قال التاركُ ‹سببي فكريّ› قلتَ: هذا هو الاستدلالُ المدفوع، وهو صادقٌ في شعوره. وإن قال ‹سببي جرحٌ› فقد صدّقتَ نفسَك. فأيُّ شهادةٍ يستطيع أن يُدلي بها تُخرِجك من دعواك؟ وما لا يقبل التكذيب لا يُخبر عن الواقع بشيء — وهو حدُّ ميزانِ الحرارة العالق الذي ضربتَه أنت مثلًا في العهد الثالث.»

وهو اعتراضٌ صحيحٌ ما لم أذكر ما يكذّبها، فأذكره في ثلاثة أشياء:

  • الأوّل: تُكذَّب هذه الأطروحة إن وُجد أنّ سابقةَ الجرح والقمع والانفصال في تاريخ التاركين ليست أكثرَ منها في تاريخ الباقين. وذاك قياسٌ مقارِنٌ يُجرى على الفريقين معًا بأداةٍ واحدة، ولم يُجرَ في سياقنا.
  • والثاني: تُكذَّب إن وُجدت عيّنةٌ تُلتقط بأداةٍ لا تعتمد على من يتطوّع بالحكاية — لأنّ اعتمادَ الرواية المتطوَّعة هو بعينه ما يُخفي البابَ السادس.
  • والثالث، وهو الذي أضعه في يدك أنت: أنا أقبل شهادتك على نفسك. إن نظرتَ فلم تجد في تاريخك جرحًا ولا قمعًا ولا انفصالًا، فليس عندي ما أردّ به عليك، ولن أقول لك: هو موجودٌ وأنت لا تراه. من قال ذلك جعل دعواه ميزانًا عالقًا، وأنا أنزل عنها ههنا.

فالأطروحةُ عندي قابلةٌ للتكذيب، وغيرُ مكذَّبة، وغيرُ مثبَتة. وهذا أقصى ما أملكه. ومن قرأها على أنّها مقرَّرةٌ فقد أخذ منّي أكثرَ ممّا أعطيت.

ولماذا يبقى الناسُ على دينهم فعلًا؟

قيل لي: ادّعيتَ أنّ القاعدة تقطع في الجهتين، ثمّ أعطيتَ جهةً ستَّ حكاياتٍ وأعطيتَ الأخرى سطرًا. والقياسُ صحيح، والعلاجُ أن أزن لا أن أعتذر. فهذه ثلاثُ حكاياتٍ مركّبةٍ كالأولى، على شرطها ذاته.

الأولى: رجلٌ في الخمسين لم يخطر له سؤالٌ في وجود الله قطّ. أبوه على الدين، وأولادُه، وحيُّه، وعملُه. ولو سألتَه عن دليله لساق لك ما سمعه في خطبة. ولو نشأ في بيتٍ آخرَ في مدينةٍ أخرى لكان اليومَ على غير ما هو عليه، وهو لا يعلم ذلك عن نفسه. وهذا ليس حكمًا على دينه بالبطلان — هذا حكمٌ على مسوّغه بالغياب، والفرقُ بينهما هو كلُّ ما قرّرتُه في البند الثاني قبل قليل. ولو أنّي طبّقتُ عليه ما أطبّقه على الطالب في الباب الخامس لقلت: جرت به الغرفةُ كما جرت بصاحبه، وهو ما أقوله.

والثانية: امرأةٌ يعود إليها السؤالُ فعلًا، ولا تنظر فيه. وليس ذلك كسلًا: هي تعرف أنّ النظر إن انتهى بها إلى شيء فسيكلّفها زوجَها وأولادَها وموضعَها بين أهلها. فالكلفةُ تعمل في جهة البقاء كما تعمل في جهة الترك، وأثقلُ في جهة البقاء عندنا بكثير. ومن قال «أهلُ الإيمان عندنا نظروا فاطمأنّوا» فقد أهمل أنّ النظر نفسَه ممنوعٌ عمليًّا على كثيرين، وأنّ الاطمئنان الذي لم يُختبر ليس اطمئنانَ نظر.

والثالثة: شابٌّ قرأ في الشبهات ثمّ رجع، ويقول: «قرأتُ وردَدت». وهو صادق. لكنّه قرأ الشبهةَ في كتابِ ردٍّ لا في كتاب صاحبها، فقرأها بصياغة خصمها. وهذه هي مغالطةُ رجل القشّ التي نهيتُ عنها نفسي في العهد الثاني، يقع فيها القارئُ حين يُقدَّم له الخصمُ مضروبًا سلفًا، ولا ذنبَ له فيها. فمن أراد أن يعرف موقفَه من الشبهة فليقرأها عند أهلها أوّلًا.

وأمّا أنا فأقول عن نفسي: لا أعلم كم من إيماني نظرٌ وكم منه غرفة. أعرف أنّي وُلدت في هذه الغرفة، وأعرف أنّي نظرتُ بعد ذلك نظرًا طويلًا، ولا أملك أن أفصل الأثرين في نفسي فصلًا نظيفًا — ومن ادّعى ذلك في نفسه فقد ادّعى أكثرَ ممّا يملك أحد.

وصنفٌ ثالثٌ يُخلط بالشكّ دائمًا

قبل السؤال الأخير، سطرٌ لصنفٍ من القرّاء لا يخاطبه أحد.

إن كان سؤالُك يعود بعد كلّ جواب، ويُريحك ساعةً ثمّ يرجع بصيغةٍ أدقّ، ويأخذ ساعاتٍ من يومك، وأنت تصلّي وتصوم ولا تُخفي شيئًا — فهذا في الغالب ليس شكًّا معرفيًّا. علامتُه الفارقة أنّ الطمأنة تعمل عمل المسكّن لا عمل الدواء، وأنّ صاحبه لا يطلب جوابًا بل يقينًا لا يُنال. وكلُّ إجابةٍ تُعطى له تغذّي الدورة ولا تكسرها.

فهذا قلقٌ يُعالَج لا شبهةٌ تُردّ. وهو لا ينقص من دينك ولا من عقلك في شيء، ولا يُقال لك فيه «أعرِض عنه فإنّه وسواس» — لأنّ هذه الكلمة تُستعمل كثيرًا لإغلاق باب السؤال بلا جواب، وهي هنا شيءٌ آخرُ تمامًا: توجيهٌ إلى مختصٍّ يملك من الأدوات ما لا يملكه كتاب. وأنا أكتب هذا وأنا أعلم أنّه يُخرج قارئًا من كتابي — وذاك أنفعُ له من أن يبقى.

*وحدُّ هذا الكلام*: أنّ الفصلَ بين هذا وبين الشكّ المعرفيّ ليس حادًّا، وأنّ من الناس من يجمع الأمرين. ولستُ أملك أن أُشخّص أحدًا من صفحة، وليس في هذه العلامات ما يقوم مقام مختصّ. فمن قرأها فوجد فيها نفسَه فليعرضها على من يملك الأداة، ومن قرأها فلم يجد فليمضِ ولا يُلبس نفسَه ثوبًا ليس له.

سؤالان توجّههما إلى نفسك الآن

كان هنا سؤالٌ واحد: «لو أنّ أقوى اعتراضٍ عندي أُجيب عنه غدًا جوابًا تامًّا — أكنتُ أعود؟» وقد كان شرَكًا، وأقولُ كيف: من أجاب «لا» وقع في تصنيفي فورًا («إذن الحجّةُ ليست الجدارَ الحامل»)، فصار المخرجُ الوحيد من التصنيف أن يدّعي جدارًا لا يملكه. وأخطرُ من ذلك أنّ السؤال يفترض أنّ الموقف مبنيٌّ على اعتراضات — وأكثرُ من نازعني ليس عنده جدارُ اعتراضاتٍ يُهدم، عنده غيابُ ما يوجب التصديق؛ ولا يُجاب «جوابًا تامًّا» عن غياب. وأوبي نفسُه يقرّر أنّ الحجج لا تنجح في الاتجاهين، فمن كان هذا موقفَه فالسؤالُ لا ينطبق عليه أصلًا. فصار سؤالين، لا يقع في أحدهما شرَك:

الأوّل — في تحرير موقفك: أموقفي «عندي اعتراضٌ يهدم» أم «لا أجد ما يوجب»؟

فإن كان الأوّل، فسل نفسك: لو أُجيب عنه جوابًا تامًّا، أيتغيّر عندي شيء؟ فإن كان الجواب «نعم» فأنت في مسألةٍ فكريةٍ فعلًا، وهذا الكتابُ لك، وأكمِل. وإن كان «لا وأعرف لماذا» فانظر في الجواب الثاني.

وإن كان الثاني — وهو موقفٌ وجيهٌ عند أهل النظر لا نقصَ فيه ولا يحتاج إلى تفسيرٍ نفسيّ — فسؤالُك ليس «أيُهدم اعتراضي؟» بل: ما الذي يعدّ عندي موجِبًا أصلًا؟ وهذا أنفعُ سؤالٍ في الكتاب كلِّه، لأنّه يُظهر ما تطلبه قبل أن يُعرض عليك شيء. وأبوابُ الأدلّة مكتوبةٌ لهذا الصنف بعينه، ولا أعدك بأنّها تكفي.

والثاني — وهو للمؤمن، ولا تتخطَّه: لو ثبت عندك غدًا أنّ أقوى برهانٍ تعتمد عليه ساقطٌ عند أهل النظر — أكنتَ تترك؟

فإن قلتَ «لا»، فذلك البرهانُ ليس هو ما يحملك. وقد يكون الذي يحملك أصدقَ منه وأعمق، لكن من الأمانة أن تعرف اسمه. وهذا السؤالُ عليّ أنا قبل أن يكون عليك، وجوابي فيه في آخر الكتاب لا هنا.

إرشادٌ صريحٌ في ثلاثة أسطر

من بدأ بألمٍ فليذهب إلى الألم، ولا يُنفق سنةً في براهينَ لن تتحرّك عندها ساكنة — لا لأنّها ضعيفة، بل لأنّه يعالج في الموضع الخطأ. وباب الألم في هذا الكتاب مكتوبٌ له وحده.

ومن بدأ بحجّةٍ — أو بغياب حجّة — فليُكمل الكتاب، وليقرأ الأبواب على ترتيب سؤاله لا على ترتيب فهرسه. وسيجد فيها مواضعَ أقول فيها: لا حسم. فليقف عندها ولا يمرّ — فتلك هي المواضعُ التي يُعرف منها أنّ الباقي مكتوبٌ بأمانة.

ومن كان يقرأ ليفهم قريبًا له، فلا يبدأ معه بدليل. يبدأ بسؤالٍ واحد: «متى بدأتَ تشكّ؟» — لا «ما دليلك؟». فالأوّل يفتح، والثاني يُغلق. وأقربُ ما وجدتُه شاهدًا على هذا تجربةٌ ميدانيةٌ في مسألةٍ اجتماعيةٍ لا دينية: محادثةٌ قصيرةٌ على الأبواب يُطلب فيها من المحاوَر أن يستحضر تجربةً خاصّةً له تشبه حال الآخر، خفّضت التحيّزَ خفضًا استمرّ ثلاثة أشهر.

*وأين ينكسر*: التجربةُ في التحيّز الاجتماعيّ لا في الاعتقاد، ولم تختبر أصلًا ذراعًا تُغرق المحاوَرَ في المعطيات حتى يُقال إنّ المعطيات لا تنفع — قابلت ذراعًا واحدةً فاعلةً بضابطةٍ في موضوعٍ آخر. فالذي فيها أنّ هذا النوع من المحادثة نفع هناك، لا أنّ الدليل لا ينفع هنا — ومن نقلها على غير هذا فقد زاد عليها كما زدتُ أنا في نسختي الأولى على ورقةٍ أخرى.