Skip to content

٥. لماذا يوجد شيءٌ أصلًا؟

السؤال: لماذا يوجد شيءٌ بدل أن لا يوجد شيء؟

الجوابُ في سطرين: لأنّ كلَّ ما وقع في خبرتنا وجودُه مستعارٌ من غيره، والإعارةُ لا تُنشئ ما يُعار مهما طالت سلسلتُها. فإمّا موجودٌ ليس وجودُه مستعارًا، وإمّا أن تكون السلسلةُ نفسُها واقعةً خامّةً لا تفسيرَ لها، وإمّا ألّا يكون المبدأُ الذي يطلب التفسيرَ ثابتًا من أصله. وليس واحدٌ من الثلاثة تناقضًا، والفصلُ بينها هو مدارُ الباب كلِّه. وسأريك بالضبط أين يتوقّف ما عندي، وأين يبدأ الخصمُ في أن يكون على حقّ.

وأزيدُك قبل أن نبدأ: لن أنتهي في آخر الفصل إلى أنّ الميزان مائل. سأنتهي إلى أنّه لم يُهدم — وبين الاثنين مسافةٌ سأقيسها لك بالسطر.


وقبل كلّ شيء: كلانا يقف

أبدأ بأثقل ما في الباب، لا بأخفّه، ولا أؤخّره إلى صفحةٍ لا يبلغها إلا من أكمل الفصل.

المؤمنُ ينتهي إلى واقعةٍ خامّةٍ أيضًا. من قال «الله واجبٌ بذاته» فقد توقّف عند حقيقةٍ لا يفسّرها بما فوقها؛ ومن قال «الكونُ موجودٌ وحسب» فقد توقّف عند حقيقةٍ لا يفسّرها بما فوقها. فالخلافُ ليس بين من يفسّر ومن لا يفسّر — كلانا يقف — إنّما الخلافُ في موضع الوقوف، وفي هل ثمّ فرقٌ بين الموضعين يُعتدّ به.

وهذه أنصفُ صياغةٍ للنزاع أعرفها. ومن أخفاها عن قارئه أوهمه بانتصارٍ لم يقع، وأدخل عليه الخصمَ في صورة رجلٍ يمتنع عن التفكير — وليس هو كذلك، ولن أعرضه كذلك في سطرٍ واحدٍ من هذا الفصل.

وأثرُ هذا على ترتيب الكلام: أنت وأنا في مشكلةٍ واحدة، لا أنا صاحبُ الجواب وأنت صاحبُ الاعتراض. وكلُّ ما سيأتي إنّما هو في سؤالٍ واحد: أثمّ فرقٌ بين موضعَي الوقوف يُعتدّ به عقلًا، أم لا؟


والسؤالُ ليس «من صنع الكون؟» — وللاعتراض صورتان لا واحدة

يُروى في المناظرات سؤالٌ مختصر: «ومن خلق الله؟» وله صورتان، إحداهما ضعيفةٌ والأخرى هي أقوى ما في الباب كلِّه. وسأعرض الاثنتين، ولا أعرض الضعيفةَ وحدها ثمّ أهزمها وأمضي.

الصورةُ الأولى (وهي الضعيفة): أنّ الحجّة تقول «كلُّ شيءٍ له صانعٌ في الماضي، والكونُ شيء، فله صانع» — فيُسأل: وما بالُ الصانع؟ وهذه تصيب حجّةً لم يقلها أحدٌ من أهل الصنعة، لأنّ مقدّمتَهم ليست «كلُّ شيء» بل «كلُّ ممكن». ومن ردّها فقد ردّ صيغةً لا تُدافَع عنها، وليس في ردّها كسبٌ كبير.

والصورةُ الثانية (وهي التي تُوجعنا): الإعفاءُ الذي منحتَه بالتعريف لا يُنشئ إعفاءً في الأعيان. أنت عرّفتَ «الواجب» بأنّه ما لا يُسأل عن مصدر وجوده، ثمّ قلتَ إنّ سؤال «مِمَّ استمدّ وجودَه» لا يقع عليه. حسنٌ: هذا صحيحٌ في حدّ الاسم. لكنّ السؤال الحقيقيّ بعده: ولمَ أُمنَع أنا من منح المنحةِ نفسِها للحالة الفيزيائية الأولى؟ فأجعلها هي الواجبَ بذاته، وأستوفي مطلبَك كلَّه بلا إله.

وهذه الصورةُ الثانية لا تُردّ في هذا الموضع، ولا في هذا الفصل كلِّه. هي أطروحةُ غراهام أوبي، وستأتي في آخر الردود، وسينتهي بها الباب إلى «لا حسم». فمن جاء بها فهو في أقوى مواضعه، وليس في مقام من يُصحَّح له في السطر الثالث.

وأمّا التحريرُ الذي يوفّر نصف الجدل فهو هذا: فرِّق بين سؤالين.

  • من أحدثه؟ أي: أيُّ حادثٍ في الماضي أنتجَ هذا؟
  • بم يقوم الآن؟ أي: ما الذي يمسك وجودَه في هذه اللحظة؟

والحجّةُ في الثاني لا الأوّل. وهذا التحريرُ لا يهزم الصورة الثانية ألبتّة — إنّما يمنع أن يُظنّ بنا أنّنا نتكلّم في تسلسلٍ زمنيّ لا نقول به.


أوّلًا: كلمتان لا يُفهم البابُ قبلهما

ولن أبدأ بتعريفهما. لا لأنّ التعريف صعبٌ عليك، بل لأنّ الحدَّ خلاصةُ فهمٍ سابقٍ لا طريقٌ إليه: هو يقول لك ما استقرّ عليه الاصطلاحُ بعد نزاعٍ طويل، ولا يريك النزاع. فإليك المشهدَ أوّلًا ثمّ الحدّ.

١ · شاشةُ الصرّاف. تقف أمام الجهاز فيظهر رصيدُك: ٣٢٠٠. لو أنّك لم تدفع فاتورةَ الأمس لكان ٣٤٠٠، ولو تأخّر الراتبُ يومًا واحدًا لكان ٩٠٠. لا شيءَ في الرقم نفسِه يمنع أن يكون غيرَه؛ هو ما هو لأنّ أشياءَ خارجَه وقعت على وجهٍ دون وجه. وفي الشاشة نفسِها رقمٌ من صنفٍ آخر: مجموعُ عمليّتين بخمسين وسبعين يظهر مئةً وعشرين — وهذا لا يمكن أن يكون غيرَه ولو أفلس البنكُ كلُّه واحترق المبنى. *وأين ينكسر المثال*: الفرقُ هنا بين واقعةٍ وحسابٍ رياضيّ، والدعوى في هذا الباب أعمُّ من الرياضيات. ومن سلّم بأنّ اثنين واثنين أربعةٌ ضرورةً لم يسلّم بأنّ في الوجود موجودًا ضروريًّا. المشهدُ يُريك الفرقَ بين نمطين من الصدق، لا يُثبت أنّ أحدهما له مصداقٌ في الأعيان.

٢ · جدولُ المناوبات. اسمُ الطبيب المناوب ليلةَ الثلاثاء قابلٌ للتبديل، وقد بُدِّل مرّتين هذا الشهر. أمّا أنّ لكلّ ليلةٍ مناوبًا فليس اسمًا مكتوبًا في خانةٍ من خانات الجدول، بل هو الذي يجعل الجدولَ جدولًا. *وأين ينكسر*: قاعدةُ الجدول شرطٌ فرضته إدارةٌ، أي أنّها واجبةٌ بالنسبة إلى النظام لا في نفسها؛ والمطلوبُ في الباب واجبٌ لا بالإضافة إلى شيء.

الآن يصحّ الحدّ — وسأفصله عن المبدأ فصلًا حادًّا، لأنّ خلطهما هو أخبثُ ما في هذا الباب:

  • الممكن: ما لا يقتضي وجودَه بذاته، فيستوي في حقّه — من جهة ذاته وحدَها — الوجودُ والعدم.
  • والواجب: ما يكون وجودُه من ذاته لا من غيره، فيمتنع عدمُه.
وثمّ قضيةٌ ثالثةٌ ليست تعريفًا وأُصرّح بأنّها ليست تعريفًا: أنّ ما استوى في حقّه الطرفان لا يترجّح أحدُهما إلا بمرجِّحٍ خارجٍ عنه. هذه هي «مبدأُ السبب الكافي»، وهي دعوى تُنازَع وتُطالَب بدليل، لا حدُّ اسمٍ يُسلَّم. ولو أدخلتُها في التعريف لغششتُك: لصار قولي «الممكناتُ تحتاج مرجِّحًا» تحصيلَ حاصلٍ لا خبرَ فيه، ولانقلب النزاعُ كلُّه مع هيوم — وهو أثقلُ نزاعٍ في الفصل — نزاعًا في التسمية: فهو لا ينكر أنّ «الممكن» بذلك الحدّ يحتاج مرجِّحًا؛ إنّما ينكر أنّ في الوجود شيئًا نعلم أنّه يستحقّ ذلك الحدّ. فالنتيجةُ لا تُدسّ في المقدّمة، وسيأتي المبدأُ في موضعه مطالَبًا بدليله كسائر الدعاوى.
وأشهرُ غلطٍ في هذا الباب أن يُفهم «الواجب» على أنّه «القويُّ جدًّا» أو «الأقدمُ زمنًا». فيتحوّل بحثٌ في نمط الوجود إلى مسابقةٍ في القِدَم والقوّة، ويصير النزاعُ: أيّهما أسبق، الله أم المادّة؟ وليس هذا السؤالَ ألبتّة. السؤالُ: أثمّ شيءٌ وجودُه من ذاته؟ ولو كان الجوابُ نعم، لم يكن الجوابُ أنّه أقدمُ بمليارات السنين، بل أنّ سؤال «متى» لا يقع عليه أصلًا.

وثلاثةُ مواضعَ للنزاع لا موضعان

وقبل أن نمضي، أُثبت خريطةَ الخلاف كاملةً حتى لا يُظنّ بي حصرٌ في اثنين:

  • أن يُنازَع في أنّ للتركيب «موجودٌ واجبُ الوجود» مصداقًا في الأعيان: أي أنّه معنًى مفهومٌ لكن لا شيءَ يقع تحته.
  • أن يُنازَع في أنّ له معنًى أصلًا: بأن يُقال إنّ «الضرورة» وصفٌ للقضايا لا للأشياء، فلا يُقال «موجودٌ واجب» كما لا يُقال «عددٌ أخضر». وهذا أثقلُ الاعتراضين وهو لراسل، وسيأتي في موضعه بلفظه.
  • أن يُسلَّم بالمعنى والمصداق معًا ثمّ يُنازَع في من هو: فيُجعل الواجبُ حالةً فيزيائيةً أولى لا إلهًا. وهذه أطروحةُ أوبي، ولا حسم فيها.

وإنّما الذي لا يستقيم شيءٌ واحد: أن يُقبل التركيبُ على معناه ثمّ يُسأل سؤالَ ما ليس منه — أي أن يُقال «سلّمتُ بأنّه ما لا مصدر لوجوده، فمن أين جاء وجودُه؟». وهذا وحدَه هو ما أردّه، وهو أضعفُ ما في يد الخصم لا أقواه.


ثانيًا: التسلسل — لماذا لا تُنشئ سلسلةٌ لا نهائيةٌ وجودًا بل تنقله

٣ · الأغنيةُ في السمّاعة. لا يكفي أن تعرف من ضغط زرَّ التشغيل قبل دقيقة. اقطعِ الكهرباء الآن فتنقطع في اللحظة نفسِها، لا بعد ثانية. فالصوتُ لا يقوم بذاته، إنّما هو محمولٌ في كلّ جزءٍ من الزمن على شيءٍ آخر. وسؤالُك عن حامله ليس سؤالًا عن ماضيه. *وأين ينكسر*: الأغنيةُ حدثٌ نعلم بالمشاهدة أنّه يُبثّ ويُحمَل؛ ودعوى أنّ وجودَ الأشياء من هذا الصنف هي عينُ محلّ النزاع لا نتيجتُه. فمن سلّم بالمشهد لم يلزمه التسليمُ بالدعوى.

٤ · القطارُ بلا قاطرة. تقف على الجسر فترى قطارًا يمرّ تحتك: كلُّ عربةٍ تتحرّك لأنّ التي أمامها تجرّها. أطِلْه بخيالك ما شئت — أضِفْ ألفَ عربة، أضِفْ مليونًا، أضِفْ ما لا يُعدّ — لن يجعلَه الطولُ يتحرّك. ليست العلّةُ أنّ العدد قليل، بل أنّ كلَّ واحدةٍ فيه من صنفٍ يَنقل ولا يُنشئ. *وأين ينكسر*: هذا جرٌّ متزامنٌ في اللحظة الواحدة. أمّا سلسلةُ الآباء والأجداد فمن نوعٍ آخر تمامًا: الأبُ يموت ويبقى ابنُه، فلا يحتاج الابنُ إلى أبيه الآن. والخلافُ كلُّه واقعٌ على أيّ السلسلتين نتكلّم.

٥ · المرآتان. ضع مرآتين متقابلتين في غرفةٍ مظلمة. في كلّ مرآةٍ صورةٌ للأخرى، وفي تلك صورةٌ للأولى، ولا آخِرَ لهذا التداخل. ثمّ أطفئ كلَّ مصدرٍ للضوء في الغرفة: لا يبقى شيء. السلسلةُ التي بلا نهايةٍ كانت تعكس ضوءًا لم تصنعه؛ وتطويلُها لم يكن ليصنعه أبدًا. *وأين ينكسر*: الضوءُ شيءٌ نعرف بالتجربة أنّ له مصدرًا خارج المرايا؛ والدعوى في الوجود نفسِه، وهي التي تحتاج إثباتًا. فالمشهدُ يُري كيف تنقل سلسلةٌ ما لا تُنشئ، ولا يُثبت أنّ الوجود من هذا الصنف.

٦ · سلسلةُ التوقيعات. تُقدّم معاملةً فيقول الموظّف: لا أوقّع حتى يوقّع مديري. وتصعد فيقول المديرُ مثلَها. لا يهمّك كم يبلغ عددُ الطوابق — إن لم يكن في المبنى واحدٌ يوقّع بلا انتظار، فمعاملتُك لا تُختم أبدًا، ولو كان المبنى ألفَ طابق. *وأين ينكسر*: في المبنى طوابقُ محدودةٌ نراها، والدعوى في اللانهائيّ تحديدًا؛ ومن قال إنّ اللانهائيّ يسلك سلوكًا آخر لم يُبطل عليه هذا المشهدُ شيئًا. وهذا اعتراضٌ جادّ لا مماحكة.

والفصلُ الذي يجب أن يُعلن — وهو في صالح الخصم أيضًا: ثمّ سلسلتان لا واحدة. سلسلةٌ في الطول: أبٌ عن أبٍ عن أب، كلُّ حلقةٍ فيها سبقت التالية ثمّ زالت. وسلسلةٌ في العرض: العربةُ تُجرّ الآن، والصوتُ يُحمل الآن، والتوقيعُ ينتظر الآن. والحجّةُ إنّما هي في الثانية. فمن ردّ بأنّ سلسلة الآباء يمكن أن تمتدّ بلا أوّل فقد قال قولًا يحتمله النظرُ ولم يمسّ الحجّة بشيء. ومن نسب إليه أنّه أنكر البدهيّات فقد ظلمه.

وأين المشهدُ الذي لا ينكسر؟

سؤالٌ حقُّه أن يُطرح بعد ستّة مشاهدَ كسرتُها بيدي، وحقُّه أن يُجاب بلا مواربة: لا يوجد.

ولن أوجد. والسببُ ليس عجزًا في التصوير، بل في طبيعة الدعوى: كلُّ مشهدٍ محسوسٍ تسوقه إنّما يقع داخل الوجود، والدعوى على الوجود نفسِه. فأنت تريه شيئًا محمولًا لتقول: والوجودُ كذلك — والخصمُ يقول: لا، هو ليس كذلك؛ وليس بينكما مشهدٌ ثالثٌ يفصل.

فما تفيده المشاهدُ إذن؟ شيئان لا ثالث لهما، وأُحدّهما بدقّةٍ حتى لا يُظنّ بها أكثرُ ممّا تحمل:

  • أنّها تعزل الدعوى. بعدها تعرف بالضبط أنّ النزاع في: «أوجودُ الأشياء من صنف المحمول أم لا؟» — لا في التسلسل، ولا في القِدَم، ولا في «من خلق الله».
  • أنّها تُبطل ردًّا شائعًا هو أنّ طولَ السلسلة يُغني عن المصدر. هذا الردُّ يسقط بالمشاهد سقوطًا تامًّا في السلسلة العرضية، ولا يسقط في الطولية.

وهذا كلُّه لا يقيم الحجّة. الحجّةُ تحتاج مقدّمةً واحدةً لم يقمها مشهدٌ ولن يقيمه: أنّ وجودَ الأشياء من هذا الصنف. وهي مقدّمةٌ حدسيّة، والخصمُ لا يشاركني فيها، وليس عندي ما أُلزمه به. فمن خرج من هذا القسم بإحساسٍ بالصرامة وصفرِ أسبابٍ للاعتقاد فقد خرج بما فيه، لا بما أخفيتُه عنه.


ثالثًا: أقوى أربعة ردود — وأنا أعرضها بأقوى ما يعرفه أهلُها

الردّ الأوّل: مغالطةُ التركيب

الحائطُ مبنيٌّ من لَبِناتٍ صغيرة، وليس الحائطُ صغيرًا. وكلُّ خيطٍ في الثوب خفيف، والثوبُ ثقيل. فمن أين لك أنّ صفةَ الأجزاء تنتقل إلى المجموع؟ وأنت تقول: كلُّ ما في الكون ممكن، فالكونُ ممكن. وهذه نقلةٌ يُعترض عليها بحقّ.

وأقوى من ساقها بول إدواردز سنة ١٩٥٩، وصورتُه عنده خمسةُ إسكيمو واقفين على ناصيةٍ في نيويورك: عند تقاطع الجادّة السادسة والشارع الخمسين. لكلّ واحدٍ منهم سببٌ يفسّر مجيئه — هذا هرب من البرد وهذا تبع أخاه وهذا جاء في عمل. فهل بقي عليك بعد ذلك أن تفسّر «مجيءَ المجموعة»؟ لا. وعبارتُه أنّ طلبَ علّةٍ للسلسلة بوصفها كلًّا يقوم على افتراضٍ خاطئ: أنّ السلسلة شيءٌ زائدٌ على أعضائها؛ فإذا فُسّر كلُّ عضوٍ لم يبقَ شيءٌ إضافيٌّ يُفسَّر `edwards-1959-critique`. وكذلك الكون: من فسّر كلَّ ممكنٍ فيه بما قبله، لم يبقَ عليه شيء.

وهل يصيب هذا الردّ؟ الجوابُ الأمين: يصيب صيغةً ويخطئ أخرى، وقول «هذه شبهةٌ ساقطة» كذبٌ على القارئ.

أمّا الصيغةُ التي يصيبها فهي الساذجة: «كلُّ جزءٍ ممكنٌ فالكلُّ ممكن». هذه مغالطةٌ فعلًا، ومن ساقها استحقّ الردّ.

وأمّا التي لا يصيبها فهي المقيَّدة: ليست الدعوى أنّ صفةً انتقلت من الأجزاء إلى الكلّ، بل أنّ المجموعَ من المستمِدّين لا يحوي مصدرًا. وفرقُ ما بينهما يُرى في هذا:

٧ · دفترُ العهدة. في مخزن شركةٍ ألفُ صنف، ولكلّ صنفٍ سندُ تحويلٍ من قسمٍ آخر داخل الشركة. راجع السندات كلَّها فستجدها متّسقةً تمامًا: لا قطعةَ بلا مصدرٍ مقيَّد. ثمّ يبقى سؤالٌ لا تجيبه السندات: من أين دخلت القطعةُ الأولى إلى الشركة أصلًا؟ لاحظ أنّك لم تنقل صفةً من السندات إلى المجموع؛ إنّما لاحظتَ أنّ كلَّ سندٍ من صنف «تحويل» وليس فيها سندُ «توريد». *وأين ينكسر*: البضاعةُ شيءٌ نعلم يقينًا أنّه لا يُخلق من قيدٍ محاسبيّ، ولا نعلم مثلَ ذلك في الوجود. ومن قال إنّ الطاقة الكلّية للكون قد تكون صفرًا فقد ادّعى ميزانيةً تُقفل بلا توريد — وهي دعوى فيزيائيةٌ تُناقَش لا تُهمَل بابتسامة.

والحكم: الاعتراضُ يهدم الصيغةَ الساذجة هدمًا تامًّا، ويدفع الصيغةَ المقيَّدة إلى نزاعٍ آخر: هل «مجموعُ الممكنات» شيءٌ يصحّ أن يُسأل عنه أصلًا، أم هو اسمٌ لا مسمّى له؟ ولا حسمَ في هذا، وأهلُه مختلفون فيه إلى اليوم.

الردّ الثاني: هيوم على مبدأ السبب الكافي — ومن يحمل عبء الإثبات

المبدأ الذي تقوم عليه الحجّةُ كلُّها هو: لكلّ موجودٍ تفسيرٌ — إمّا في ضرورة ذاته وإمّا في علّةٍ خارجةٍ عنه. وسؤالُ هيوم: وما دليلُك على هذا المبدأ نفسِه؟

فليس بديهيًّا: أن تتصوّر شيئًا يوجد بلا سبب ليس تناقضًا في اللفظ كتصوّر مربّعٍ دائريّ. وليس مستقرَأً: لأنّنا لم نشهد قطّ حالةَ «بدءٍ من لا شيء» حتى نستقرئ منها قاعدة. فهو مبدأٌ نعمل به ولا نبرهن عليه — وعملُنا به في الطبّ والقضاء والهندسة لا يجعله قانونًا على الوجود بأسره.

ويجيب أهلُ الحجّة: القابليةُ للتصوّر ليست دليلَ الإمكان. تستطيع أن تتصوّر ماءً ليس فيه هيدروجين — تقول الجملةَ ولا تجد في نفسك مانعًا — ومع ذلك هو مستحيل `kripke-1980-naming`. فعجزُك عن رؤية التناقض ليس شهادةً بعدمه.

وهذا جوابٌ صحيح، وله ذيلٌ يعمل ضدّي وأقولُه: ضرورةُ «الماء = H₂O» ضرورةٌ بَعديّة — لم نعرفها بالحدس ولا بتحليل اللفظ، عرفناها بالفحص التجريبيّ. فالدرسُ الحقيقيُّ من المثال ليس «حدسُك في الإمكان لا يُوثق به فسلّم لي»، بل: الطريقُ إلى تقرير الضرورات هو الفحص لا الاستبطان.

وليس عندنا فحصٌ لـ«الواجب بذاته». لا مِطيافَ يفصل الواجبَ من الممكن، ولا تجربةَ تُعيد. فالمثالُ يُسقط حدسي وحدسَ خصمي معًا، ثمّ يترك الميدانَ لطريقةٍ لا أملك منها شيئًا في هذا الباب. ومن وقف بالمثال عند نصفه الأوّل فقد استعمله ولم يقرأه.

وهنا موضعٌ لا أتجاوزه، وهو أثقلُ ما يُقال عليّ في الفصل: إذا انتهينا إلى «حدسٌ يقابله حدس»، فليست هذه قسمةً بالسويّة. الحجّةُ تحتاج مبدأ السبب الكافي، والخصمُ لا يحتاج نقيضَه. يكفيه أن يقول: لم تُقم عليه دليلًا. فمن ادّعى فعليه البيان، ومن قال «لم يقم عندي» فليس عليه شيء. فالتعادلُ في الحدوس خسارةٌ لمن يحمل عبء الإثبات — وأنا الذي أحمله هنا. وهذا يُنقص من نتيجتي، لا من نتيجته. وقد مررتُ بجانب هذا في أربعة مواضعَ فيما كتبتُ قبل هذه الطبعة ولم أقله مرّة، وكان يجب أن يُقال في أوّلها.

الردّ الثالث: فان إنفاغن — انهيارُ الجهات

وهذه أدقُّ حجّةٍ في الباب وأقلُّها حظًّا من الشرح في كتب العربية، وسأعطيها مساحتَها لا مساحةَ سهولتها.

صورتُها: لو صحّ مبدأُ السبب الكافي بإطلاق، فإنّ مجموعَ كلّ الوقائع الممكنة له تفسير. وذلك التفسيرُ إمّا ضروريٌّ وإمّا ممكن.

  • فإن كان ممكنًا فهو جزءٌ من المجموع الذي يفسّره، فيفسّر نفسَه — وذاك دور.
  • وإن كان ضروريًّا، ولزم عنه المفسَّرُ لزومًا لا يتخلّف، سرت الضرورةُ منه إلى المفسَّر — فصار مجموعُ الوقائع الممكنة ضروريًّا، وبطل أن يكون فيها «ممكن» أصلًا، وانهارت المقدّمةُ التي بُنيت عليها الحجّة `van-inwagen-1983-free-will`.

والخطوةُ الحاسمة هي الثانية، وهي «سريانُ الضرورة». وقد صوّرتُها فيما سبق بآلةٍ تُخرج نتيجةً واحدةً بالضرورة، وكان ذلك المشهدُ في وادٍ آخر: كان يُري ثباتَ المخرَج، والمقصودُ انتقالُ صفة الضرورة. وهذا فرقٌ، والمشهدُ الصحيح:

٨ · قالبُ الصبّ. عندك قالبٌ واحدٌ لا يقبل التبديل، ومعدنٌ يُصبّ فيه صبًّا لا يتخلّف. فما الذي يخرج؟ صورةٌ واحدةٌ لا يمكن أن تكون غيرَها. ولاحظ من أين جاء «لا يمكن»: لم يأتِ من المعدن، ولا من الصورة نفسِها — جاء من القالب، سرى إليها عبر الصبّ الذي لا يتخلّف. فالمصبوبُ ورث ضرورةَ قالبه.

فإذا قلتَ: مفسِّرُ الممكنات موجودٌ ضروريّ، والممكناتُ لازمةٌ عنه لزومًا لا يتخلّف — فقد جعلتَ الممكناتِ صورةً مصبوبةً في قالبٍ ضروريّ. فهي ضرورية. وإذا كانت ضرورية فليست ممكنة، وقد كانت حجّتُك تبدأ من أنّها ممكنة. *وأين ينكسر*: القالبُ يفعل بالطبع لا بالاختيار، وسريانُ الضرورة إنّما جاء من هذا. فمن جعل المفسِّر مختارًا قال إنّ الصبّ يتخلّف — أي أنّه كان يمكن ألّا يفعل — فينقطع السريان. وهذا بعينه جوابُ أهل الحجّة.

وجوابُهم بلفظه: التفسيرُ لا يقتضي الاستلزام؛ الفعلُ الحرّ يفسّر ولا يوجب. فالفاعلُ المختار يفسّر فعلَه من غير أن يكون فعلُه ضروريًّا، وبهذا ينفكّ الانهيار.

وهو جوابٌ متماسك، وثمنُه ثلاثةٌ أُحصيها:

  • يشترط حرّيةً تحرّرية في الفاعل — أي قدرةً على أن يفعل وألّا يفعل مع تمام الشروط — وهي موضعُ نزاعٍ عريضٍ في نفسها، وفان إنفاغن نفسُه إنّما ساق الحجّةَ في كتابٍ موضوعُه حرّيةُ الإرادة.
  • ويجعل «التفسير» أرقَّ ممّا تحتاجه الحجّةُ في خطوتها الحاسمة: فإن كان التفسيرُ لا يوجب، فقد يبقى السؤالُ: ولمَ اختار هذا دون ذاك؟ فإن كان لمرجِّحٍ عاد الإلزام، وإن كان بلا مرجِّحٍ فقد قبلتَ واقعةً بلا سببٍ كافٍ — وهو عينُ ما تنكره على خصمك.
  • وهو يفتح على صاحب الحجّة بابًا يُغلق عليه: من أجاز واقعةً تفسّرها إرادةٌ بلا مرجِّح، صعُب عليه أن يمنع الخصمَ من واقعةٍ أوّليةٍ بلا تفسير.

ولا حسم.

الردّ الرابع: «الحملُ في كلّ لحظة» بقيّةٌ من فيزياءَ ماتت

وهذا أقوى ما يُقال عليّ من جهة العلم، ولا أعرف له جوابًا مُقنعًا، وأسوقه لأنّه يقع على قلب الفصل لا على طرفه.

الحجّةُ كلُّها تقوم على أنّ وجود الأشياء محمولٌ في كلّ لحظة — أي السلسلة العرضية. ومن أين جاء هذا الحدس؟ جاء من فيزياء أرسطو: عنده لا تدوم الحركةُ إلا بمحرِّكٍ مقارنٍ ملازم؛ فإذا انقطع المحرّك وقف المتحرّك. وفي عالمٍ كهذا يكون كلُّ شيءٍ محتاجًا إلى من يمسكه في كلّ آن، والحجّةُ العرضية تنبت فيه نباتًا طبيعيًّا.

ثمّ مات ذلك العالم.

٩ · الكرةُ على الجليد. ادفع كرةً على سطحٍ أملسَ ثمّ ارفع يدك. عند أرسطو ينبغي أن تقف حين يفارقها الدافع؛ وهي لا تقف. القصورُ الذاتيّ يقول: الجسمُ يبقى على حاله بلا حاملٍ ولا ممسك، والذي يحتاج تفسيرًا هو التغيُّر لا الدوام. *وأين ينكسر*: قانونُ القصور الذاتيّ في الحركة، والدعوى في الوجود؛ ومن نقلها من إحداهما إلى الأخرى فقد قاس. لكنّ العبء انقلب: كان «الاستمرارُ يحتاج ممسكًا» بدهيًّا مسنودًا بالفيزياء، فصار دعوى ميتافيزيقيةً عاريةً من سندها الطبيعيّ. وليست مُبطَلة، لكنّها لم تعد مجّانية.

ويقول شون كارول ما هو أثقلُ من هذا: إنّ العلّية ليست مفهومًا أساسيًّا في الفيزياء الأساسية أصلًا. النماذجُ معادلاتٌ تصف أنماطًا عبر الزمن، والسؤالُ الصحيح فيها: أهذا نموذجٌ متّسقٌ مطابقٌ للرصد؟ ولا يظهر في معادلاتها بندٌ اسمه «العلّة» ولا بندٌ اسمه «الحامل» `carroll-2012-does-universe-need-god`.

وأصدقُ ما أقوله عن هذا الردّ: إنّه لا يُبطل الحجّةَ برهانًا — إذ يمكن أن يُقال إنّ الفيزياء تصف الأنماط ولا تنفي ما وراءها — لكنّه ينزع عن المقدّمة الحاملة سندَها الحدسيّ، وهو السندُ الوحيدُ الذي كانت تقوم عليه. ومن قرأ هذا القسمَ ثمّ لم يجد في نفسه ميلًا إلى مقدّمة «الحمل في كلّ لحظة» فلم يفته شيء.

الردّ الخامس: راسل — وأقواه ليس ما يُنقل عنه

في مناظرةٍ إذاعيةٍ في البرنامج الثالث بالإذاعة البريطانية، يومَ ٢٨ يناير سنة ١٩٤٨، سأل الأبُ كوبلستون برتراند راسل عن علّة الكون، فقال: «الكونُ موجودٌ وحسب، وليس وراء ذلك شيء». وأضاف أنّ من انتقل من «لكلّ إنسانٍ أمّ» إلى «فللنوع البشريّ أمّ» فقد أخطأ في نقل الوصف `russell-copleston-1948`.

وهذا نصفُ موقفه، وهو النصفُ الأضعف. ونصفُه الأقوى في المناظرة نفسِها، وأسوقه لأنّه أوجعُ:

الضرورةُ عند راسل وصفٌ للقضايا لا للأشياء. تُقال في القضية التحليلية التي يستحيل نفيُها، ولا يُدرى ما معناها إذا حُملت على موجود. فـ«موجودٌ واجبُ الوجود» عنده ليس عبارةً بلا مصداق — هو عبارةٌ بلا معنًى، كما لو قلتَ «عددٌ أخضر».

وهذا هو الاحتمالُ الثاني الذي أثبتُّه في خريطة الخلاف، ولم أُغلقه. ولا يُجاب بتكرار التعريف — لأنّ الاعتراض واقعٌ على أنّ ما عرّفناه شيءٌ يقبل التعريف أصلًا. ومن ردّ عليه بقوله «هذا معنى الكلمة التي استعملتُها» فقد حوّل اعتراضًا موضوعيًّا إلى اعتراضٍ لفظيّ ثمّ انتصر في اللفظ. وأنا فعلتُ ذلك في طبعةٍ سابقةٍ من هذا الفصل، وكان غلطًا.

وجوابُ أهل الحجّة: أنّ الضرورة الميتافيزيقية قد ثبتت في مواضعَ لا تُختزل إلى تحليل اللفظ — وأشهرُها ضرورةُ أنّ الماء ماءٌ بتركيبه، وهي ضرورةٌ في الشيء لا في القضية، وقد عرفناها بعد التجربة لا قبلها `kripke-1980-naming`. فإذا ثبت صنفٌ من الضرورة يقع على الأشياء، لم يبقَ قولُ راسل عامًّا.

وهو نزاعٌ حيٌّ إلى اليوم، ولا حسم. وأزيد: أنّ جواب أهل الحجّة هذا يعمل ضدّهم من جهةٍ أخرى — لأنّ الضرورة التي أثبتها كريبكي بَعديّة تُعرف بالفحص، وليس عندنا فحصٌ يبلغ «الواجب بذاته». فالبابُ فُتح، ولم يُسلَّم لأحدٍ الطريق.

١٠ · الترجمةُ عن ترجمة. بحثتَ عن أصل عبارةٍ في كتاب، فوجدتَ المترجمَ ينقلها عن ترجمةٍ فرنسية، والفرنسيَّ عن لاتينية، واللاتينيَّ عن سريانية. تتبّعتَ الخيط فلم تجد في آخره مؤلّفًا قطّ — كلُّهم ناقلون. عندئذٍ يخرج السؤال: من أين دخل المعنى إلى السلسلة؟ *وأين ينكسر*: المعنى شيءٌ نعرف سلفًا أنّه يُنشأ ولا يتولّد من النقل، فالمشهدُ يفترض ما يريد إثباتَه لو نُقل إلى الوجود بلا برهانٍ مستقلّ. وهو يُري صورةَ السؤال، لا صحّته.

الردّ السادس: أوبي — وهو الحيُّ الذي يجب أن يُشتبك معه

ويضع غراهام أوبي الاعتراضَ في أمتن صورةٍ له: ليس على الطبيعيّ أن ينكر مطلبَ الحجّة أصلًا؛ يكفيه أن يجعل حالةً فيزيائيةً أوّليةً هي الواجبَ بذاته، فيستوفي المطلوبَ كلَّه بلا إله. وقولُنا «المادّةُ لا تصلح أن تكون واجبة» ليس حجّةً، إنّما حدسٌ يقابله حدس.

وأوبي يقرّر — وهذا يُذكر له — أنّ حجج الإلحاد لا تنجح أيضًا: أطروحتُه أنّ لا حجّةَ ناجحةً في الاتّجاهين، إذ «النجاح» عنده إلزامُ الخصم العقلانيّ، وهذا لم يقع لأحد.

ولا أقف هنا، لأنّ الوقوف هنا هو الجريمةُ التي أدنتُها في الحاشية. أوبي لا ينتهي إلى تعادلٍ في الموقف. هو يرى أنّ الطبيعانية مرجَّحةٌ على التوحيد بالبساطة والفضائل النظرية: عنده أنّ الحالة الفيزيائية الأولى تكفي وحدها، وأنّ إضافة عقلٍ مريدٍ وراءها زيادةٌ في المفترضات بلا زيادةٍ في التفسير. فالتعادلُ عنده في الحجج، لا في الميزان النهائيّ `oppy-2006-arguing-gods`. فمن نقله على أنّه يقول «الطرفان سواء» أخذ نصفَ قوله وترك نصفَه — وهو بعينه ما أدنتُه في غيري. وأنا كنتُ فعلتُه في طبعةٍ سابقة، وأصلحتُه هنا لا لأنّه أضرّ بي، بل لأنّه كذبٌ صغير.

وأثرُ ذلك على حسابي: أنّ خصمي لا يقول «لا أدري»، بل يقول «الأرجحُ عندي غيرُ ما ترجّح عندك، ولسببٍ منهجيٍّ يُعرض ويُناقَش». وردُّ ذلك يقتضي مناقشةَ البساطة بوصفها فضيلةً نظرية: هل الأبسطُ أقربُ إلى الصدق أم أسهلُ في الاستعمال؟ وهذا بابٌ لم أفتحه في هذا الفصل، وهو ناقصٌ عليّ لا له.


رابعًا: ما هو «الحدسُ في الجهات» ولماذا يُعتدّ به — أو لا يُعتدّ

يقع هذا اللفظ في الفصل مرارًا، وقد كتبتُه فيما مضى ولم أشرحه، وهو مركزُ الثقل كلِّه. فإليك حدَّه ثمّ الاعتراضَ عليه.

الحدسُ في الجهات هو الحكمُ المباشر بأنّ شيئًا ممكنٌ أو مستحيلٌ أو واجب، من غير برهانٍ ولا تجربة. مثالُه أن تقول: «كان يمكن أن أجلس في مقعدٍ آخر»، أو «يستحيل أن يكون هذا المثلّثُ مربّعًا»، أو «لا يمكن أن يوجد شيءٌ ولا يوجد في الوقت نفسه». وهذه أحكامٌ لا تجريها في مختبر ولا تستنبطها من مقدّمات؛ تجدها في نفسك فتقول بها.

ولماذا يُعتدّ به؟ لأنّ الاستغناء عنه يُفقر المعرفةَ كلَّها: الرياضياتُ والمنطقُ وأكثرُ الأخلاق تقوم على أحكامٍ من هذا الصنف. ومن أسقط الحدس بإطلاقٍ أسقط معه أدواتِه هو.

ولماذا يُشكّ فيه؟ لأنّه يتضاءل كلّما بعُدنا عن مألوفنا:

١١ · المكعّبُ في أربعة أبعاد. حاول أن تتصوّر مكعّبًا رباعيّ الأبعاد. لن تستطيع — ستجد في نفسك مانعًا كالذي تجده أمام «مربّعٍ دائريّ». ومع ذلك هو متّسقٌ تمامًا، تُحسب أحجامُه وزواياه ويُدرَّس. فحدسُك هنا لم يقل لك شيئًا عن الإمكان؛ قال لك شيئًا عن حدود مخيّلتك. *وأين ينكسر*: المكعّبُ الرباعيّ كائنٌ رياضيّ، والوجودُ الواجب كائنٌ عينيّ؛ والقياس بينهما ليس تامًّا. لكنّ الدرس يبقى: عجزُ الحدس عن تصوّر شيءٍ ليس دليلًا على استحالته، وقدرتُه على تصوّره ليست دليلًا على إمكانه.

والسؤالُ الذي يهدم الطرفين معًا، وأطرحه على نفسي قبل خصمي: لماذا يُعتدّ بحدس رئيسيّاتٍ عمرُ الواحد منها ثمانون سنة، تشكّلت حدوسُها في بيئةٍ متوسّطة الحجم والسرعة، في مسألةٍ موضوعُها بنيةُ الوجود؟ ولا جوابَ عندي إلا واحدًا، وهو ضعيف: أنّ الحدس أداتُنا الوحيدة في هذا الباب، وأنّ إسقاطَه لا يُبقي لأحدٍ شيئًا — لا لي ولا لخصمي. ومن أسقطه انتهى إلى تعليق الحكم لا إلى نفي الإله. وهذا يضعف موقفي أكثرَ ممّا يضعف موقفه، للسبب الذي قدّمتُه: أنا أحتاج الحدس ليبني، وهو يحتاجه ليمنع. والبناءُ أشقُّ من المنع.

خامسًا: متى تسقط حجّتي؟

أطلب من غيري أن يحدّد متى يخسر، ولم أكن أقول ما الذي لو ثبت لقلتُ: «الإمكانُ والوجوب لا يعمل». وهذا نقصٌ في الإنصاف لا في الحجّة، فأُصلحه:

تسقط حجّةُ الإمكان والوجوب عندي في أيّ واحدةٍ من أربع:

  • أن يثبت أنّ «مجموع الممكنات» ليس شيئًا يصحّ أن يُسأل عنه — أي أن يثبت اعتراضُ إدواردز في صيغته المقيَّدة لا الساذجة. حينئذٍ لا يبقى موضوعٌ للسؤال أصلًا.
  • أن يثبت أنّ سريان الضرورة لا ينقطع بالاختيار — أي أن يسقط جوابُ «الفعلُ الحرّ يفسّر ولا يوجب» إمّا بإبطال الحرّية التحرّرية وإمّا ببيان أنّ الاختيار نفسَه يحتاج مرجِّحًا. حينئذٍ تنهار الجهاتُ ولا نجاةَ من حجّة فان إنفاغن.
  • أن يثبت أنّ الضرورة وصفٌ للقضايا وحدها — أي أن يصحّ قولُ راسل على عمومه، فلا يبقى للتركيب معنًى يُبحث له عن مصداق.
  • أن يُقام دليلٌ على أنّ حالةً فيزيائيةً أوّليةً تصلح واجبةً بذاتها — لا مجرّد أن يُقال إنّها ممكنة، بل أن يُبيَّن. حينئذٍ لا تسقط الحجّة بنيانًا، لكنّها تسقط عن أن تدلّ على إله، وهو المقصود منها.

ولا يسقطها: أن يُقال «لا أفهم كيف»، ولا أن يُقال «هذا كلامٌ قديم»، ولا أن يُشتم القائلون بها. وأنا ملزَمٌ بهذه القائمة كما أُلزم بها غيري.


فما الذي بقي في يدك؟

الدعوىحالُها بعد الردود
السؤالُ «لماذا يوجد شيء؟» سؤالٌ مشروعقائم، ولم يُبطله أحدٌ من الردود
سلسلةُ المستمِدّين لا تُنشئ وجودًاقويّ في السلسلة العرضية، ولا يمسّ الطولية
أنّ وجود الأشياء من صنف «المحمول في كلّ لحظة»مقدّمةٌ حدسيّةٌ فقدت سندَها الطبيعيّ، ولم يقمها مشهد
المجموعُ ممكنٌ لأنّ أجزاءه ممكنةساقط في هذه الصيغة، منازَعٌ في المقيَّدة
مبدأُ السبب الكافي بإطلاقمكلِّف: يُقيَّد لينجو، وتقييدُه يُضعف الحجّة
«الواجب» هو الله لا حالةٌ فيزيائية أولىلا حسم: حدسٌ مقابل حدس — والعبءُ عليّ

وهذا لا يُثبت أنّ الواجب واحد، ولا أنّه عالمٌ قادرٌ مريد، ولا أنّه خيّر، ولا أنّه إلهُ دينٍ بعينه. أقصى ما يبلغه هذا الفصلُ — لو تمّ بكماله — موجودٌ قائمٌ بنفسه؛ والانتقالُ منه إلى نبوّةٍ ووحيٍ وشريعةٍ نقلةٌ أخرى تحتاج أدلّةً من جنسٍ آخر. ومن أوهمك أنّ برهانًا واحدًا يحملك من هنا إلى هناك فقد حمّل الحجّةَ ما لا تطيق.

ولك أن تعرف قدرَ ما يُدّعى في هذا الباب عند أدقّ من دافع عنه: ريتشارد سوينبرن — وهو أشهرُ من بنى للتوحيد حجّةً احتماليةً تراكمية — يُعلن نتيجتَه احتمالًا يزيد على النصف، لا يقينًا ولا برهانًا مُلزِمًا، ويُدخل الشرَّ في الميزان شاهدًا ضدّه `swinburne-2004-existence`.

وأمّا الرقمُ الذي يُتداول عندنا — «سبعةٌ وتسعون في المئة» — فهو رقمُه فعلًا، لكنّه عن دعوى أخرى: احتمالُ قيامة المسيح في كتابٍ آخر، محسوبًا بعد إدخال الإلهية في الخلفية أصلًا، لا احتمالُ وجود الله `swinburne-2003-resurrection`. فمن ساقه إثباتًا لوجود الله نقل رقمًا صحيحًا إلى مسألةٍ ليست مسألتَه — وهذا أخفى من الاختلاق وأشدُّ ضررًا، لأنّه يصمد أمام أوّل تحقّقٍ ثمّ ينهار عند الثاني.