تخطَّ إلى المحتوى

٩. من أين يأتي الإلزام الأخلاقيّ؟

قبل السؤال: هذه المسألة سؤالٌ عن المصدر لا حكمٌ على السلوك، ومن خلط بينهما أخطأ خطأً بيّنًا. ولستُ أطمئنك ولا أُثني: أُحرّر محلَّ النزاع وأمضي. وممّا يدخل في التحرير أنّ أوسع من دافع عن نظريّة الأمر الإلهيّ في القرن الماضي — روبرت آدمز — يصرّح بأنّ غير المؤمن يعرف الأخلاق ويلتزمها؛ فمن استعمل كتابَه ليقول «الملحدُ لا أخلاق له» استعمله ضدّ نصّه.

السؤال إذن: حين نقول «تعذيبُ طفلٍ للمتعة شرّ» — أنصف واقعةً، أم نعبّر عن نفورٍ في نفوسنا؟ وإن كانت واقعةً، فما الذي يجعلها واقعة؟

الجوابُ في سطرين: لا برهانَ قاطعًا في هذا الباب لأحدٍ من الفريقين: المقدّمةُ «لا أخلاقَ موضوعيةَ بلا إله» لا حسمَ فيها، وأشهرُ من يُستشهد به عليها ينكر الأخلاقَ الموضوعيةَ من أصلها. والباقي سؤالٌ ثقيلٌ حقيقيّ عن مصدر الإلزام، لا مطرقةٌ تُكسر بها رؤوس المخالفين.

أوّلًا: تحريرُ موضع النزاع — ثلاثةُ أسئلةٍ تُخلط فتُفسد الباب كلَّه

في السوق ميزانٌ إلكترونيّ. تضع عليه كيسًا فيقول: ٩٠٠ غرامًا، وأنت دفعتَ ثمنَ كيلو. الميزانُ لا يجامل، وقراءتُه صادقةٌ كلَّ مرّة. هذه معرفة. أمّا أن يُردَّ إليك مالُك وتُحرَّر مخالفةٌ للبائع، فذاك شيءٌ آخرُ يجيء به رجلٌ بورقةٍ رسميّة. وذاك إلزام. والميزانُ الصادقُ لا يُلزم أحدًا بشيء.

فالأسئلةُ ثلاثةٌ لا واحد:

السؤالصيغتُهأهو محلُّ النزاع؟
السلوكأيسلك الملحدُ سلوكًا حسنًا؟لا. ولا خلافَ فيه أصلًا
المعرفةأيعرف الملحدُ الخيرَ من الشرّ؟لا. ولا يدّعيه محقّق
المصدرما الذي يجعل الشرَّ شرًّا، وبأيّ حقٍّ يُلزمني؟نعم — وهو وحده

*وأين ينكسر مثالُ الميزان:* قد يقال إنّ الأخلاق ليست من جنس الأوامر واللوائح أصلًا، بل من جنس الوقائع — كأعداد الرياضيات لا كتعليمات التموين — فينهار التشبيهُ بالسلطة من أصله. وهذا موقفٌ فلسفيٌّ قائمٌ له أهلُه، وسيأتي بعد قليل، لا هفوةٌ في التفكير. وسأحاسب نفسي عليه في خاتمة الباب، فقد كتبتُ الخاتمةَ أوّلَ مرّةٍ بصيغة «بأيّ حقّ» ثلاثَ مرّات — أي بمفردات طرفٍ واحدٍ بعد أن أقررتُ أنّ الطرفَ الآخر يرفض هذه المفردات.

ثانيًا: «أعرف أنّه شرّ» و«هو شرٌّ في نفسه» — أين الفرق؟

في العيادة صورةُ أشعّة. يقول الطبيب: هنا كسرٌ في العظم. والكسرُ كان موجودًا قبل أن يُصوَّر، وسيبقى موجودًا لو انقطع التيّارُ وضاعت الصورة، ولو أجمع أطبّاءُ المدينة على أنّه ليس كسرًا لكان إجماعُهم خطأً. هذا معنى «في نفسه».

وعلى المكتب نفسِه فنجانُ دواءٍ مرٍّ يشربه الطفل ويعبس. مرارتُه ليست في الدواء وحده: هي في لقاء الدواء بلسانه هو. وطفلٌ آخرُ قد لا يعبس. ولو انقرض الذائقون لم تبقَ مرارةٌ في مكانٍ ما تنتظر لسانًا.

فأوّلُ الاختبار سؤالٌ واحد: لو أجمع أهلُ الأرض على أنّ تعذيب الطفل للمتعة ليس شرًّا — أيصير غيرَ شرّ، أم يكونون قد أخطأوا؟

من قال «يكونون قد أخطأوا» فقد رفض أن يكون الاتّفاقُ الواقعيّ هو المقياس. وليس ذلك وحدَه التزامًا بوقائعَ مستقلّةٍ عنّا — وقد كتبتُ أوّلَ مرّةٍ أنّه التزامٌ بها، وهو تجاوزٌ في الاستنتاج على مقدّمةٍ لا تحمله. فههنا موقفان يقولان «أخطأوا» بملء الفم ولا يثبتان في العالم واقعةً أخلاقيّة:

  • شِبهُ الواقعيّة (سايمُن بلاكبرن). أصلُها تعبيريّة: الحكمُ الأخلاقيّ في أصله تعبيرٌ عن موقفٍ لا وصفٌ لواقعة. لكنّ صاحبها يبني — درجةً درجة — حقَّنا في أن نقول للحكم الأخلاقيّ «صادقٌ» و«كاذب» و«أخطأنا فيه» و«كنّا سنظلّ مخطئين ولو لم ينتبه أحد». ومثالُه المقرِّب: الطرافة. أنت تقول عن نكتةٍ إنّها «ليست مضحكةً حقًّا» وإنّ من ضحك لها «أخطأ»، وتقول «كانت ثقيلةً حتّى لو ضحك الحاضرون جميعًا» — ولا تلتزم بذلك أنّ في العالم خاصّيّةَ طرافةٍ قائمةً في الذرّات. فأنت تقيم بناءً كاملًا من الصدق والخطأ فوق مواقفَ لا فوق وقائع. ودعوى بلاكبرن أنّ الأخلاق كذلك، وأنّ الواقعيَّ لا يملك شيئًا يقوله ولا يملك هو مثلَه.
  • البنائيّة (شارون ستريت، وقبلها كريستين كورسغارد بصيغةٍ كانطيّة). الحقيقةُ الأخلاقيّةُ عندهم ليست فوق مواقفنا ولا هي مجرّدُ ما نتّفق عليه اليوم: هي ما يلزم عن مواقفنا التقييميّة بعد تنقيحها — أي بعد إخراج ما بُني على جهلٍ بالوقائع، وما لا يتّسق مع سائر ما نلتزمه، وما لا يحتمله المرءُ إذا عمّمه على من في موضعه. فمن عذّب طفلًا للمتعة أخطأ خطأً حقيقيًّا: لا لأنّه خالف واقعةً في نسيج الوجود، بل لأنّ التزامَه هذا لا ينجو من محاسبة التزاماته الأخرى. ولكورسغارد كتابٌ عنوانُه حرفيًّا *مصادرُ المعياريّة* — أي عنوانُ هذا الفصل — تبني فيه الإلزامَ على أنّ الفاعلَ العاقل لا يستطيع أن يفعل بلا أن يرى لفعله وجهًا يعتمده، وأنّ ذلك الاعتمادَ نفسَه يلزمه بما يلزم غيرَه. وهي تخصمني مباشرةً ولم أكن ذكرتُها.

فالسؤالُ الأوّل يفرز الاتّفاقيّةَ الساذجة، ولا يبلغ الواقعيّة. وما بعدها يحتاج فرزًا آخر: وقائعُ من أيّ نوع؟ وفي أيّ شيءٍ من العالم هي قائمة؟ وكيف تُلزمني؟ — وهذا هو السؤال الحقيقيّ.

*وحدُّ دعوى الأغلبيّة:* كنتُ كتبتُ «وأكثرُ الناس — مؤمنِهم وملحدِهم — يجيب بهذا بلا تردّد». وتلك دعوى تجريبيّةٌ عن أحكام العامّة، وقد دُرست فعلًا — عند غودوِن ودارلي وغيرِهما؛ والذي تُظهره أنّ الجوابَ أقلُّ ثباتًا ممّا قلت: يميل الناسُ إلى الموضوعيّة في المسائل الفظيعة، ويميلون إلى النسبيّة كلّما بعُدت الثقافةُ المسؤولُ عنها. فالصوابُ أن أقول: يجيب كثيرون بهذا، وجوابُهم يتذبذب بحسب المسألة والمسؤول عنه — وكتابٌ يعدّ الأرقام عدًّا لا يرسل «أكثرَ الناس» بلا مصدر.

ثالثًا: أقوى الردود

١) ماكي ليس حليفًا — وهذا أكثرُ مواضع الغلط في الكتابة العربية

يُنقل ج. ل. ماكي على أنّه «ملحدٌ اعترف بأنّ الأخلاق الموضوعية تحتاج إلهًا». وهو ينكر وجود الأخلاق الموضوعية أصلًا.

والعبارةُ التي يُستشهد بها — وحقُّك أن تراها لا أن تُحدَّث عنها — معناها بترجمةٍ قريبة: *إنّ الخصائص الأخلاقيّة عنقودٌ من الغرابة بحيث يَبعُد جدًّا أن تكون نشأت في المجرى العاديّ للأحداث بلا إلهٍ قديرٍ يخلقها.* هذا هو الشطرُ المنقول.

وسياقُه أنّه في سياق شرطيّةٍ يرفض مقدَّمها. الفصلُ الذي وردت فيه مبنيٌّ على إثبات أنّ القيم الموضوعيّة غيرُ موجودة، والجملةُ محلُّها من الاستدلال: *لو* كانت موجودةً لكانت من الغرابة بحيث تحتاج خالقًا — وهي غريبةٌ إلى هذا الحدّ، فالأولى أن نقول إنّها ليست موجودة. فالجملةُ مقدّمةٌ في حجّةٍ على العدم، ومن اقتطعها صار الدليلُ على النفي دليلًا على الإثبات.

وحجّتُه المشهورة اسمُها حجّةُ الغرابة، ولها شقّان:

الشقُّ الوجوديّ: لو وُجدت قيمةٌ موضوعيةٌ لكانت كيانًا غريبًا عن كلّ ما نعرف في العالم — شيئًا مغروسًا فيه إلزامٌ يجذبك إليه بمجرّد أن تراه. لا ذرّةٌ ولا حقلٌ ولا عددٌ يفعل هذا. والشقُّ المعرفيّ: ولو وُجدت لاحتجنا إلى ملَكةِ إدراكٍ خاصّةٍ بها لا نظير لها في حواسّنا ولا في استدلالنا — عينٍ لا ترى الضوءَ بل الوجوب.

ويضمّ إليهما الاختلافَ: أنّ الأخلاق تتباين بين المجتمعات تباينًا يُفسَّر بأنّها انعكاسُ أنماط عيشٍ لا إدراكٌ لحقائقَ ثابتة.

فأين ينتهي؟ إلى نظرية الخطأ: أنّ أحكامنا الأخلاقية كلَّها تدّعي موضوعيّةً وكلَّها كاذبةٌ بهذا الادّعاء. ثمّ يقول في السطر التالي: وهذا لا يعني أن نُلقي الأخلاق. هي اختراعٌ بشريٌّ يؤدّي وظيفتَه، نُبقيها ونُحسّنها كما نُبقي القانون. ونصفُ الكتاب نفسِه مبنيٌّ على ذلك: قسمُه الثاني في مضمون الأخلاق، وفيه فصلٌ في الأخلاق العمليّة. (وكنتُ كتبتُ «وقد كتب في الأخلاق العمليّة كتابًا» — ولا كتابَ ثانيًا له في هذا الباب، وسائرُ مؤلَّفاته في السببيّة ولوك وهيوم والإلهيّات. والعبارةُ كما كانت تُرسل القارئَ يطلب مؤلَّفًا لا يجده.)

فالردُّ منسجمٌ لا مراوغ: هو يقبل مقدّمتَك الأولى ثمنًا لرفض الثانية. ومن نقل عنه نصفَ الجملة فقد قلب موقفَه؛ والمقدّمةُ التي يُستشهد به عليها هي بعينها ما يهدمه.

*وحدُّ الاتّهام:* أقول «يُنقل» و«يُستشهد به» ولا أسمّي كتابًا عربيًّا بعينه ولا صفحة — لأنّي لم أُثبت طبعةً بصفحتها، والقاعدةُ ألّا أذكر إلا ما أتحقّق منه، وهي قاعدةٌ تلزمني في اتّهام خصمي كما تلزمني في نصرة نفسي. فالذي أُبرزه إذن نصُّ ماكي وسياقُه لا ذمُّ ناقل: من رأى النقل عرفه، ومن لم يره فقد ربح صفحةً من ماكي على كلّ حال.

٢) نظريةُ الأمر الإلهيّ ومعضلةُ أيوثيفرو

هذا موضعُ العبء على المؤمن، فلنُقمه كاملًا.

في محاورة أفلاطون *أيوثيفرو* يسأل سقراط سؤالًا في سطر: أيحبّ الآلهةُ التقيَّ لأنّه تقيّ، أم هو تقيٌّ لأنّ الآلهةَ يحبّونه؟ وصورتُه اليوم في وجه من يقول «مصدرُ الأخلاق أمرُ الله»:

القرنُ الأوّل — الفعلُ واجبٌ لأنّ الله أمر به. فالأخلاقُ إذن اعتباطيّة: لو أمر بتعذيب البريء لصار واجبًا. وقولُك «لكنّ الله خيّر» يصير تحصيلَ حاصلٍ لا مدحَ فيه، إذ معناه: الله يفعل ما يأمر به.

والقرنُ الثاني — أمر الله به لأنّه واجبٌ في نفسه. فثمّ إذن معيارٌ مستقلٌّ عن الله يقيس به ويُقاس عليه؛ فليس هو مصدرَ الأخلاق، ولا هي مفتقرةٌ إليه، وقد سقطت الحجّةُ من أصلها.

والجوابُ المعتمد — وهو جوابٌ حقيقيٌّ لا حيلةٌ لفظيّة — قرنٌ ثالث، صاغه روبرت آدمز ووليم ألستون، وقوامُه فصلُ الخيريّة عن الوجوب:

  • الخيريّةُ ليست معيارًا فوق الله، ولا اختراعًا من أمره، بل طبيعتُه هي المعيار. وخلاصةُ ألستون في هذا الباب — إعادةَ صياغةٍ لا اقتباسًا عن صفحة —: أنّ الله لا يمتثل لمعيارٍ للخير قائمٍ خارجَه، ولا يخترعه اختراعًا، بل هو المعيارُ نفسُه الذي يُقاس إليه غيرُه.
  • والوجوبُ ينشأ عن الأمر — لكنّ الآمرَ ذاتٌ محبّةٌ عادلةٌ بالضرورة، فامتنع فرضُ «لو أمر بالظلم» امتناعًا لا مجرّدَ استبعادٍ واقعيّ.

فلا اعتباطَ ولا معيارَ مستقلّ. ومن ظنّ أنّ أيوثيفرو تُحسَم بالقرن الأوّل وحده فقد وقف دون الجواب — وأمّا القرنُ الثالث فلا يُغلق البابَ أيضًا: عليه أربعةُ اعتراضاتٍ آتية، أقواها لم أجد له جوابًا مقنعًا. فالمعضلةُ تنتقل ولا تسقط، وذاك أدقُّ ما أستطيع قولَه. (وكنتُ كتبتُ «ومن ظنّ أنّها تهدم الباب فقد وقف عند القرن الأوّل ولم يقرأ الجواب» — فأعلنتُ ظفرًا لم يقع، ولمتُ المعترضَ لا الاعتراض. ومن اعترض عليّ بأيوثيفرو لم يعترض لأنّه لم يقرأ، بل لأنّ أحدًا لم يعرض عليه القرنَ الثالث؛ وبين «هذا اعتراضٌ له جوابٌ ينقل السؤال» وبين «من اعترض لم يقرأ» فرقُ ما بين أن أحاورك وأن أصنّفك.)

ولتقريب فكرة «المرجع الذي لا يُقاس إلى غيره» مثالٌ صاغه فتغنشتاين في *تحقيقاته الفلسفيّة*: القضيبُ الذي كان مرجعَ المتر — وهو محفوظٌ في المكتب الدوليّ للأوزان والمقاييس بسيفر قرب باريس، لا في متحف. أتقول إنّ طولَه مترٌ لأنّه يطابق مترًا في مكانٍ آخر؟ لا متر آخرَ يُقاس إليه. أفهو إذن اعتباط؟ لا — فمن قاس عليه بنى جسرًا قائمًا. هو المرجع لا المقيس. *وأين ينكسر:* أنّ ذلك القضيب اصطلاحٌ غُيّر فعلًا بقرارٍ إلى تعريفٍ بسرعة الضوء؛ والدعوى في الأخلاق أنّ المرجع لا يقبل التغيير بقرار. فالمثالُ يُري إمكانَ الطرف الثالث لا وقوعَه.

وأربعةُ اعتراضاتٍ على الجواب الثالث، أسوقها بأقوى صيغها:

(أ) المعضلةُ تعود درجةً واحدة. أطبيعةُ الله خيّرةٌ لأنّها طبيعتُه، أم لأنّها متّصفةٌ بالمحبّة والعدل وهذه أوصافٌ خيّرة؟ إن قلتَ الأوّل عاد الاعتباطُ إلى الأصل: لو كانت طبيعتُه القسوةَ لكانت القسوةُ خيرًا. وإن قلتَ الثاني، فالأوصافُ هي المعيارُ وقد استقلّت عن كونها له.

(ب) إشكالُ الإفادة. إن كان معنى «خيّر» هو «مشابهٌ لله»، فقولُنا «الله خيّر» تحصيلُ حاصل — والمؤمنُ حين يقولها يريد مدحًا لا تعريفًا. وكلّما جعلتَها إخبارًا اقتربتَ من إحالةٍ على أوصافٍ مستقلّة، وكلّما ابتعدتَ قربتَ من الدور.

(ج) الشرطيّاتُ الممتنعة. لا تنجو النظريةُ بجعل الأمر بالظلم ممتنعًا، لأنّ الشرطيّةَ «لو أمر لوجب» تبقى مقوِّمًا للنظرية وهي مستنكَرةٌ عند مجرّد التصوّر.

(د) وأقواها: من أين يستمدّ الأمرُ إلزامَه؟ لِمَ يُلزمني أمرُ الله؟ إن قلتَ «لأنّ شكرَ المحسن واجب» أو «لأنّ طاعةَ الحكيم واجبة»، فقد وُجد وجوبٌ سابقٌ على الأمر — وهو نقضٌ لتأسيس الوجوب كلِّه على الأمر. وإن قلتَ «لا لشيءٍ، بل لأنّه أمر» فقد عدتَ إلى القرن الأوّل.

ولآدمز عن هذا الرابع جوابٌ لم أعرضه، وعرضُه عليّ لا لي. يقول: الإلزامُ لا ينشأ عن مجرّد صدور الأمر حتّى يُقال «ولمَ يُلزم الأمرُ؟»، بل عن العلاقة التي يصدر فيها. فطلبُ صديقٍ تحبّه وتَدين له بالوفاء يُلزمك إلزامًا لا يُلزمك به الطلبُ نفسُه لفظًا لو صدر من غريبٍ في الطريق — ولم يختلف اللفظ، وإنّما اختلفت العلاقة. فالوجوبُ الأخلاقيّ عنده مطلبُ علاقةٍ حسنة لا مرسومُ سلطة، وهذا هو الذي يجعل الأمرَ الإلهيَّ مُلزمًا: أنّه صادرٌ عمّن هو مصدرُ وجودك وخيرِك وأحقُّ من أحببتَ.

وردّي عليه — وهو ردٌّ لا إسقاط: هذا يقرّب ولا يُتمّ. لأنّ العلاقةَ إنّما تُلزم إن كان ثمّ وجوبٌ في رعاية العلاقات الحسنة ابتداءً؛ وذاك وجوبٌ سابقٌ على الأمر كسابقه. ثمّ إنّ الصديقَ الذي أحبّه قد يطلب ما لا يلزمني، فليس كلُّ مطلبِ علاقةٍ مُلزمًا — فما الفاصل؟ فالاعتراضُ الرابع باقٍ عندي، وجوابُ آدمز أقوى ممّا كنتُ أعرضه، ولم يُقنعني. وأقولها ولا أخفيها.

##### والصورةُ التي تؤلم: أيوثيفرو في الهواء وأيوثيفرو على الأرض

كلُّ ما تقدّم يدور على شرطيّةٍ ممتنعة: «لو أمر بالظلم». وأنا ناقشتُ المعضلةَ في الهواء — حيث أربح. وليست تلك صورةَ الاعتراض عند أكثر من يعترض. صورتُه عندهم سؤالٌ آخر: وماذا عن الذي أُمر به بالفعل؟ أحكامٌ بعينها في نصوصٍ بعينها، وأحكامٌ تُنسب اليوم إلى الأمر الإلهيّ فتُقام: في الرقّ، وفي العقوبات البدنيّة، وفي القتال، وفي أحكام النساء. ومن خرج من دينه لم يُخرجه فرضٌ يونانيّ، بل صفحةٌ قرأها. والدليلُ على أنّ إغفالي لهذا اختيارٌ لا سهو: أنّي ضربتُ للوعي مثالَ غرفة العمليات وميزانَ السوق وصورةَ الأشعّة وقضيبَ المتر، ولم أضرب في هذا الباب مثالًا واحدًا من نصّ.

وأنا لا أجيب عن هذا هنا، وأقول لماذا صراحةً. لأنّ جوابه ليس من جنس هذا الفصل: هذا فصلٌ في بنية الحجّة — أيصلح الأمرُ الإلهيُّ مصدرًا للإلزام أم لا — وذاك سؤالٌ في مضمون نصوصٍ بأعيانها: في ثبوتها، ودلالتها، وسياقها التاريخيّ، وما هو حكمُ حالٍ وما هو حكمُ دهر، وما الفرقُ بين تنظيم واقعٍ قائمٍ وتأسيسِه. وكلُّ واحدةٍ من هذه فصلٌ لا فقرة، ومن أجاب عنها في سطرٍ فقد أهانها وأهان سائلَها.

والذي يلزمني قولُه هنا شيئان:

الأوّل: أنّ جوابَ القرن الثالث — على متانته — لا يمسّ هذا الاعتراضَ بحرف. فمن قيل له «حُلّت أيوثيفرو» فحسب أنّ سؤالَه عن الصفحة قد حُلّ، فقد بيع له غيرُ ما اشترى.

والثاني — وهو عليّ: أنّ نظريّة الأمر الإلهيّ في صورتها المعتمدة تجعل هذا الاعتراضَ أثقل لا أخفّ. لأنّ مقوّمَ الجواب الثالث أنّ الآمر محبٌّ عادلٌ بالضرورة؛ فكلُّ نصٍّ يبدو مخالفًا لذلك يصير سؤالًا على المؤمن لا على خصمه، ولا يملك المؤمنُ أن يقول «هو أمرٌ فحسب» لأنّه هو الذي أغلق هذا الباب على نفسه في القرن الأوّل. أي أنّ الجوابَ الذي بُني لدفع الاعتراض المجرّد يشدّد الاعتراضَ المشخَّص. وهذه فاتورةٌ أُثبتها ولا أدفعها في هذا الفصل.

٣) الطبيعيّةُ الأخلاقيّة: موضوعيّةٌ بلا إله — وهي وجيهةٌ لا تُطوى بجملة

هذا القسمُ يُحذف عادةً من الكتابة العربية أو يُختصر في سطرٍ ساخر، وهو أخطرُ ما في الباب على الحجّة.

يقول أصحابُ المذهب الطبيعيّ في الأخلاق — وأشهرُ من صاغه ريتشارد بويد في مقالته «كيف تكون واقعيًّا أخلاقيًّا»، ونيكولاس ستورجن في «التفسيرات الأخلاقية» — إنّ الخصائصَ الأخلاقية خصائصُ طبيعيةٌ مركّبة، لا كياناتٍ غريبةً في عالمٍ ثانٍ.

وأقربُ ما يُفهم به: الصحّة. أين «الصحّةُ» في جدول العناصر؟ ليست عنصرًا ولا جسيمًا ولا قوّة. ومع ذلك لا يشكّ عاقلٌ في أنّ قولنا «هذا الرجلُ مريض» يصف واقعة، وأنّ من قال إنّه سليمٌ يكون مخطئًا ولو أصرّ. والصحّةُ عنقودٌ من خصائصَ متساندة — ضغطٌ وسكّرٌ ومناعةٌ ونومٌ — وحدودُها غيرُ حادّةٍ ولا يضرّها ذلك.

فكذلك — يقولون — الخير: عنقودٌ من خصائص تتعلّق بازدهار الكائنات الاجتماعية: صحّةٌ، وأمان، وصداقةٌ يوثَق بها، وقدرةٌ على تدبير أمرك، ومعرفة. وهي متساندةٌ في العالم الواقعيّ لا في أذهاننا، ولذلك يمكن أن نُخطئ فيها كما نخطئ في الطبّ، وأن نصحّح خطأنا كما صحّحنا الطبّ. ولا تحتاج ملَكةً سادسةً تراها: تُعرف بما تُعرف به بقيّةُ الخصائص المركّبة — بالأثر، وبالتفسير، وبالتجربة المتراكمة.

ويضيف ستورجن نقطةً حادّة: الخصائصُ الأخلاقيةُ تفسّر وقائع. تقول: «فعل ذلك لأنّه فاسدٌ ظالم» فتُفسّر سلوكَه تفسيرًا يُنبئ بما سيفعل غدًا. والخاصّيّةُ التي تدخل في تفسيرٍ ناجحٍ لها من الحقّ في الوجود ما لغيرها.

وثمّ صنفٌ ثانٍ يذهب أبعدَ من ذلك: واقعيّةٌ غيرُ طبيعيّةٍ وغيرُ إلهيّة، دافع عنها دايفد إينوخ في أوسع كتابٍ معاصرٍ في بابها، وإريك فيلينبرغ ردًّا مباشرًا على أصحاب البرهان الأخلاقيّ. وحجّةُ فيلينبرغ تضرب في الصميم: المؤمنُ نفسُه ينتهي إلى حقيقةٍ خامٍّ لا تفسيرَ فوقها — «طبيعةُ الله خيّرةٌ ضرورةً» ليست مفسَّرةً بشيءٍ أعمق منها. فإن جاز التوقّفُ عند خامٍّ هناك، جاز التوقّفُ عند خامٍّ هنا؛ ولا مزيّةَ للفرض الإلهيّ إلا أنّه يؤخّر التوقّفَ خطوةً واحدة.

وجوابُ آدمز: أنّ الحقائقَ الخامّ عند فيلينبرغ معلّقةٌ في الفراغ — نحن نفهم كيف تُلزمنا إرادةُ شخصٍ لنا به علاقة، ولا نفهم كيف تُلزمنا قضيّةٌ مجرّدة.

وأنا أقول: هذا حدسٌ يقابله حدس، لا برهانٌ يُلزم. وهو موضعُ التوقّف.

*وحدُّ الشهادة:* لم أُثبت لبويد وستورجن سطرًا في المراجع أدناه لأنّي لم أتحقّق من طبعةٍ بعينها بصفحاتها، والقاعدةُ في هذا الكتاب أن يُذكر ما يُتحقَّق منه. فمن أراد فليقصد الاسمين والعنوانين. وهذه القاعدةُ لزمتني في موضعين آخرين فأصلحتُهما: كنتُ أنقل عن ألستون بصيغة «يقول» بلا مرجعٍ ولا صفحة — وقد صارت إعادةَ صياغةٍ مصرَّحًا بها ومعها مرجع؛ وكنتُ أنسب إلى كيث فرانكش صياغةَ مصطلحٍ في فقرةٍ كاملةٍ بلا مرجع — وقد أُثبت. والاعتذارُ الذي يُقبل في اسمٍ يُذكر عرَضًا لا يُقبل في اقتباسٍ مباشر.

٤) وما يخسره موقفي أنا: معضلةُ التطوّر

ساقت شارون ستريت حجّةً تقول: إنّ أحكامنا التقييمية تشكّلت بضغوطٍ انتخابيةٍ تُكافئ النجاةَ لا الصدق؛ فإن كانت ثمّ حقائقُ أخلاقيةٌ مستقلّةٌ عنّا، فما الذي يضمن أن تكون أحكامُنا وقعت عليها؟

ويُنقل هذا في العربية على أنّه «التطوّرُ يهدم الأخلاق فلم يبقَ إلا الوحي». وهو نقلٌ خاطئٌ من وجهين: أنّ ستريت بنائيّةٌ لا عدميّة، ونتيجةُ معضلتها عندها أنّ اللاواقعيّةَ هي الناجية لا أنّ الأخلاق تسقط؛ وأنّ المعضلة يُحتجّ بأنّها تصيب كلَّ واقعيّةٍ تجعل الحقائقَ مستقلّةً عن مواقفنا — والإلهيّةُ منها.

وهنا يلزمني تشديدٌ على نفسي. كنتُ كتبتُ «فمن استعملها سلاحًا وجّهه إلى صدره» — أي حسمتُ في هذا الاتجاه ما تركتُه موقوفًا في الاتجاه الأوّل، والمسألةُ متنازَعٌ فيها لا محسومة. فللإلهيّ هنا جوابٌ ليس عند غيره، ويسمّونه جوابَ العامل الثالث: أنّ المعضلةَ تطلب رابطًا بين أحكامنا والحقائق، ومن قال إنّ ملكاتِنا لم تُترك للانتخاب وحده — بل ثمّ صانعٌ ضَمِن المطابقة — فعنده رابطٌ مُدّعًى ينقطع عنده الاعتراضُ حيث لا ينقطع عند الطبيعيّ. بل إنّ من ينقض «العامل الثالث» على إينوخ وأمثاله يسلّم بأنّ الضمانَ الإلهيَّ يفلت من نقضه.

وهذا لا يعني أنّ الجواب ناجح: ثمنُه أن يتحمّل صاحبُه عهدةَ الربط — أن يبيّن كيف عمل الضمانُ في تاريخٍ تطوّريٍّ يُقاس بالأحافير والجينات، لا أن يُذكر اسمُه فيُكتفى به. فليست المعضلةُ سلاحًا صافيًا في يد أحد، ولا هي متساويةَ الوقع على الطرفين. ومن ساقها هدمًا للأخلاق فقد نقل عن ستريت ضدّ نصّها على كلّ حال.

خاتمةُ الباب

فما الذي بقي بعد هذا كلِّه؟

بقي سؤالٌ ثقيلٌ حقيقيّ، لا برهانٌ قاطع. وأصوغه لكلّ موقفٍ بلغته لا بلغتي — فقد كتبتُ الخاتمةَ أوّلَ مرّةٍ ثلاثةَ أسئلةٍ تبدأ كلُّها بـ«بأيّ حقّ»، أي بمفردات السلطة، وقد أقررتُ في أوّل الباب أنّ خصمي الأقوى يرفض هذه المفردات من أصلها — ثمّ أسقطتُه من المشهد الأخير بلا كلمة:

  • لمن قال إنّ الأخلاق اتّفاقٌ نافعٌ للبقاء: فما جوابُك لمن لا يرى النفعَ في حالته؟ ولمن كان اتّفاقُ قومه على الظلم نافعًا لهم؟
  • ولمن قال إنّها شعورٌ نشأ بالانتخاب: أتدين مجتمعًا كاملًا شعورُه غيرُ شعورك؟ وإن أدنتَه، فما الذي تقوله عنه غيرَ أنّك تنفر ممّا لا ينفر منه؟
  • وللتعبيريّ وشِبهِ الواقعيّ: بنيتَ فوق المواقف بناءَ الصدق والخطأ والثبات، فهل يبلغ بناؤك موضعًا تقول فيه للمجمعين على الظلم «أنتم مخطئون» بالمعنى الذي يفهمونه هم، أم بالمعنى الذي رتّبتَه أنت؟
  • وللبنائيّ: تنقيحُ المواقف يبدأ من مواقفَ قائمة. فإن كانت المواقفُ المبتدَأةُ فاسدةً في أصلها، أينقّحها التنقيحُ أم يصقلها؟
  • وللطبيعيّ الأخلاقيّ — وهو أقواهم عندي، فأسأله سؤالًا من جنسه لا من جنس السلطة: قلتَ إنّ «الخير» عنقودٌ من خصائصَ متساندةٍ تتعلّق بازدهار الكائنات الاجتماعيّة. وفي العالم عناقيدُ أخرى متساندةٌ كذلك: عنقودُ ما يخدم قبيلتي وحدَها متساندٌ متماسكٌ يفسّر السلوكَ ويتنبّأ به. فما الذي يجعل عنقودَك أنت هو المسمَّى خيرًا دون ذاك؟ (وجوابُهم معروفٌ ومعتبر: أنّ المرجعَ يتحدّد بما تشتبك به أحكامُنا فعلًا وبما ينجح في التفسير على المدى، لا باختيارٍ منّا. وأنا أقول: هذا جوابٌ يُحتمل، ولا أزعم أنّي أُسقطه.)
  • ولمن قال إنّها وقائعُ خامٌّ غيرُ طبيعيّة: كيف تدخل واقعةٌ مجرّدةٌ في مداولتي فتُرجّح؟ لا «بأيّ حقٍّ تُلزم» — فأنت لا تراها سلطة — بل: ما وزنُها في التداول، وبأيّ ميزان؟

وهذه أسئلةٌ باقيةٌ لا مطارقُ هادمة. عند كلٍّ منهم أجوبةٌ عرضتُ بعضَها، ولا أزعم أنّي أُسقط موقفًا منها. وعندي مثلُها: الاعتراضُ الرابع على القرن الثالث لم أجد له جوابًا، وفاتورةُ النصوص لم أدفعها في هذا الفصل.

وهذا سؤالٌ يظلّ مفتوحًا، ولا أزعم أنّه يُغلق الباب. وأمتنُ من كتب في هذا الميدان كلِّه — غراهام أوبي، وهو ملحدٌ يصرّح — انتهى إلى أنّ لا حجّةَ ناجحةً في الاتجاهين، إن كان «النجاحُ» إلزامَ الخصم العاقل.

وأنقله كاملًا هذه المرّة، فقد كنتُ أخذتُ منه نصفَ الجملة كما أخذ غيري نصفَ جملة ماكي: أوبي لا يقف عند التعادل. موقفُه المعلن في كتابٍ آخرَ أنّ الطبيعانيّة أرجحُ نظريًّا — أقلُّ مفترضاتٍ بالقدرة التفسيريّة نفسِها — وعدمُ نجاح الحجج عنده مقدّمةٌ يبني عليها ترجيحًا لا نقطةَ توقّفٍ في المنتصف. فمن اقتصر على شطر «لا حجّةَ ناجحة» أوهم أنّ الرجل واقفٌ حيث لا يقف. وأنا أوافقه في نفي النجاح وأخالفه في الترجيح، ولا أملك ما يُلزمه بمخالفتي.

وعلامَ بقيتُ أنا؟

وهذا سؤالٌ عادلٌ لم أطرحه، وأولى الناس بطرحه من قرأ فصلين أقول فيهما: هذا لا يُثبت، وهذا لا يُرجّح، وشاهدي لا يؤمن، وصاحبُ الحجّة رجع، وهذا الاعتراضُ لم أجد له جوابًا. ثمّ أختم بأنّي لا أبيعك يقينًا لا أملكه. فيحقّ لك أن تسأل: فإن كان هذا كلَّ ما في اليد، فلمَ لم تخرج أنت؟ والسكوتُ عنه يجعل الفصلَ تدقيقًا داخليًّا لأهلي أُذن لك بحضوره، لا خطابًا لك.

فأوّلُ ما أقوله: هذه الحجج ليست سببَ إيماني ولم تكن يومًا. ولو سقطت كلُّها اليوم ما تحرّك عندي شيء. وأقولها لأنّها تقطع طريقًا على من يبني عليها: من جعل إيمانَه قائمًا على «المشكلة الصعبة» ثمّ قرأ تشالمرز خسر الاثنين معًا.

والذي أقوله خبرًا عن نفسي لا حجّةً عليك — ثلاثة:

١. نشأة. وُلدتُ في بيتٍ مسلمٍ في بلدٍ مسلم، ولو وُلدتُ في غيره لكنتُ غيري على الأرجح. وأنا أعلم ما يقتضيه هذا: أنّ النشأةَ تفسّر الاعتقادَ ولا تصحّحه، وأنّ هذا الاعترافَ يُضعف موقفي لا يقوّيه. ولا أستطيع إنكاره، ومن أنكره عن نفسه فقد كذَب أو لم ينظر.

٢. تعاملٌ طويلٌ مع النصّ. أكثرُ عمري في هذا المشروع أُقابل حرفًا بحرفٍ وأعُدّ وأُحصي، وقد رددتُ في هذا العمل نفسِه دعاوى «إعجازٍ» عدديّةٍ كثيرةً لأنّ العدّ كذّبها، وأسقطتُ مقالاتٍ وأحاديثَ بعد أن كتبتُها. فليس الذي بقي عندي انبهارًا لم يُختبر. وهو مع ذلك حكمٌ إجماليٌّ على نصّ عاشرتُه، لا برهانٌ ينتقل إليك في سطر: من عاشر شيئًا طويلًا حكم عليه حكمًا لا يستطيع أن يضعه في مقدّمتين ونتيجة. وهذا حدُّه، ولا أرفعه عن حدّه.

٣. وميلٌ أُسمّيه ميلًا ولا أُسمّيه دليلًا: أنّ الوجودَ يبدو لي مطلوبًا منه معنًى، وأنّ سؤالي «لِمَ ثمّ شيءٌ لا لا شيء» لا يسكت. وأعلم أنّ سكوتَ السؤال ليس شرطًا لصدق الجواب، وأنّ من لا يجد هذا الميلَ في نفسه لا يُلام. فهو خبرٌ عن تركيبي لا حجّةٌ على تركيبك.

وأمّا لماذا لم أخرج: لأنّ الخروجَ جوابٌ أيضًا يحتاج إلى ما يحمله، لا فراغٌ يُترك فيه المرءُ بلا موقف. وأنا لم أجد ما يُلزمني به، كما لم أجد ما يُلزمك بالبقاء. وهذه هي نتيجةُ أوبي بعينها في نصفها الأوّل، وقد خالفتُه في نصفها الثاني وقلتُ إنّي لا أملك ما يُلزمه.

فإن خرجتَ من الفصلين على شكّك، فليس في هذا الكتاب سطرٌ يشترط عليك أن تقتنع. وإنّما اشترطتُ على نفسي شيئًا واحدًا: ألّا أبيعك يقينًا لا أملكه — ولا أن أخفي عنك أين أقف أنا حين أطالبك بأن تُعلن أين تقف.