Skip to content

إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر

قلتَ: هبْ أنّي سلّمتُ بخالق. هذا لا يعطيني دينًا. الطريقُ من «ثمّ علّةٌ أولى» إلى «هذا الكتابُ كلامُه» طريقٌ لم يمشِ فيه أحدٌ أمامي بخطواتٍ أستطيع تتبُّعَها. فبأيّ ميزانٍ أختبر دعوى من قال إنّه تكلّم؟

وكثيرٌ ممّن يُسأل هذا يجيب بالنتيجة: يقول لك ديني، ثمّ يسوق من الشواهد ما يخدمها. وههنا أربعةُ معايير، لكلٍّ منها سؤالٌ إجرائيّ، ومعه حدُّه: ما لا يبلغه، وأين يقف، وماذا يخرج من يده. فإنّ حدَّ الأداة من الأداة، ومن أعطاك أداةً بلا حدودها أعطاك نصفَها.

شرطان قبل المعايير — وثالثٌ ليس شرطًا بل اعتراف

الأوّل: الميزانُ يُوضع قبل أن تعرف الجواب. المعيارُ الذي تصوغه بعد أن تعلم أيَّ دعوًى تريد إنجاحَها ليس معيارًا، بل وصفًا لها. فلو كان في الأربعة معيارٌ مفصَّلٌ على مقاسنا فأنت في حقّك أن تشطبه. وسأُسمّي لك في المعيار الثالث شرطًا واحدًا بعينه لو وقع لقلتُ إنّ دعوانا باطلة؛ لأنّ من طالبك بشرط التكذيب أربعَ صفحاتٍ ثمّ لم يذكر شرطَ نفسِه، سقط في معياره في الورقة التي وضعه فيها.

والثاني: الميزانُ في متناول رجلٍ واحد — على ثلاث طبقات. ميزانٌ لا يُجريه إلا من أتقن ستَّ لغاتٍ وقرأ ألفَ مجلّد ليس ميزانًا، بل تأجيلٌ مهذَّب. ولستُ أزعم مع ذلك أنّك تقرأ خطًّا حجازيًّا مجرَّدًا من النقط والإعجام في أمسية؛ ذاك تدريبٌ لا وقت، وكذلك مخطوطاتُ البحر الميت. إنّما الذي يُجرى في أمسيةٍ طبقتان: أن ترى الصورَ منشورةً من جهةٍ لا تخاصم ولا تنصر، وأن ترى أين يُنشر اختلافُ النسخ — أفي حواشي أهله أم عند خصومه وحدَهم. والثالثةُ — المقابلةُ حرفًا بحرف — يفعلها المتخصّصون وقد فعلوا، وعملُك فيها أن تسأل: أنشروا ما وجدوا أم كتموه؟ ومن قال لك «افعلها بنفسك» وهو يعلم أنّك لا تستطيع، أعادك إلى «ثِقْ بي» من بابٍ خلفيّ.

والثالث اعترافٌ لا شرط: هذه الأربعة لا تجيب عن سؤالك الأصليّ. أنت لا تقارن بين نصَّين، أنت تقارن بين «نصٍّ من إله» و«لا شيء»: هل تفسّر الدعوى شيئًا لا يفسّره غيابُها؟ وذاك سؤالٌ مقارِن، والأربعةُ كلُّها داخليّة: تشتغل بعد عبور المسافة لا عليها. فهي مصفاةٌ لما يُدَّعى، لا دليلٌ على أنّ ثمّ ما يُدَّعى. ولو طويتُ هذا لكسبتُ صفحةً وخسرتُ الرسالة.

أوّلًا: سلامةُ النصّ

هذا أوّلُ الأربعة، وأقول لك لماذا — ثمّ أقول لك ما في تقديمه من ريبة.

هو أوّلٌ لأنّ نسبةَ تصوُّرٍ إلى نصٍّ بعينه لا تصحّ قبله: من لم يُثبت ما النصّ لم يجز له أن يقول «هذا الكتابُ يقول كذا». وليس أوّلًا لأنّه بوّابةٌ إلى كلّ ما بعده؛ فأنت تستطيع أن تفحص اتّساقَ تصوُّرٍ فحصًا تامًّا وأنت تجهل تاريخَ نقله بالكامل، لأنّ التناقضَ خاصّةٌ في القضايا لا في المخطوطات. وقد صغتُه أوّلَ مرّةٍ بوّابةً، وكان ذلك يُخرج التقاليدَ الشفويّةَ بأسرها من الميزان قبل أن تُسأل — وهذا غلط: تُسأل بالثاني والثالث والرابع، ويقول لها الأوّلُ شيئًا واحدًا هو أنّها لا تُثبَّت على لفظٍ بعينه.

والريبةُ في محلّها: المعيارُ الذي قدَّمتُه هو المعيارُ الذي لدعوانا فيه أحسنُ ما لديها. فلا تأخذ ترتيبي؛ خذ المعايير مبعثرةً وابدأ بأيّها شئت — فلا واحدَ منها يشترط سبقَ الآخر إلا في نسبة القول إلى الكتاب.

والسؤالُ الإجرائيّ ثلاثةُ أسئلةٍ صغيرة:

١. أهو موجودٌ بلغته الأولى، أم بترجمةٍ عن ترجمة؟ انظر: بأيّ لسانٍ قيل إنّه نزل؟ وهل بين يديك اليومَ نصٌّ بذلك اللسان، أم أنّ ما تقرؤه منقولٌ عن نقل؟ وكلُّ حلقةٍ في هذه السلسلة موضعُ تسرُّب. والدعوى التي لا يوجد أصلُها بلغته لا تسقط بذلك — لكنّها تصير دعوى عن نصٍّ لا دعوى نصّ.

٢. أله نُسخٌ قديمةٌ يمكن مقابلتُها؟ وهنا تحديدًا أنصحك ألّا تصدّق أحدًا، لا منّا ولا من خصومنا. المخطوطاتُ المصوَّرة منشورةٌ على الشبكة مجّانًا: مخطوطُ سيناء مصوَّرةٌ أوراقُه الباقيةُ كلُّها بمشروعٍ تشترك فيه المكتبةُ البريطانية وجامعةُ لايبتسغ ودير سانت كاترين والمكتبةُ الوطنية الروسية — وأقول «الباقية» لأنّ المخطوط ناقصٌ في أصله، وأكثرُ العهد القديم ذاهبٌ منه، والذي كَمَل تصويرُ ما بقي؛ ومخطوطاتُ البحر الميت منشورةٌ في مكتبة ليون ليفي الرقمية؛ ومصاحفُ القرن الأوّل والثاني وقراءاتُها في أرشيف «كوربوس كورانيكوم» بأكاديمية برلين-براندنبورغ. ولستُ أُحيلك عليها لتجد ما يسرّني، ولا أزعم أنّ فتحَها قراءتُها. أُحيلك عليها لأنّ الطبقتين الأوليَين تُجريان في أمسية: من نشرها؟ وهل هو خصمٌ أو حليف؟

٣. أثمّ خلافٌ في متنه، ومن الذي يذكره؟ هذا أدقُّ الثلاثة. كلُّ نصٍّ قديمٍ فيه خلاف، فوجودُ الخلاف ليس تهمة. إنّما التهمةُ أن يكون الخلافُ معلومًا عند أهله ومكتومًا عن غيرهم. فاسأل: أين يُنشر اختلافُ النسخ؟ أفي حواشي كتبهم هم، أم في كتب من يهاجمهم وحدَهم؟ والتقليدُ الذي يطبع خلافَه بنفسه — بأسماء رواته وأسانيده — يُعطيك سببًا لتصديقه في غيره. والذي لا تعرف خلافَه إلا من عدوّه، احسبْ أنّك لا تعرف نصَّه بعد.

وانتبه لحدٍّ يخلط فيه الجميع: سلامةُ النقل مسألةٌ غيرُ مسألة صدق المنقول. لو ثبت أنّ نصًّا وصل كما قيل حرفًا بحرف، فقد ثبت أنّه نصُّ من قاله — لا أنّ من قاله صادق. المعيارُ الأوّل يشترط ولا يُثبت. ومن ساق لك سلامةَ النقل برهانًا على المصدر قفز فوق خطوةٍ كاملة، فاردُدْه إليها.

ثانيًا: اتّساقُ التصوّر

الآن اقرأ في النصّ وصفَ الإله، ثمّ اسأل: أفي هذا الوصف تناقضٌ يهدمه من داخله؟

والسؤالُ الإجرائيّ سؤالٌ واحدٌ ودودُه أنّه بلا مراجع: خذ صفةً واحدةً وسِرْ بها إلى آخرها. ولن أسوق لك أخفَّ الاعتراضات وأسكت عن أثقلها، فإنّ ذلك أشهرُ حيلةٍ في هذا الباب.

إن قيل لك: واحدٌ لا شبيهَ له ولا جزءَ فيه — فههنا أربعةُ أسئلةٍ لا واحد، وأثقلُها ليس أوّلَها:

  • كيف نتكلّم عنه إذن، وكلُّ لفظٍ نملكه مأخوذٌ من عالم المشبَّهات؟
  • وإن كان قادرًا خيّرًا عالمًا، فما بالُ الشرّ في العالم — لا الشرّ الذي يصنعه إنسانٌ باختياره وحدَه، بل شرُّ الطفل يموت وجعًا؟ وهذا أثقلُ ما في الباب كلِّه بلا منازع.
  • ولمَ يخفى؟ فمن أراد أن يُعرف ويحاسب على المعرفة، ثمّ بقي في العالم من طلبه بإخلاصٍ فلم يجده — فما وجهُ ذلك؟
  • وإن علم ما سيكون علمًا سابقًا لا يتخلّف، فأيّ معنًى للتكليف بعده؟

ولكلٍّ من الأربعة أجوبةٌ مقرَّرةٌ عندهم، مبسوطةٌ في كتبها، بعضُها قديمٌ وبعضُها من هذا القرن. ولستُ أعرضها ههنا ولا أحكم فيها — لأنّ عملي في هذه الرسالة أن أدلَّك على مواضع الثقل لا أن أُقفلها عليك. فاطلبها، وانظر أتقنع. ومن ساق لك تصوُّرَه ولم يذكر إلا إشكالَ اللغة والتنزيه — وهو أخفُّها وأقدمُها حلًّا — فقد اختار لك خصمَه.

وإن قيل لك: واحدٌ صار جسدًا — فاسأل: ما الذي يجتمع في الشيء الواحد من المحدود وغير المحدود، وكيف؟ وكيف يُقال عن ذاتٍ واحدةٍ إنّها علمت ولم تعلم في وقتٍ واحد؟ وهذا سؤالٌ ثقيلٌ على ذلك التصوّر، وله عندهم أجوبةٌ فانظر أتقنع.

وإن قيل لك: آلهةٌ كثيرة — فاسأل: من يحكم بينهم إذا اختلفوا؟ فإن قيل فوقهم حاكم، فاسأل عن منزلته منهم؛ وإن قيل لكلٍّ مجالُه لا يعدوه، فاسأل عمّا يحدّ المجالات ومن حدَّها. وهذا سؤالٌ ثقيلٌ على ذلك التصوّر، وله عندهم أجوبةٌ — تقسيمُ المجالات، والتراتبُ الداخليّ — فانظر أتقنع.

ولاحظ أنّي لم أقل أيُّ التصوّرات ينجو، ولا في الثالث ولا في غيره. لأنّ هذا ليس عملي في هذه الرسالة، ولأنّ الأمانةَ تقتضي أن أقول لك: الاتّساقُ يُكتسب بثمن. كلُّ تصوّرٍ يُصلح تناقضًا ظاهرًا فيه بأن يعدّل صفةً أو يقيّدها، ومن عدّل فعليه أن يقول ماذا عدّل ولماذا. فاسأل عن الثمن كما تسأل عن النتيجة: أيَّ صفةٍ خفَّفوا حتى استقام لهم الوصف؟ وهل بقي المعبودُ بعد التخفيف هو المعبودَ الذي بدأنا به؟

ثالثًا: قابليةُ التكذيب

وهذا أقسى الأربعة، وهو الذي نحن أوّلُ من يقع تحته.

الدعوى التي لا يمكن أن تُكذَّب لا يمكن أن تُوزَن بهذا الميزان — وقفْ عند هذا الحدّ ولا تتجاوزه. فليس المعنى أنّها باطلةٌ ولا أنّها خاليةٌ من المعنى: «العالمُ الخارجيّ موجود»، و«الأعدادُ الأوّليّةُ لا تنتهي»، و«تعذيبُ بريءٍ لغير غايةٍ شرّ» — ثلاثٌ لا تنقضها تجربة، وهي مصدَّقةٌ على أساسٍ متين. وواضعُ المعيار نفسُه ردّ على من جعله ميزانًا للمعنى. فالمعيارُ حدُّ الآلة لا حدُّ الحقيقة، وأنا أذكر هذا في المتن لا في الحاشية، لأنّ ما يُقال في الحاشية يقرؤه واحدٌ من عشرة.

خذ نموذجًا — وأقول نموذجًا لأنّه مصنوعٌ للتوضيح لا حكايةٌ وقعت. أزعم أنّ في جيبي حجرًا يحفظك من السوء. فتقول: قد أصابني أمسِ سوء. فأقول: لولا الحجرُ لكان أشدّ. فتقول: وقد أصاب جاري خيرٌ ولا حجرَ معه. فأقول: بركةُ حجري تفيض على الجيران. لاحظ ما فعلتُه: كلُّ ما قد يقع في الدنيا أصبح شاهدًا لي. وذلك بالضبط عيبي لا فضلي. الدعوى التي تبتلع كلَّ نتيجةٍ محتملة لم تقل شيئًا عن العالم.

فما شكلُ الدعوى القابلة للتكذيب في كلامٍ يُنسب إلى إله؟ أن يقول شيئًا يمكن لواقعةٍ أن تنقضه: أن يزعم عن نصّه حفظًا يُقابَل بالمخطوطات؛ أو يخبر عن حادثةٍ في زمنٍ ومكانٍ يُنقّب فيهما؛ أو يقرّر عددًا يُعدّ؛ أو يَعِد بأمرٍ في أجلٍ يُنتظر؛ أو يُقرأ فيه خبرٌ عن الطبيعة على أنّه تقريرٌ علميّ. وهذا الأخيرُ بابٌ يدخله كثيرٌ من أهلي، ومن دخله فقد قبِل الامتحان بيده: إن خالفه ما يُقاس لزمه أن يُسقط قراءتَه كما نُسقط العدد. ولستُ أحكم لك ههنا في نتيجته؛ أقول: هذه دعوى من الصنف الذي يُوزن، فزِنْها.

ولماذا قلتُ إنّه علينا؟ لأنّه يحرّم على المؤمن أسهلَ حركةٍ في يده: أن يعيد تأويلَ كلّ ما خالفه فيصير الخلافُ موافقة. وكثيرٌ من «الدفاع عن الدين» يعيش في هذه الحركة بالضبط. والمعيارُ يقول: من فعل ذلك لم يخسر جولةً، بل خسر حقَّه في أن يُوزَن أصلًا.

وههنا شرطي أنا، صريحًا كما طلبتَ: لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل — من جهةٍ أكاديميّةٍ لا تخاصمنا ولا تنصرنا — نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات، لا في النقط والإعجام ورسم الألف، خلافًا لا تردّه قراءةٌ معروفةٌ منقولةٌ بسندها — لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة، ولقلتُها. هذا شرطٌ مفتوحٌ اليوم، والأرشيفُ الذي أحلتُك عليه هو نفسُه موضعُ إجرائه، وباحثوه غيرُ متّفقين، ولا أعرف نتيجتَه قبل أن تقع.

وأمّا ما وقع فعلًا فأصغرُ منه، وأقولُه بحجمه: قابلنا نصَّ المصحف الذي نعرضه على مصدرٍ ثالثٍ لا هو نحن ولا ناقلُنا، فشذَّت خمسةُ مواضعَ من ستّة آلافٍ ومئتين وستّةٍ وثلاثين — كان الخطأُ فيها كلِّها عندنا، فيها ألفٌ مقصورةٌ زائدةٌ لا تكشفها عين، وفيها وصلُ كلمتين فصلهما الرسمُ فاختلّ عددُ الكلمات في فهرسنا. أصلحناها وكتبنا أنّها كانت. وعددنا بالحاسوب دعاوى عدديّةً مشهورةً تُساق في كتب «الإعجاز»، فخالف العدُّ أربعًا كنّا نعرضها فأسقطناها. ولم نُسقطها لأنّها تضرّنا في الجدل، بل لأنّها كانت قابلةً للاختبار فاختُبرت فسقطت.

وأعلم أنّ هذا ليس جرحًا بليغًا. أربعُ مقالاتٍ في بابٍ يتبرّأ منه كثيرٌ من أهل العلم عندنا أصلًا، وخمسةُ حروفٍ في نقلٍ إلينا. هو فعلٌ وقع لا كلامٌ قيل، وذاك كلُّ ما أدّعيه له. والجرحُ البليغُ شرطُه المكتوبُ قبل قليل، ولم يقع بعد. فاحسبْ لي الصغيرَ صغيرًا واحبسْ عنّي الكبيرَ حتى يقع.

واستعمل هذا المعيار سؤالًا لا مقصلة: ما الذي لو وقع لَعلمتُ أنّ هذه الدعوى باطلة؟ فإن لم يكن لدعوًى جوابٌ عن هذا السؤال، فاعلم أنّها خارج الآلة — ولا تحسب خروجَها منها حكمًا عليها.

رابعًا: أثرُه في حامله

وأقول قبل أن أشرحه: هذا أضعفُ الأربعة، ولا يُعتدّ به إلا مؤيِّدًا.

سببُ ضعفه أنّه أكثرُها عرضةً للانتقاء. لكلّ دينٍ صالحون تسوقهم كتبُه، وطالحون تسوقهم كتبُ خصومه، والعيّنتان مختارتان. ومن حسم بهذا المعيار فقد حسم بمن قرأ عنهم لا بمن هم.

فإن أردتَ أن تستعمله على وجهٍ يُحتمل، فبصيغةٍ واحدة: لا تسأل «أأهلُه أخيارٌ أم أشرار؟» — بل اسأل: حين أساء أهلُه، أأساؤوا من نصّه أم عليه؟ أي: هل يجد الظالمُ في المتن ما يبني عليه بلا تعسُّف، أم يحتاج أن يخنق النصَّ ليخرج منه ما يريد؟

ولن أتركك بلا موضعٍ تبدأ منه، فأبدأ بنا. التُّهَمُ القائمةُ على تقليدنا معروفةٌ ومعدودة، وهذه ثلاثٌ منها بأسمائها: القتالُ ومن يُقاتَل ولماذا · ملكُ اليمين · حدُّ المرتدّ. خذ واحدةً، ثمّ أجرِ المعيار على أربع خطوات: ما اللفظُ الذي يستند إليه المسيء؟ وهل يستند إليه مجرَّدًا أم بشروطٍ في سياقه أسقطها؟ وهل خالفه في ذلك أهلُه أنفسُهم، ومتى بدأ الخلاف — أبعد أن صار التقليدُ محرَجًا، أم قبله بقرون؟ وهل يُطبع خلافُهم عندهم أم عند خصومهم؟ ولن أُجيبك عن الثلاث ههنا — لأنّ جوابها أطولُ من رسالةٍ ولأنّي لا أريدك أن تأخذ عنّي نتيجةً في بابٍ سبيلُك فيه أن تقرأ بنفسك. أريدك أن تعلم أنّي أعرف أين يوجَّه المِسبار، وأنّي وجّهته إلينا قبل غيرنا.

والمعيارُ نفسُه يُجرى على المذاهب غير الدينيّة بالصيغة عينها: كلُّ دعوًى تُحرّك الناس تُسأل: حين أساء حاملوها، أأساؤوا منها أم عليها؟ ولا يُعفى منها مذهبٌ لأنّه لا يذكر إلهًا.

والسؤالُ الإجرائيّ فيه لطيف: اقرأ ما يقوله المخالفون من أهله عن أنفسهم. تقليدٌ يحتمل نقدَ أبنائه له، ويطبعه، غيرُ تقليدٍ لا يخرج منه صوتٌ إلا مصفِّق. وهذا سؤالٌ يبقى فيه للقارئ حظٌّ كبيرٌ من التأويل، ولذلك بقي المعيارُ ضعيفًا. وأنا أُبقيه في القائمة ولا أرفعه فوق مقامه.

كيف تجمع الأربعة

هي ميزانٌ لا مفتاح. لا يحسم واحدٌ منها وحده:

  • الأوّلُ شرطٌ للنسبة: من سقط فيه لم يجز له أن ينسب قولًا إلى كتابٍ بعينه — ولم يُمنع من فحص القول نفسِه.
  • والثاني مانع: التصوّرُ المتناقضُ من داخله لا ينقذه نقلٌ سليم.
  • والثالث مُدخِلٌ إلى الوزن: من لم يقل شيئًا يُكذَّب لم يدخل الميزانَ أصلًا، لا سقط فيه.
  • والرابع مؤيِّدٌ لا أكثر، ولا يُقلب وحده كفّة.

وثلاثةٌ منها تُجرى على الورق، وواحدٌ يُجرى على الناس. والأولى أوثق.

وسألتَني: وماذا أصنع بما لم يدخل الميزان؟ أصنع به هذا: إلهُ الربوبيّين، وإلهُ سبينوزا، والتصوّرُ التنزيهيُّ الصرف — هذه لا يمسّها الأوّلُ لأنّها بلا نصٍّ تُنسب إليه، ولا الثالثُ لأنّها لا تقول شيئًا تنقضه واقعة. ويبقى عليها الثاني كاملًا — والاتّساقُ وحدَه بابٌ طويل. فليس معنى «خارج الميزان» أن تُهمَل، بل أن معيارَين من أربعةٍ يسكتان عنها.

وأُقرّ لك بما يترتّب على ذلك، وهو ثقيل: المعيارُ الثالث يُخرج أقوى صور التألُّه ويُبقي أضعفَها — أي التي التزمت بشيءٍ يُقاس. وليس ذلك تصميمًا بل لازمًا، وثمنُه أنّ دعوًى لا تقول شيئًا تنجو من هذه الآلة أبدًا. وما أملك في مقابله إلا ملاحظةً واحدة: أنّ التي دخلت الميزانَ إنّما دخلته لأنّها خاطرت بقولٍ يُنقض، والتي لم تدخل لم تخاطر. وهذه ليست حجّةً على صدقها؛ هي فرقٌ في نوع الدعوى لا في قيمتها.

وسألتَ: وماذا لو اجتاز أكثرُ من واحد؟ فأقول: لا شيء. هذه المصفاةُ لا ترتّب الناجين، وليس عندي في هذه الرسالة معيارُ ترجيحٍ بعد النجاة. والترجيحُ يقتضي سؤالًا مقارِنًا — من صنف السؤال الذي جئتَ به — والأربعةُ داخليّةٌ كلُّها. فهذا نقصٌ في الميزان أُسمّيه ولا أُغطّيه.

وأصدقُ ما فيه أنّه يُسقط ولا يُثبت. لو اجتاز نصٌّ الأربعةَ كلَّها لم يلزم منه أنّه من الله؛ يلزم منه أنّه نجا من أربعة أبوابٍ يسقط فيها أكثرُ ما يُدَّعى. وهذا قليل. لكنّه القليلُ الذي تملكه، وهو خيرٌ من كثيرٍ لا تملكه.

وهذه رسالةٌ لا برهان

لم أُثبت لك شيئًا في هذه الصفحات، ولم أقصد. أعطيتُك أداةً، والأداةُ لا تحمل نتيجتَها في جوفها.

ولستُ أزعم أنّي ملأتُ يدًا جئتَ بها فارغة؛ الأربعةُ ليست مبتكَرةً ولا خافية، ومن جادل أسبوعًا يعرفها. الذي أزعمه أصغر: أنّها ههنا مجموعةٌ مرتَّبةٌ في مكانٍ واحد، ومعها حدودُها مكتوبةً بيد من يخسر بها.

فاحملها إلى كلّ ما عُرض عليك، وابدأ بنا: انظر من نشر المخطوطات وأين يُطبع خلافُ النسخ، واقرأ في وصف الإله واطلب أثقلَ الاعتراضات لا أخفَّها، واسأل عن الدعاوى التي يمكن أن تُكذَّب ثمّ اختبرها، ولا تصدّقني في رقمٍ حتى تعدّه. وقد كتبتُ لك شرطي: إن ظهر ذلك المصحفُ المخالفُ فأسقطنا — وليس هذا كرمًا منّي، بل هو المعيارُ الثالثُ مُجرًى على صاحبه، ولو امتنعتُ منه لسقطتُ فيه.

وإن خرجتَ من هذا كلِّه بلا شيء، فقد خرجتَ بميزانٍ في يدك. وذاك — لا موافقتُك لي — هو ما كتبتُ من أجله.