Skip to content

٤. كيف نعرف أنّ شيئًا صحيح؟

السؤال: بأيّ ميزانٍ نزن دعوى، ومتى يحقّ لنا أن نقول «ثبت»؟

الجوابُ في سطرين: بمقدارٍ من الوثوق يناسب نوعَ المسألة — فالبرهانُ القاطع نادرٌ خارج الرياضيات، وأكثرُ ما نبني عليه حياتَنا كلَّها ترجيحٌ لا قطع. وأخطرُ أداةٍ في هذا الباب اسمُها الاستدلالُ بأفضل تفسير، وعليها يقوم الطبُّ والقضاءُ والتاريخُ — وهي التي سنشرحها بأطول ممّا سواها، وسنذكر عطبَها الأكبر ولا نجد له جوابًا حاسمًا.

ثلاثةُ أبوابٍ للمعرفة، ولكلٍّ عطبُه

نحن لا نعرف بطريقٍ واحد.

الأوّل: الحسّ — ما رأيتَه أو سمعتَه أو لمستَه. وعطبُه أنّه محدودٌ ويُخدَع: عصًا مستقيمةٌ تبدو منكسرةً في كوب ماء، وأنت تعلم أنّها لم تنكسر. ولا يعني هذا أنّ الحسّ باطلٌ — يعني أنّه يُصحَّح بغيره.

والثاني: العقل — ما تلزمك صحّتُه بمجرّد تصوّره: أنّ الشيء لا يكون موجودًا معدومًا في وقتٍ واحدٍ من جهةٍ واحدة، وأنّ الجزء أصغرُ من الكلّ. وعطبُه أنّه لا يعطيك وقائع: العقلُ وحدَه لا يخبرك أنّ في المطبخ خبزًا.

والثالث: الخبر — ما نقله إليك غيرُك. وهو أوسعُ أبوابك على الإطلاق، وإن أنكره منكرٌ باللسان: أنت لم ترَ اليابان، ولم تشهد مولدَ أمّك، ولا قِستَ سرعةَ الضوء. وعطبُه أنّ الناقل قد يكذب أو يخطئ — فيُنظر في الناقل نفسِه: أثقةٌ هو؟ أضبطَ ما نقل؟ أتوافق مع مستقلٍّ عنه؟

والمثال الجامع: تدخل مطعمًا فتشمّ رائحةَ غازٍ خفيفة. حسُّك أعطاك الرائحة. وعقلُك ربط: هذه الرائحةُ تلازم التسرّب. وخبرُ الناس عرّفك أصلًا أنّ الغازَ يُخلط بمادّةٍ ذات رائحةٍ ليُكتشف. ثلاثةُ أبوابٍ في ثانية واحدة، ولم يستغنِ واحدٌ منها عن الآخرين. فمن قال «لا أقبل إلا ما رأيتُ بعيني» فقد ألغى البابين الآخرين ثمّ استعملهما في اليوم نفسِه ألفَ مرّة.

وحدُّ هذا التقسيم: أنّه يبيّن أنّ الخبر بابٌ للمعرفة في الجملة، ولا يبيّن أنّ خبرًا بعينه صحيح. والفرقُ بين البابين هو الفرقُ بين «الخبرُ يصلح مستندًا» و«هذا الخبرُ مستندٌ صالح» — والثانيةُ تُبحث خبرًا خبرًا، ولا يُغني عنها التقسيم.

عبءُ الإثبات: من يحمله ولماذا

القاعدة: العبءُ على من ادّعى، لا على من سكت. وسببُها عمليٌّ محض: لو كان العبءُ على المنكر، لصار على كلّ إنسانٍ أن يُبطل كلَّ دعوى خطرت لأحد — وذاك مستحيلٌ عمليًّا، فتصير كلُّ دعوًى صحيحةً حتى تُنفى، ويستوي الصدقُ والكذب.

والمثال: يدّعي رجلٌ عليك دَينًا. المحكمةُ لا تطلب منك أن تُثبت أنّك لا تدين له بشيء — تطلب منه هو الوصلَ أو الشاهد. ولو عكستَ القاعدةَ لكفى أن يدّعي عليك ألفُ رجلٍ فتُفلس وأنت بريء.

وهنا يقع خطآن، واحدٌ في كلّ جهة:

خطأُ من يطالب من لا دعوى له. من قال «لم تكفِني الأدلّة» لم يدّعِ شيئًا يُطالَب ببرهانه؛ ومطالبتُه ببرهانٍ على العدم مطالبةٌ بما لا يلزمه. ولا يلزمه كذلك أن يفنّد ما لم يُعرض عليه: من طُولب بأن يردّ «دليلًا دليلًا» كلَّ ما قيل في الباب منذ ألفي سنة، طُولب بما لا يُطاق، وذاك عبءٌ غيرُ محدود، وهو صورةٌ أخرى من الظلم في المناظرة.

وخطأُ من يجمع بين موقعين. من بنى على «لا إله» موقفًا وخطابًا ودعوةً إلى موقفه، ثمّ قال عند المطالبة «أنا لا أدّعي شيئًا» — فقد جمع بين عبءَي صفّين مختلفين. ولا نقول: هو يستتر ولا يخادع — تلك أحكامٌ على النيّة لا نملكها، وقد أُسقطت من هذا الموضع لهذا السبب. نقول: الموقعان لا يجتمعان، والمخرجُ سؤالٌ لا تهمة: أيّهما تلتزم الآن؟ فما التزمه أُخذ به وسقط عنه ما سواه.

وقاعدةٌ تُنسى: عبءُ الإثبات ليس نتيجةً. من نجا من العبء لم يُثبت دعواه، إنّما أُعفي من إثباتها. وأنبِّه إلى موقفٍ فلسفيٍّ رصينٍ يحسن أن يُعرف هنا: يرى غراهام أوبي — وهو ملحد — أنّه لا حجّةَ ناجحةً في الاتجاهين، بمعنى أنّ أحدًا لم يقدّم ما يُلزم خصمَه العقلانيّ `oppy-2006-arguing-gods`. فمن نقل عنه أنّه «فنّد أدلّة المؤمنين» أخذ نصفَ الميزان وترك نصفَه. ونزيد ما يلزم من الأمانة: أوبي مع ذلك ليس واقفًا في منتصف الطريق؛ هو طبيعانيٌّ يرى الطبيعانيّةَ أرجحَ نظريًّا، أي أنّه في الصفّ الثالث من جدولنا لا في الصفّ الرابع. فمن نقله «محايدًا لا يرجّح شيئًا» أخطأ عليه من الجهة المقابلة.

الاستدلالُ بأفضل تفسير — أهمُّ أداةٍ في هذا الكتاب

أكثرُ ما تعرفه اليوم لم تصل إليه ببرهانٍ رياضيّ ولا بمشاهدةٍ مباشرة، بل بهذه الأداة: أن ترى آثارًا، فتسأل: ما الذي لو صحّ لفسّرها كلَّها أحسنَ من غيره؟ ثمّ تأخذ به.

المثالُ الأوّل، من الطبّ. يدخل رجلٌ العيادةَ بحرارةٍ أربعين وسعالٍ جافٍّ وضيقٍ في التنفّس. الطبيبُ لا يرى بكتيريا قطّ — ولا رآها في حياته المهنيّة كلِّها بعينه المجرّدة. يرى تحليلًا فيه ارتفاعُ الكرّات البيضاء، ويسمع بالسمّاعة صوتًا في قاعدة الرئة اليمنى، ويقرأ في صورةٍ كثافةً في الموضع نفسِه. فيقول: التهابٌ رئويٌّ بكتيريّ.

كيف حكم؟ جمع الآثارَ الثلاثة، ثمّ سأل: أيُّ فرضٍ يفسّرها مجتمعةً؟ فرضُ «التهابٍ فيروسيّ» يفسّر الحرارةَ ولا يفسّر صورةَ الكثافة ولا ارتفاعَ الكرّات على هذا النحو. وفرضُ «حساسيةٍ» لا يفسّر الحرارةَ أصلًا. ففرضٌ واحدٌ يجمع الشتاتَ، وسواه يترك بقايا.

والمثالُ الثاني، من التحقيق الجنائيّ. غرفةٌ مغلقةٌ من الداخل، ونافذةٌ مكسورةٌ زجاجُها متساقطٌ إلى الداخل، وأثرُ حذاءٍ في التراب تحتها، وخزنةٌ مفتوحةٌ بلا كسر، وكلبُ البيت لم ينبح. لم يشهد أحد. ومع ذلك يبني المحقّق حكمًا: دخل من النافذة، وهو يعرف البيتَ وأهلَه (لأنّ الكلب سكت، ولأنّ الخزنة فُتحت بالرقم لا بالعنف).

ولاحظ ما فعله: هو لم يشاهد شيئًا. جمع خمسةَ آثارٍ يجمعها فرضٌ واحدٌ أحسنَ ممّا يجمعها سائرُ ما خطر له. وكلُّ أثرٍ منها وحده ضعيف — الزجاجُ قد ينكسر بحجرٍ عابر، والكلبُ قد يكون نائمًا — ولكنّ اجتماعها هو الحجّة.

وانتبه إلى صيغة الجملة: لم نقل «لا يجمعها إلا فرضٌ واحد»، بل «أحسنَ ممّا يجمعها سائرُ ما خطر له». والفرقُ بين الصيغتين هو الفصل بينهما وبين سطرين يأتيان بعد قليل: سيأتي فرضٌ آخر يجمع هذه الآثارَ الخمسة — بل أحسن — ولم يخطر للمحقّق. وذاك موضعُ عطب الأداة، وسنقف عنده صريحًا في الشرط الثاني.

وشروطُ استعمال هذه الأداة خمسة، من أخلّ بواحدٍ منها أفسدها:

١. أن يفسّر التفسيرُ أكثرَ ما عندك، لا أطرفَ ما عندك. التفسيرُ الذي يفسّر واقعةً ويترك أربعًا ليس أفضلَ تفسير.

٢. أن تكون القائمةُ التي تختار منها واسعة. كلمةُ «أفضل» نسبيّةٌ إلى ما خطر لك. وهذا أخطرُ عطبٍ في الأداة كلِّها، ومثالُنا نفسُه يقع فيه — ونعرضه على وجهه لا مختصرًا:

ارجع إلى الغرفة. لو لم يخطر للمحقّق أنّ ابنَ صاحب البيت عاد ليلًا ورتّب مظهرَ سطو، لصار «أفضلُ ما عنده» أفضلَ ما في قائمةٍ قصيرة. والأسوأ من ذلك أنّ الفرض المتروك أقوى من فرضه: غرفةٌ مغلقةٌ من الداخل، وخزنةٌ فُتحت بالرقم، وكلبٌ لم ينبح، وزجاجٌ متساقطٌ إلى الداخل — وهو أثرُ كسرٍ من الخارج، أو من داخلٍ رُتّب ليبدو كذلك. فهذه الخمسةُ تجتمع على «فاعلٌ من أهل البيت» أحسنَ ممّا تجتمع على «دخيلٌ يعرف البيت»، لأنّ الثاني يبقى مدينًا بجوابٍ عن الرقم وعن سكوت الكلب، والأوّلَ يفسّرهما بلا زيادة. والذي أخرجه من القائمة ليس دليلًا، بل أنّه لم يخطر. ولذلك كان هذا الشرطُ أخطرَها. وهذا المثالُ نفسُه سيقف في وجهنا حين نستعمل الأداةَ في باب الوجود: ما القائمةُ هناك؟ ومن يضمن أنّ فيها ما لم يخطر لأحد؟

٣. أن يُفضّل التفسيرُ الذي يُخاطر. أقوى التفسيرات ما يقول: إن كنتُ صادقًا فستجد كذا. الطبيبُ يعطي المضادَّ الحيويَّ ويقول: تنكسر الحرارةُ خلال ثمانٍ وأربعين ساعة. ثمّ يعود ليقيس. وتفسيرٌ يوافق كلَّ شيءٍ سلفًا ولا يمنع شيئًا لا يُختبر أصلًا. وهذا الشرطُ يُوجَّه إلينا قبل غيرنا، وسيأتي في هذا الفصل موضعٌ نُعمله فيه على أنفسنا.

٤. ألّا تُضاعف الفروضَ بلا حاجة. إذا وسِعَك فرضٌ واحدٌ فلا تفترض ثلاثة اتّفق اجتماعُها في ليلة. وهذا ترجيحٌ عند تساوي التفسير، لا قاعدةٌ تسبقه: المريضُ المسنّ ذو الملفّ الثقيل قد يكون عنده ثلاثةُ أمراضٍ فعلًا. ومن استعمل هذا الشرطَ فليعلم أنّه بابٌ يُدخل منه عليه: «الأبسط» يحتاج مقياسًا، ودعوى الطبيعانيّ أنّ مذهبه أبسط تقوم على هذا الشرط بعينه.

٥. أن تعلن ما يُبطل تفسيرَك. إن قال المحقّق: «ولو ظهر أنّ الزجاج متساقطٌ إلى الخارج سقط تحليلي كلُّه» — فقد أعطاك ميزانًا تزن به. ومن لم يقل ما يُبطل قولَه، لم يقل شيئًا يُختبر. وسيُطالَب هذا الكتابُ بهذا الشرط في آخر هذا الفصل، ويُجيب.

وحدُّ هذه الأداة — ويجب أن يُقال: قوّتُها في الطبّ والتحقيق تأتي من أنّك تعرف المعدَّلاتِ سلفًا: تعرف كم يشيع الالتهابُ الرئويّ، وتعرف كيف يتصرّف اللصوص، ولك سوابقُ لا تُحصى. وفي المسائل التي لا سوابقَ لها — كنشأة الكون — يضعف الاستدلالُ بقدر ما تضعف معرفةُ المعدّلات. وهذا اعتراضٌ جادٌّ يواجه كلَّ من استعمل الأداةَ في أسئلة الوجود الكبرى، مؤمنًا كان أو ملحدًا، ولا أعرف له جوابًا حاسمًا.

البرهانُ القاطعُ والترجيح: فرقٌ لا يُهمَل

البرهانُ يُلزم: من قبِل المقدّمات لزمته النتيجةُ ولا مهرب. والترجيحُ يرفع الاحتمال ولا يُلزم: يجعل الفرضَ أولى بالقبول، ويبقى لمخالفك أن يخالف بلا تناقض.

وأمانةً: أكثرُ ما يُساق في هذا الباب من الجهتين ترجيحٌ لا برهان، وأصحابُه أنفسُهم يقولون ذلك حين تُقرأ كتبُهم لا مختصراتُها. فروبن كولنز — وهو من أمتن من صاغ حجّة الضبط الدقيق — يصرّح بأنّها حجّةُ تأييدٍ احتماليّ لا برهانُ إثبات، وأنّها ترجّح الإلهيةَ على الطبيعانيّة ذاتِ الكون الواحد فحسب `collins-2009-teleological`. وريتشارد سوينبرن يبني حجّةً تراكميةً ينتهي فيها إلى احتمالٍ يزيد على النصف — لا إلى يقين، وينصّ هو نفسُه على تعذّر إعطاء قيمٍ عدديةٍ دقيقة، ويحسب الشرَّ في الميزان دليلًا ضدّه `swinburne-2004-existence`. فمن نقل عنهما «برهانًا قاطعًا» نسب إليهما ما ينفيانه بأنفسهما.

وقد كان في نسخةٍ أولى من هذا الموضع أنّ سوينبرن ينتهي إلى «احتمالٍ يزيد على النصف بقليل». و«بقليل» تقديرٌ منّا نُسب إليه وهو ينصّ على تعذّر التدقيق العدديّ — فحُذفت. وهي من جنس ما يعيبه هذا الفصلُ على غيره، ووقعنا فيه بكلمةٍ واحدة.

وطلبُ البرهان القاطع في كلّ شيءٍ ليس تشدّدًا في المنهج، بل هدمٌ له. لو لم تقبل إلا القاطع لسقط التاريخُ كلُّه، وأحكامُ القضاء كلُّها، وتشخيصاتُ الأطبّاء كلُّها. ولا أحدَ يعيش هكذا يومًا واحدًا.

ودليلٌ راجحٌ يبقى قابلًا للنقض — وهذه فضيلةٌ لا عيب. نُشرت سنة ٢٠١٢ دراسةٌ في *Science* خلصت — في أربع تجاربَ ومعها ارتباطٌ أوّليّ — إلى أنّ التفكير التحليليّ يزيد عدمَ التصديق الدينيّ، فطارت في النقل العربيّ والغربيّ جميعًا `gervais-norenzayan-2012-analytic`. ثمّ أُعيدت إحدى تجاربها الأربع سنة ٢٠١٧ إعادةً مباشرةً مسبقةَ التسجيل على عيّنةٍ أكبر، فلم يُوجد الأثر — بل خرج الأثرُ المقيس في الاتّجاه المعاكس وفي حدود الصفر `sanchez-2017-replication`.

ولاحظ الدقّة مرّتين: التكرارُ لم يُثبت العكس؛ لم يقل إنّ التفكيرَ التحليليّ يزيد الإيمان. قال: الدعوى الأصليّة بلا سند. والفرقُ بينهما هو موضعُ الغلط في أكثر ما يُنقل. والدقّةُ الثانية: أنّ الساقطَ تجربةٌ من أربع لا الورقةُ كلُّها، فمن قال «سقطت الدراسة» زاد على المقيس. وهذه الدقّةُ في صالح الحجّة لا ضدَّها، لأنّ الفصل كلَّه في الدقّة.

خمسُ مغالطاتٍ — ومن أين يُضرب المثل

١. مغالطةُ التكوين: أن يُحكم على الدعوى بمنشئها لا بمضمونها.

  • *يقع فيها المتديّن*: «هذا الرجلُ ترك دينه لأنّ أباه ضربه — فاعتراضُه ساقط». وليس كذلك: منشأُ سؤاله شيء، وصحّةُ سؤاله شيءٌ آخر. وقد يكون اعتراضًا وجيهًا خرج من جرح. ونقولها بغير مواربة: من جاء هذا المجيء فسؤاله يُسمع كما يُسمع سؤالُ من جاء من الكتب، ولا يُنقص منه شيءٌ لأجل الباب الذي دخل منه.
  • *ويقع فيها المتديّن أيضًا في الجهة المقابلة*: «هذا الرجلُ آمن بعد كربةٍ نجا منها — فإيمانُه انفعال». وهي المغالطةُ نفسُها منعكسة، ويقولها المنكر عن المؤمن كما يقولها المؤمن عن المنكر.
  • *ويقع فيها الملحد*: «تبيّن أنّ في الدماغ جهازًا مفرطَ الحساسية لكشف الفاعلين، وأنّ الاعتقادَ الدينيّ ناتجٌ عنه — إذن هو وهم». والقاعدةُ تردّه بذاتها: تفسيرُ نشأة اعتقادٍ لا يفصل في صدقه ولا كذبه، وإلا لبطل كلُّ اعتقادٍ له تاريخٌ نفسيّ — ومنها اعتقادُ القائل. وأصلُ فكرة الجهاز عند باسكال بواييه في تفسيرٍ نشوئيٍّ لأصل الاعتقاد `boyer-2001-religion-explained`؛ وأصرحُ من ذلك أنّ جستن باريت — صاحبَ صياغة الجهاز — مسيحيٌّ ملتزم يبني كتابه على أنّ الأصلَ المعرفيّ لا يُبطل المعتقد، ويعقد لذلك فصليه السابع والثامن `barrett-2004-why-believe`. والعجيبُ أنّ الطرفين يقعان في المغالطة نفسِها: هذا يقول «العلمُ أثبت أنّ الدين وهمٌ دماغيّ»، وذاك يقول «العلمُ أثبت الفطرة» — والبحثُ الواحدُ لا يقول أيًّا منهما.
وضبطُ النقل هنا: نسبنا في نسخةٍ أولى إلى بواييه تصريحًا بأنّ تفسير النشأة لا يفصل في الصدق. ولم نثبّت هذا التصريح بصفحةٍ ولا فصل، فرددناه إلى ما نملك: القاعدةُ عامّةٌ تقوم بنفسها، والنسبةُ المصدَّقة إلى باريت وحده. ودعوى تُنسب إلى قائلٍ أثقلُ من قاعدةٍ تُقال بلا نسبة، لأنّ نسبةَ الشاهد إلى صفّ الخصم تزيدها وزنًا لا تملكه بذاتها.

٢. رجلُ القشّ: أن تصنع صورةً ضعيفةً من قول خصمك ثمّ تكسرها.

  • *يقع فيها المتديّن*: يُنقل عن ج. ل. ماكي أنّه «ملحدٌ يعترف بأنّ الأخلاق الموضوعية تحتاج إلهًا». والعطبُ ليس أنّ القول مختلقٌ عليه — وهذا تصحيحٌ لِما كُتب هنا أوّلَ مرّة. ماكي قال الشرطيّةَ بعينها في *The Miracle of Theism*: لو وُجدت قيمٌ أخلاقيةٌ موضوعية لكانت الإلهيّةُ أقربَ إلى تفسيرها من الطبيعانيّة `mackie-1982-miracle`. فالعطبُ في إسقاط الشرط: هو ينكر مقدَّمَ الشرطيّة إنكارًا صريحًا، و«حجّةُ الغرابة» عنده حجّةٌ على أنّ الأخلاق الموضوعية غيرُ موجودة أصلًا `mackie-1977-ethics`. فمن نقل التالي وطوى المقدَّمَ نقل نصفَ جملة. ونحن حين رددنا النسبةَ بأنّها «رجلُ قشّ» وقعنا في نظير ما نعيب: رددنا شيئًا ثابتًا عن الرجل بقيده، فصار الردُّ على غير موضعه.
  • *ومثلُه بترُ عبارة ريتشارد دوكنز*: «البيولوجيا دراسةُ أشياءَ معقّدةٍ تبدو مصمَّمةً لغرض» — وهي في موضعها مقدّمةُ ردٍّ يمهّد بها لنقض دعوى التصميم، لا اعترافًا بها `dawkins-1986-watchmaker`.
  • *ويقع فيها الملحد*: يُختصر برهانُ الحدوث في «كلُّ شيءٍ له سبب، فمن سبَّب الله؟» — وأصحابُ البرهان يقولون «كلُّ ما بدأ فله سبب»، فالردُّ يُصيب صياغةً لم يقلها أحد. ومثلُه أن تُختصر حجّةُ الخفاء الإلهيّ في «لو كان موجودًا لظهر» — وصياغةُ شيلينبرغ أدقُّ من ذلك بكثير: مقدّمتُها أنّ الحبَّ الكامل يقتضي إتاحةَ العلاقة، وأنّ العلاقةَ تستلزم الاعتقاد، فوجودُ غير المقاوِم الذي لا يعتقد ينقض ذلك `schellenberg-2015-hiddenness-arg`. ومن ردّها بأنّ «الأدلّةَ ظاهرةٌ والمنكِرُ معاند» ردّ على حجّةٍ أخرى: شرطُ «غير المقاوم» مكتوبٌ في المقدّمة نفسِها.
وقاعدةٌ عمليةٌ تقي من هذه المغالطة: اكتب اعتراضَ خصمك، ثمّ اعرضه على من يعتنقه فعلًا واسأله: أهذا اعتراضُك؟ فإن قال «بل أقوى» فأنت لم تصف موقفَه بعد. وما لم يجتز هذا الاختبار لا يُردّ عليه، لأنّ ردَّك حينئذٍ على شيءٍ صنعتَه بيدك. وقد أُجري هذا الاختبارُ على هذا الفصل نفسِه فسقط في ثلاثة مواضع، وأُصلحت وذُكرت في مواضعها.

٣. إلهُ الفجوات: أن يُملأ ما لم يُفسَّر بعدُ بفرضٍ كبير.

  • *يقع فيها المتديّن*: «لا نعرف كيف نشأت أوّلُ خليّة، إذن الله». وعطبُه أنّه يربط الإيمانَ بمساحةِ الجهل، فينكمش مع كلّ اكتشاف. سيارتُك تتوقّف فتقول «شيءٌ في الكهرباء»؛ ويفتح الميكانيكيُّ غطاءً بعد غطاءٍ فيضيق تفسيرُك حتى يصير حجمَ حسّاسٍ صغير.
  • *ويقع فيها الملحد*: «لا نعرف بعد، لكنّ العلمَ سيصل». وهذه فجوةٌ تُملأ بوعدٍ لا بمعلومة، ومن جعلها جوابًا فقد قال «لا أعلم» باسمٍ مطمئنّ.
  • وفرقٌ يجب أن يُقال، وقد كان في نسخةٍ أولى «وهي من جنس الأولى بالضبط» فأُسقطت كلمةُ «بالضبط»: الصورةُ واحدةٌ والقيمةُ الاستدلاليةُ ليست. لدعوى «سيصل العلم» سجلٌّ استقرائيّ: فجواتٌ كثيرةٌ أُغلقت بالفعل، ولم يُعرف انفتاحُ فجوةٍ في الاتّجاه المقابل. وذلك لا يجعلها معلومةً ولا يُغني عن الدليل، لكنّه يمنع أن يُقال إنّ الدعويين سواءٌ بالضبط. وهي من جنس الاستقراء الضعيف، والأخرى إدخالُ فاعلٍ جديدٍ بالكامل.
  • وتنبيهٌ ثانٍ: «لا أعلم» ليست هي هذه المغالطة. من قال «لا أعلم كيف نشأت الحياة» فقد قال الصوابَ ووقف حيث ينبغي، ويوصي به آخرُ هذا الفصل صراحةً. والمغالطةُ في تحويل «لا أعلم» إلى جوابٍ — سواء سُمّي «الله» أو سُمّي «سيصل العلم».
  • وتنبيهٌ ثالثٌ عادل: ليس كلُّ استدلالٍ بما لم يُفسَّر من هذا الباب. ثمّة فرقٌ بين «لا نعرف بعد» و«هذا النوعُ من الأسئلة لا يُجاب بهذا النوع من التفسير» — والثانيةُ دعوى تحتاج بيانًا لا مجرّدَ تسمية، وإهمالُ الفرق يجعل التهمةَ تبتلع كلَّ استدلالٍ سلفًا، وذاك خصمٌ لا حَكَم.

٤. الاستدلالُ بالجهل: أن يُجعل عدمُ العلم بالشيء علمًا بعدمه — أو بوجوده.

  • *يقع فيها المتديّن*: «لم يستطع أحدٌ أن يُثبت عدمَ وجود الله، إذن هو موجود». وهذا لا يُنتج شيئًا: عجزُ الخصم ليس دليلَك.
  • *ويقع فيها من يقول*: «لم يُرصد في تلسكوبٍ ولا مختبر، إذن غيرُ موجود». وهذا يفترض أنّه لو وُجد لرُصد بهذه الأدوات — وتلك هي الدعوى محلَّ النزاع، فلا تُستعمل مقدّمةً فيه.
  • ونصرّح بحدّ هذا المثال، وقد نُبّهنا عليه: هذه الصياغةُ لا تكاد توجد عند من يُعتدّ به من منكري وجود الله. لا عند أوبي، ولا عند كارول، ولا عند دوكنز. فهي مثالٌ مدرسيٌّ لصورة المغالطة، لا وصفٌ لحجّة أحدٍ بعينه — ومن نسبها إلى خصمٍ مسمًّى وقع في رجل القشّ، وهي المغالطةُ التي قبل هذه بواحدة.
  • وأمّا الحجّةُ الجادّةُ في هذا الموضع فغيرُ هذه، وهذا نصُّها: أنّ الإلهيّة بوصفها فرضيّةً لا تُنتج تنبّؤاتٍ حادّة؛ فما توافقه توافقه أيضًا لو كان الأمرُ بخلافه، فتخسر في المقارنة أمام الطبيعانيّة — لا لعدم الرصد بل لرخاوة البنية `carroll-2016-big-picture`. وهذا اعتراضٌ يقع في قلب الشرط الثالث من شروط الاستدلال بأفضل تفسير الذي كتبناه قبل صفحاتٍ بأيدينا — «أن يُفضّل التفسيرُ الذي يُخاطر» — فنحن نملك الأداةَ التي تصوغه في أقوى صوره، والأمانةُ أن نصوغه بها. وجوابُه لا يكون بتسمية، بل بأن يُقال: أيَّ تنبّؤٍ حادٍّ تُنتج الإلهيّةُ ولا تنتجه الطبيعانيّة؟ وذاك عبءٌ علينا، وموضعُه أبوابُ الأدلّة من هذا الكتاب لا هذا الفصل.
  • والفرقُ الفاصل: عدمُ الوجدان يدلّ على العدم بشرطٍ واحد: أن تكون بحيث لو وُجد الشيءُ لوجدتَه. فتشتَ في جيبك فلم تجد المفتاح: هذا يدلّ. فتشتَ في السماء بالتلسكوب فلم تجد قوانينَ الرياضيات: هذا لا يدلّ على شيء — لأنّ التلسكوبَ ليس أداةَ ذلك.

٥. المصادرةُ على المطلوب: أن تضع النتيجةَ في المقدّمة ثمّ تستخرجها منها.

  • *يقع فيها المتديّن*: أن يُستدلّ بالنصّ المقدَّس على من لا يعترف به. وهذا لا يُقنع أحدًا، لأنّ صحّةَ النصّ هي عينُ ما يُنازَع فيه. ولذلك لا يرد في هذا الكتاب استدلالٌ من هذا النوع في هذا الموضع.
  • *ويقع فيها الملحد*: «كلُّ ما هو موجودٌ مادّيّ؛ والإلهُ ليس مادّيًّا؛ إذن لا إله». والمقدّمةُ الأولى هي النتيجةُ نفسُها مكتوبةً بصيغةٍ أخرى. ومثلُه الخلطُ بين قيدٍ على الأداة ودعوًى على الوجود: فإن قال: لا يوجد في الوجود إلا ما تلتقطه أدواتي، فقد انتقل من قيدٍ على الأداة إلى حكمٍ على العالم، وهو أشبهُ بمن فتّش بمغناطيسٍ فلم يجد إلا حديدًا فأعلن أنّ الدنيا حديد.
  • والمثالان ليسا متكافئين، ونقولها: الأوّلُ خطأٌ تفاوضيّ — أن تحتجّ بما لا يُقرّ به محاورُك — ويُصلَح بتغيير المخاطَب. والثاني أطروحةٌ ميتافيزيقيةٌ كاملة إن أُخذت مذهبًا، وليست غلطةً في المناظرة. فالكفّتان متساويتان في العدد لا في الوزن، ومن سوّى بينهما لأنّ الجدولَ يطلب مثالين فقد كذب على الواقع لطفًا بالتصميم.
ومن أين يُضرب المثل في هذا الفصل؟ من الجهتين حيث وُجد، لا مثالين متكافئين في كلّ باب. وكان مكتوبًا هنا أنّ الفصل «يُصرّ على المثالين في كلّ مغالطة» — والتزامٌ عدديٌّ كهذا يضمن التعادلَ بالتصميم قبل النظر في الواقع، وقد أنتج فعلًا أزواجًا غيرَ متكافئة كالزوج الذي قبله. فالقاعدةُ الصحيحة: أنّ المغالطةَ إذا نُسبت إلى جهةٍ واحدة صارت سلاحًا في يدٍ لا ميزانًا بين يدين؛ ولا يلزم من ذلك تسويةُ الكفّتين — فقد يكون وقوعُ إحدى الجهتين أكثرَ أو أفدح، والميزانُ يُرفع ليُوزن به لا ليُقال إنّه معتدلٌ أبدًا. ومن راجع تاريخَ العلم وجد أنّ الأساطيرَ تُصنع في الاتجاهين معًا: لا غاليليو سُجن، ولا اعتقد أهلُ القرون الوسطى أنّ الأرضَ مسطّحة، ولا كانت «أطروحةُ الصراع» بين العلم والدين واقعَ التاريخ — هي صناعةُ القرن التاسع عشر `numbers-2009-galileo-jail`.

حدودُ العقل: ستّةُ أشياءٍ لا يفعلها أيُّ استدلال

وهذا آخرُ الفصل وأثقلُه على من يحبّ الحسم.

١. لا يُنتج يقينًا من مقدّماتٍ ظنّية — وللقاعدة صورتان يجب فصلُهما.

  • في المقدّمات المتسلسلة — وهي التي تتوقّف كلٌّ منها على ما قبلها — النتيجةُ دون أضعفِها، وتركيبُ عشرٍ راجحةٍ يزيدها ضعفًا لا قوّة؛ لأنّ الاحتمالات تتضارب فيتناقص الحاصل.
  • وفي الشواهد المتساندة المستقلّة — وهي التي يشدّ بعضُها بعضًا ولا يتوقّف عليه — الاجتماعُ يقوّي، وهو بعينه ما يفعله المحقّقُ بآثاره الخمسة، وما تقوم عليه الحجّةُ التراكميّة عند سوينبرن.

والخلطُ بينهما يهدم أحدَ الوجهين: من أطلق القاعدةَ على الصنف الثاني أبطل أقوى ما في هذا الفصل نفسِه؛ ومن أطلق «الاجتماعُ يقوّي» على الصنف الأوّل ركّب سلسلةً واهيةً وسمّاها برهانًا. والفارقُ الذي يُسأل عنه: أتسقط الشواهدُ الباقيةُ لو سقط أحدُها؟ فإن سقطت فهي متسلسلة، وإن بقيت فهي متساندة.

٢. لا ينقل من «هو» إلى «ينبغي» بلا مقدّمةٍ قيمية. أن تصف الواقعَ وصفًا تامًّا لا يعطيك بذاته حكمًا بأنّ شيئًا يجب. لا بدّ من مقدّمةٍ قيميةٍ تُضاف — والنزاعُ ينتقل إليها.

٣. لا يُلزم من لا يشاركك مقدّمة. وهذا هو معنى قول أوبي إنّ «النجاح» هو إلزامُ الخصم العقلانيّ، وإنّه لم يقع لأحدٍ في هذا الباب `oppy-2006-arguing-gods`. فمن خرج من نقاشٍ غيرَ مقتنعٍ لم يكن بالضرورة مكابرًا؛ لعلّه لا يسلّم بمقدّمةٍ سلّمتَ بها أنت.

٤. لا يُساوي بين «مسوَّغ» و«صادق». قد يكون اعتقادُك معذورًا فيه عقلانيًّا وهو مع ذلك خطأ، والعكس بالعكس. وألفن بلانتينغا نفسُه — وهو أشهرُ من دافع عن عقلانية الإيمان — يصرّح بأنّ كتابه لا يقدّم حجّةً على صدق الإيمان، وأنّ نتيجته شرطية: لو كان الإيمانُ صادقًا فهو مسوَّغ `plantinga-2000-wcb`. فمن نقله برهانًا على وجود الله حوّل شرطيةً إلى قاطعة.

٥. لا يُنتج دينًا بعينه من إلهٍ رقيق الأوصاف. أقصى ما تبلغه أدلّةُ هذا الباب — لو تمّت — واجبُ وجودٍ أو مصمِّمٌ أو عقلٌ أوّل. والانتقالُ من ذلك إلى نبوّةٍ ووحيٍ وشريعةٍ نقلةٌ أخرى تحتاج أدلّةً من جنسٍ آخر تمامًا، وهي موضعُ بابٍ آخرَ من هذا الكتاب. ومن أوهم قارئه أنّ البرهانَ الأوّل يحمل الثاني فقد حمّله ما لا يحمل.

٦. ولا يفصل حيث تتكافأ الأدلّة. وهنا موضعُ قولٍ ثقيل: قل «لا أعلم» حين لا تعلم. ولك في أهل هذا الميدان أسوةٌ من الجهتين. بيتر فان إنفاغن — وهو مؤمنٌ يردّ حجّةَ الشرّ — يصرّح بأنّه لا يعلم لماذا يسمح الله بالشرّ، وأنّ غايته إثباتُ أنّ الحجّة لا تنجح، لا تفسيرُ الشرّ `van-inwagen-2006-evil`. ووليم رو — وهو ملحد — يسكّ في المقالة نفسِها التي صاغ فيها حجّتَه مصطلحَ «الإلحاد الصديق»، ويقرّر أنّ المؤمنَ قد يكون عقلانيًّا تمامًا في إيمانه `rowe-1979-varieties`.

ورجلان من أعرف الناس بهذه المسألة يقفان هذا الموقف. فإن وجدتَ كتابًا يحسم كلَّ شيءٍ في صفحتين، فذاك خبرٌ عن الكتاب لا عن المسألة.

ما الذي يُبطل هذا الكتاب؟

كُتب في الشرط الخامس من شروط الاستدلال بأفضل تفسير: «من لم يقل ما يُبطل قولَه، لم يقل شيئًا يُختبر». وقيل لنا بعدها — بحقٍّ — إنّ خاتمة هذا الفصل تعرض شيئًا آخر: الاتّساقَ الداخليّ («فإن وجدتَ فقرةً تخالف قاعدةً من قواعد هذا الفصل فردَّها»). والاتّساقُ الداخليُّ يملكه كلُّ نظامٍ مغلق، وليس هو المطلوب. والمطلوبُ جملةٌ من شكل: «لو صحّ كذا، لسقط كذا». فإليك أربعًا، مرتّبةً من الأخصّ إلى الأعمّ:

١. في النقل: أن يظهر أنّ مصدرًا اعتمدناه يقول خلافَ ما نسبناه إليه. وهذا وقع في هذا الفصل نفسِه أربعَ مرّات — في غراور وماكي وسوينبرن وبواييه — وقد أُصلحت وذُكرت في مواضعها بأسمائها. والقاعدةُ: كلُّ موضعٍ من هذا النوع يُصحَّح أو يُحذف، ولا يُترك بحجّة أنّه صغير.

٢. في العدد: كلُّ دعوًى عدديةٍ في هذا الكتاب تُعَدُّ أو تسقط. فإن سيق رقمٌ في «إعجازٍ عدديّ» أو في إحصاءٍ ثمّ خالفه العدُّ، سقطت الدعوى من العرض ولو كانت مشهورة. وقد أُسقطت دعاوى فعلًا بهذا الميزان.

٣. في الاستدلال: كلُّ دليلٍ في أبواب الأدلّة يُذكر معه ما يُبطله. فإن قامت للطبيعانيّة عن ظاهرةٍ سيقت شاهدًا آليّةٌ مكتملةٌ مقيسة، سقط ذلك الشاهدُ بعينه ولم يُدافَع عنه. وسقوطُ الشاهد ليس سقوطَ الكتاب، ولكن سقوطَ عامّتها سقوطُه.

٤. وفي أصل الدعوى: هذا الكتابُ يدّعي أنّ الإلهيّةَ أرجحُ من الطبيعانيّة، لا أنّها مبرهَنة. فما يُبطلها في هذا الباب أن يظهر أنّ الطبيعانيّة تفسّر ما تفسّره الإلهيّةُ من غير زيادةِ فرضٍ ولا نقصانِ تفسير — أي أن تسقط المقارنةُ التي عليها بُني الترجيح. ولا نستطيع أن نقول أكثرَ من هذا صدقًا: نحن في باب الترجيح، ومن كان في باب الترجيح فمُبطِلُه ترجيحٌ مقابل، لا نصٌّ ولا آية.

وثمّ ما لا يُبطله شيءٌ، ونقوله لئلّا يُظنّ ما ليس منه: أنّ في النفس ميلًا وأنّ الناس يتديّنون — تلك وقائعُ لا دعاوى، ولا تُبطَل ولا تُثبت شيئًا.

وهذا الفصلُ لا يُثبت شيئًا عن الله، لا إثباتًا ولا نفيًا. غايتُه أن يضع في يدك ميزانًا، ثمّ يُوزَن به ما نكتبه نحن كما يُوزَن به ما يكتبه خصومُنا. فلك أمران: أن تردّ كلَّ فقرةٍ تخالف قاعدةً من قواعد هذا الفصل — وهذا اتّساقٌ داخليّ، وهو أقلُّ ما يُطلب — وأن تنقض الترجيحَ نفسَه بما تقدّم في القسم السابق، وهو الأثقل والأولى.