Skip to content

١٨. سعيدٌ وأخلاقيٌّ بلا دين

السؤال: أنا سعيدٌ في حياتي، وأصدُق، وأبرُّ أمّي، ولا أكذب في تجارتي — بلا دينٍ ولا صلاة. فما حاجتي إليه؟

الجوابُ في سطرين: أصدّقك ولا أتّهمك، وأُقرّ لك بأنّ دعواك في شكلها نقضٌ منطقيّ لا استقراء: من نصب دعوى كلّيّةً — «لا سعادة ولا أخلاق بلا دين» — فوجودُك ينقضها ولا حيلة. لكنّ السعادةَ حالٌ والحقيقةَ مسألة، وهو سيفٌ يقطع في الجهتين: لا أستدلّ عليك بشقاء أحد، ولا تستدلّ عليّ بسعادتك.

أوّلًا: التصديق قبل أيّ كلام

لن أقول لك «سعادتك زائفة»، ولا «ستأتيك ساعةٌ تتذكّر فيها كلامي». هاتان دعويان على باطن رجلٍ لا أملكهما. وهما فوق ذلك تُغلقان الصدقَ من الجهتين: إن أنكرتَ بدوتَ مدافعًا، وإن سكتَّ بدوتَ مقرًّا. ومن نصب لخصمه فخًّا من هذا النوع لم يعد يسمع منه شيئًا.

ولن أقول لك «إنّما تركتَ لتشتهي». وهذه التهمةُ لا تُقال، ولا أُبقي منها شيئًا. وكنتُ كتبتُ «غيرُ صحيحةٍ في أكثر الحالات» — أي أبقيتُ نسبةً منكم فيها وأخذتُ لنفسي فضلَ الإنصاف بلا كلفة. وهذا الاحتياطُ لا يحتاجه إلّا من يريد أن يظلّ قادرًا على استعمالها. والحقُّ أنّها دعوى على باطنٍ، فيسقط قولُها بالقاعدة التي قرّرتُها في السطر الذي قبله، لا بإحصاءٍ عن نسبة الصادقين — ولستُ أملك ذلك الإحصاء أصلًا. وفيمن سلك هذا الطريق الصادقُ والشجاعُ والعالم.

ثانيًا: أين تسقط الدعوى الكلّيّة — ودعويان لا واحدة

كثيرٌ ممّا يُكتب عندنا يقول: «لا أخلاق بلا إيمان». وهذه العبارةُ تحمل دعويين لا واحدة، وخلطُهما أصلُ الشغب كلِّه:

الأولى دعوى عن السلوك: أنّ غير المؤمن لا يصدق ولا يعفّ. وهذه قضيةٌ كلّيّةٌ يُبطلها مثالٌ واحدٌ مضادّ، ولا يُنقذها أن يُطالَب صاحبُ المثال ببرهانٍ لا يلزمه. وهي ساقطة، وأنت مثالُها.

والثانية دعوى عن التأسيس: أنّ الأخلاق الموضوعيّة لا مستندَ لها بلا إله. وهذه لا يمسّها مثالُك ألبتّة — ولا أسوقها الآن ظافرًا، فهي محلُّ نزاعٍ قائمٍ أعرضه بعد قليلٍ ولا أزعم فيه حسمًا.

وإنّما أفصلهما لأنّ من ردّ الأولى فظنّ أنّه ردّ الثانية أُجيب عن غير سؤاله؛ ومن ساق الثانيةَ في وجه رجلٍ صادقٍ فقد اتّهمه في خُلقه بما لا تقوله دعواه. والثاني أكثرُ وقوعًا عندنا، وهو أشدُّ ضررًا. وقد كنتُ كتبتُ في نسخةٍ أولى أنّ الدعوى «لا يُنقذها أن تُعاد بصيغةٍ أعمّ» ثمّ بنيتُ القسمَ التالي كلَّه على الصيغة الأعمّ نفسِها — وذاك خلطٌ منّي بين الدعويين، لا حيلةٌ عليك.

وأزيدك: من أمتن الدفاعات المعاصرة عن موضوعية الأخلاق — أي أنّ الصوابَ صوابٌ في نفسه لا باتّفاق الناس — كتبه فيلسوفٌ لا يستدلّ به على إله ولا يجادل في وجوده أصلًا `enoch-2011-taking-morality`.

وحدُّ هذه العبارة: كنتُ كتبتُ «أوسعُ دفاعٍ معاصر» و«ولا يذكره». والأولى تفضيلٌ لا يُختبر، ومن نازعني فيه سمّى لي كتابًا أوسعَ منه بمراحل — وهو عملُ ديريك بارفت في الأخلاق `parfit-2011-matters`، وصاحبُه ملحدٌ أيضًا فهو أنفعُ لدعواي لا أقلّ. والثانيةُ دعوى نفيٍ عن كتابٍ في مئات الصفحات لا تُثبت إلّا بمسحٍ كامل ولم أمسحه، والذي أحتاجه أضعفُ منها وهو ثابت: أنّ الواقعيّةَ فيه غيرُ إلهيّة وأنّه لا يجادل في وجود الله. فحذفتُ الأقوى وأبقيتُ ما أملك.

وآخرُ صاغ نظريةً في أخلاقٍ موضوعيةٍ بلا إله يقابل بها نظريةَ الأمر الإلهيّ، وأشهرُ صياغاتها المعاصرة عنده هي صياغةُ روبرت آدمز `wielenberg-2014-robust`. وأشدُّ من ذلك: صاحبُ تلك الصياغة نفسِه — وهي من أشهر الصياغات المعاصرة لنظرية الأمر الإلهيّ — يقيّدها بقيدٍ يُسقط أكثرَ ما يُنسب إليها: الأمرُ الإلهيّ يؤسّس الوجوبَ وحدَه، والخيريّةُ مؤسَّسةٌ في طبيعة الله لا في أمره `r-adams-1999-finite-infinite`. وعلى مقتضى هذا التقييد يعرف غيرُ المؤمن الخيرَ ويلتزمه، فمن استشهد بالكتاب على أنّ «الملحد لا أخلاق له» استشهد بمن تنفي نظريتُه دعواه.

وحدُّ هذه أيضًا: كنتُ كتبتُ «يصرّح بأنّ غير المؤمن يعرف الأخلاق ويلتزمها»، وهذا نقلُ تصريحٍ لا أستطيع أن أدلّك على صفحته. والذي أملكه أن أقول: هذا مقتضى بنية نظريته كما تُقرأ، لا نصٌّ أنقله. وهو ترجيحٌ لا إلزام، ومن فتح الكتاب فوجد خلافَه فالحقّ معه.

وفي الجهة الأخرى ملاحدةٌ ينكرون موضوعيةَ الأخلاق إنكارًا صريحًا، وأشهرُهم صاحبُ «نظرية الخطأ» `mackie-1977-ethics`. وليس هذا إباحيّةً ولا مراوغة — هو موقفٌ منسجمٌ يدفع ثمنَه: يُبقي الأخلاقَ العمليةَ اصطلاحًا بشريًّا نافعًا، ويُفرد لها القسمَ الثاني من الكتاب نفسِه — لا كتابًا مستقلًّا كما كتبتُ أوّلَ مرّة، فيبحث عنه القارئُ فلا يجده. ومن سمّاه دعوةً إلى الفجور فقد كذب على خصمه، وسقطت عنده كلُّ صفحةٍ بعدها.

ثالثًا: فأين النزاع إذن؟

النزاعُ ليس «هل تستطيع أن تكون صالحًا؟» — تستطيع، وأنت كذلك. النزاعُ في سؤالٍ آخر: ما مصدرُ الإلزام؟ أي: حين تقول «الظلم قبيحٌ» — أتقرّر واقعةً كما تقرّر أنّ الماء يغلي؟ أم تصف شعورًا اتّفق عليه أكثرُ الناس؟

وانظر الفرق في مشهد: ميزانُ البقّال يقول لك بلا مجاملة: تسعمئة غرامٍ لا كيلو. هذه معرفة. وأن يُردَّ إليك مالُك ويُغرَّم البائع فذاك شيءٌ آخرُ يجيء به رجلٌ بورقةٍ رسمية. الميزانُ صادقٌ كلَّ مرّة، ولا يُلزم أحدًا بشيء.

وأين ينكسر هذا المشهد؟ قد يقال إنّ الأخلاق ليست من جنس الأوامر أصلًا بل من جنس الوقائع — كأعداد الرياضيات لا كلوائح التموين — فينهار التشبيهُ بالسلطة من أصله. وهذا موقفٌ فلسفيٌّ قائمٌ له أهلُه، لا هفوةٌ في التفكير. فلا أُقدّم لك التشبيهَ برهانًا، أُقدّمه ليريك موضعَ السؤال.

وأقولها صريحة: لا حسمَ في هذه المسألة. النزاعُ فيها قائمٌ عند أهلها إلى اليوم، ومن أوهمك أنّ سطرًا واحدًا يُنهيه فقد أوهمك.

رابعًا: السيفُ ذو الحدّين

مؤمنٌ كثيرُ القلق، وملحدٌ هادئ البال: أيّهما يُدخل في الميزان؟ ولا واحد. والشعورُ ليس مؤشّرًا على الواقعة: من نسي مفتاحه في جيبه قد يجزم جزمًا تامًّا أنّه فقده، ولا يتغيّر شعورُه حتى يجده. فشدّةُ الطمأنينة وصفٌ للنفس لا وصفٌ للحقيقة — وهذا يسري على طمأنينتك وعلى طمأنينتي.

فليس من حقّي أن أسوق لك قصّةَ ملحدٍ شقيّ، وليس من حقّك أن تسوق لي قصّةَ متديّنٍ تعيس. والحجّتان ساقطتان بالسواء.

خامسًا: وفائدةٌ تلزمني أنا في فصلٍ آخر

وإذا أقررتُ — وقد أقررتُ — بأنّ في الباب قائلين بأنّ ثمّ حقائقَ أخلاقيةً موضوعيةً يعرفها الناس بلا نصّ، فقد لزمني شيءٌ لا مهرب منه: أن يكون الحدسُ الأخلاقيُّ الراسخُ دليلًا يُوزن، لا شعورًا يُستأنس به. ومن قال «الاسترقاق شرّ» لم يقل شعورًا؛ قال — على هذا التقدير — قضيّةً يدّعي أنّها واقعة.

فإن جاء نصٌّ ظاهرُه يخالف حدسًا من هذا الصنف، فالمسألةُ حينئذٍ ليست "نصٌّ في مقابل عاطفة" بل "دليلٌ في مقابل دليل". وهذا يُثقل عليّ فصلَ النصوص المشكلة إثقالًا، ولا أُخفيه ولا أؤجّله إلى حيث لا يُرى: أعقده هنا وأفكّه هناك، في «ثالثًا» و«خامسًا» من الفصل العشرين.

سادسًا: سؤالان أتركهما، وأقول ما لا يفعلانه

سؤالان لا أطلب جوابهما الآن، وإنّما أطلب أن يبقيا:

الأوّل: إن كان الموتُ عدمًا تامًّا، فما الذي يبقى من سعادتك بعد أربعين سنة؟ والثاني: من ظُلم فمات ولم يُنصَف — بأيّ معنًى نقول إنّه «ظُلم»؟

وحدُّ هذين السؤالين يُقال في السطر نفسِه: هما لا يُثبتان شيئًا. من قال «الحياةُ بلا معنًى موحشة» لم يقل إنّها كاذبة، والوحشةُ ليست دليلًا. ولو كان الأمرُ كذلك لثبتت كلُّ عقيدةٍ مريحة، ولسقطت كلُّ حقيقةٍ ثقيلة. غايةُ السؤالين أن يبقيا مفتوحين — لا أن يُغلقا عليك.

ولك أن تخرج من هذا الفصل كما دخلت. ليس في هذا الكتاب سطرٌ يشترط عليك أن تقتنع.