تخطَّ إلى المحتوى

١١. الفطرة — وحجّةُ العقل على نفسه

السؤال: إن كان الميلُ إلى الاعتقاد مركوزًا في تكويننا، فهل هذا شاهدٌ له أم عليه؟

الجوابُ في سطرين: أبحاثُ الإدراك ترصد في الإنسان نزوعًا مبكّرًا إلى الغائية وإلى افتراض فاعل، وهذا يفسّر نشأةَ الاعتقاد ولا يفصل في صدقه — لا له ولا عليه. ثمّ تأتي حجّةُ بلانتينغا فتقلب السؤال على الطبيعانية نفسِها، وهي حجّةٌ حقيقيةٌ لا تُثبت إلهًا، وسلاحٌ يجرح حاملَه إن أفرط فيه. وفي هذا الفصل موضعٌ واحدٌ ليس عندي فيه جواب، وسأقف عنده ولا أتجاوزه.

أوّلًا: ما الذي ترصده أبحاثُ الإدراك فعلًا

ثلاثُ نتائجَ متكرّرةٌ في هذا الحقل، وأعرضها كما يعرضها أهلُها:

١. جهازُ كشف الفاعلين مفرطُ الحساسية. الإنسانُ ينسب الحركةَ إلى فاعلٍ بسرعةٍ تسبق التفكير. وسبقُه هذا مفهومٌ نشوئيًّا: من ظنّ الحفيفَ في العشب مفترسًا فهرب خسر ركضةً، ومن ظنّه ريحًا فأخطأ خسر حياته. فكلفةُ الخطأين غيرُ متساوية، والجهازُ مضبوطٌ على الجانب الرخيص.

*مثالٌ محسوس*: أنت وحدك في البيت ليلًا فيصدر من المطبخ صوتُ ارتطام. جسدُك يتوتّر قبل أن يخطر لك أنّه القطُّ أو الرفُّ المائل. ولم تقرّر أن تخاف — الجهازُ سبقك.

٢. الغائيةُ المنتشرة عند الأطفال. يميل الطفلُ إلى تفسير الأشياء بوظائفها ومقاصدها: الصخورُ مدبَّبةٌ لئلّا يجلس عليها الحيوان، والمطرُ ليشرب الناس. وهذا نزوعٌ تلقائيٌّ يظهر قبل التعليم الدينيّ، ولا يزول بالكبر زوالًا تامًّا.

٣. الاعتقاداتُ التي «تخالف الحدس قليلًا» أثبتُ في الذاكرة. التصوّرُ الذي يوافق ما نتوقّعه من الأشياء إلا في خصلةٍ أو خصلتين يُنقل بين الناس أكثرَ من المألوف تمامًا ومن الغريب تمامًا.

*مثالٌ محسوس* — وقد كتبتُ هذه الفقرةَ أوّلَ مرّةٍ بلا مثالٍ واحد، في فصلٍ يضع مثالًا لكلّ شيءٍ آخر (الحدّاد والصيدليّ والميزان والساعة والبائع والكلب). فنبّهني قارئٌ إلى أنّ الجفافَ ههنا اختيار: لأنّ الأمثلةَ لمّا كانت هي أمثلةَ الدين، غابت الأمثلة. وهو محقّ، فهذه هي:

قارِن ثلاثةَ تصوّرات. «رجلٌ يمشي في السوق» — مألوفٌ تمامًا، يُنسى في ساعة. «كائنٌ في ستّة عشر بعدًا لا لونَ له ولا موضع، يتغذّى على الأعداد الزوجية ويتذكّر الغدَ دون الأمس» — غريبٌ تمامًا، لا تحمله الذاكرةُ ولا تُعيد روايتَه. و«رجلٌ يمشي في السوق ويعبر الجدران» — خصلةٌ واحدةٌ تخالف، وسائرُه على قياس ما تعرف: يجوع، ويغضب، ويكذب عليه الناس. وهذا الثالثُ هو الذي يُروى في القرية بعد عشرين سنة. والأمثلةُ الدينيةُ من هذا الصنف بعينه: جبلٌ يسمع الدعاء، وتمثالٌ يبكي، وشجرةٌ تشهد، ورجلٌ يمشي على الماء. فالنتيجةُ تنطبق على معتقدي وعلى معتقد غيري سواءً بسواء، وذاك موضعُ الأمانة فيها.

وشاهدان بنيتُ عليهما ثمّ سقطا

كتبتُ في الصورة الأولى: «هذه النتائجُ لا يقولها خصومُ الدين وحدهم… أي أنّ الحقلَ نفسَه يقول إنّ نتائجه محايدة». وبنيتُ ذلك على شاهدين، وكلاهما لا يحمل ما حمّلتُه:

أمّا جستن باريت — وهو أشهرُ من صاغ فكرةَ الجهاز المفرط الحساسية، وهو مسيحيٌّ ملتزم — فصحيحٌ عنه أنّه يقرّر أنّ الأصلَ المعرفيّ لا يُبطل المعتقد. وليس صحيحًا أنّه محايد: كتابُه يبني في بابيه الأخيرين حجّةً إيجابية؛ يسوّي فيها بين الاعتقاد بالله والاعتقاد بأنّ لغيرنا عقولًا في كونهما اعتقادين طبيعيّين متقاربين، ويقرّر أنّ من هاجم الأوّلَ على أساسٍ تجريبيٍّ لزمه أن يهاجم الثاني، ويقبل حجّةَ الضبط الدقيق، ويخلص إلى أنّ الإلحادَ يحمل عبءَ إثباتٍ أعلى لأنّه أقلُّ طبيعية. فقولي إنّ «نقلَه إثباتًا للفطرة يحمّله ما لا يقوله» كان خطأً عليه، وأنا أصحّحه: هو يقول شيئًا في هذا الاتّجاه، ولي أن أخالفه، وليس لي أن أنفي عنه قولَه. والخطأ على المخالف والموافق سواء: أن يُنسب إلى رجلٍ ما لا يقوله، أو يُنفى عنه ما يقوله.

وأمّا باسكال بواييه فنسبتُ إليه أنّه «ينصّ على أنّه لا يفصل في صدق المعتقد ولا كذبه». ولم أجد هذا النصَّ بعينه عنده. وأقصى ما وجدتُه تنحيةٌ لا تصريحٌ بالحياد: أنّ من جاء يطلب في الكتاب تأييدًا لدعوى أنّ الدين حقٌّ فلن يجد فيه شيئًا، وأنّ الكتابَ لا يناقش تلك الدعوى أصلًا. وبواييه ملحدٌ معلَنٌ يعرض الاعتقادَ نتاجًا عرضيًّا. فالنسبةُ موقوفةٌ حتى تُقابَل على صفحةٍ بعينها من الكتاب، ولا أبني عليها شيئًا في هذا الفصل.

فما الذي يبقى بعد سقوط الشاهدين؟ يبقى ما هو أمتنُ منهما، لأنّه يُقاس ولا يُنقل: أنّ الرجلين ينظران في المعطى نفسِه — جهازٌ ينسب الفعلَ إلى فاعلٍ قبل التفكير — فيخرج أحدُهما بحجّةٍ للتوحيد، ويخرج الآخرُ بعرضٍ للاعتقاد نتاجًا عرضيًّا لآليةٍ لا شأنَ لها بالحقيقة. واختلافُ الحكمين على معطًى واحدٍ هو الدليلُ على أنّ المعطى لا يحسم — لا شهادةُ أحدهما بالحياد. ومن احتاج إلى أن يشهد له خصمُه بالحياد فقد بنى على أضعف ما يُبنى عليه.

والردُّ الأقوى يأتي فورًا، ولا أؤخّره

قد يقول قائلٌ: أرأيتَ؟ الفطرةُ ثابتةٌ علميًّا.

وهذا غلط. ووقوعُه كثيرٌ في الكتابة الدينية بالعربية، وقد وقعتُ فيه أنا في مسوّدة هذا الفصل حين جعلتُ باريت شاهدًا لي وبواييه شاهدًا لي في سطرٍ واحد. فوجودُ آليةٍ تُنتج الاعتقاد لا يقول شيئًا عن صدقه. والانتقالُ من «كيف نشأ» إلى «إذن هو صادق» أو «إذن هو باطل» هو بعينه ما يسمّيه أهلُ المنطق مغالطةَ التكوين.

والمثال: ميزانُ الحمّام في بيتك أنت اشتريتَه ووضعتَه، وأنا أستطيع أن أشرح صناعتَه كلَّها: زنبركٌ ومؤشّرٌ ومعايرةُ مصنع. وشرحي هذا لا يقول لك أنت كم تزن. وقد يكون الميزانُ صادقًا وقد يكون معطوبًا، ومعرفةُ تركيبه لا تحسم الأمرين.

فالطريقُ مسدودٌ في الاتّجاهين:

الدعوىلماذا لا تصحّ
«العلمُ أثبت الفطرةَ فثبت الدين»التكوينُ آليةٌ لا شهادةٌ على المضمون؛ والجهازُ نفسُه يُنتج ما نعدّه نحن باطلًا (نسبةُ الفعل إلى الجمادات مثلًا)
«العلمُ أثبت أنّ الدماغ يخترع الآلهة»التفسيرُ النشوئيُّ يفسّر الشيوعَ لا الصدق؛ ووصفُ آليةٍ ليس حكمًا على مضمونها
وتنبيهٌ على رقمٍ يُساق كثيرًا: «خوذةُ الله» — دعوى أنّ حقلًا مغناطيسيًّا يولّد التجربةَ الدينية — سقطت في تجربةٍ مزدوجة التعمية بمجموعةٍ ضابطةٍ زائفة، وتبيّن أنّ المتنبّئَ هو قابليةُ الإيحاء لا المجال. ولا يعني هذا أنّ التجربة الدينية أُثبتت؛ سقطت دعوى المجال وحدَها. والطرفان يتجاوزان: هذا يقول «ثبت أنّ الدين وهم»، وذاك «ثبت أنّ العلم عجز» — وكلاهما يقرأ في الورقة ما ليس فيها.

بل قد يُضعف: كيف تُبنى حجّةُ التقويض

وأزيدك ما هو أثقل. ثمّ صيغةُ حجّةٍ تجعل التفسيرَ النشوئيَّ ضدَّ الاعتقاد لا محايدًا، وهي معروفةٌ في الفلسفة المعاصرة وقد صيغت أدقَّ ما صيغت في باب القيم الأخلاقية. وبنيتُها:

إن كانت لي مَلَكةٌ تُنتج الاعتقادَ بكذا، وكان عملُها لا يتأثّر بصدق كذا ولا بكذبه، فوجودُ الاعتقاد عندي لا ينقل عن الواقع شيئًا — وينبغي أن أخفّض ثقتي به.

والمثال: ميزانُ حرارةٍ في صيدليةٍ عالقٌ عند سبعةٍ وثلاثين. تقيس به على سليمٍ فيصدق، وتقيس على محمومٍ فيكذب. والعطبُ ليس أنّه أخطأ مرّةً — بل أنّ قراءتَه لا تتغيّر بتغيّر الحقيقة، فهي لا تنقل عنها شيئًا أصلًا. *وأين ينكسر المثال*: في الحرارة نملك ميزانًا ثانيًا نقابل به؛ وحيث يكون المتنازَعُ عليه هو أداةَ القياس نفسَها فلا ميزانَ خارجها — وهذه الملحوظةُ بذرةُ الفصل كلِّه، فاحفظها.

وجوابي عن حجّة التقويض — بحدّه، وهو أضيقُ ممّا كتبتُ

أوّلُ الجواب: أنّ الشرط الثاني محلُّ النزاع لا معطًى. من ادّعى أنّ جهاز كشف الفاعلين يعمل مثلَ الميزان العالق فعليه أن يُثبت أنّه لا يتأثّر بوجود الفاعلين ولا بعدمهم. وهو يتأثّر في الفاعلين القريبين: يُصيب في الأسد ويخطئ في الريح، ولولا إصابتُه في شيءٍ ما بقي.

ثمّ أقف — وقد كنتُ أمضي، وكان ذلك أخطأَ سطرٍ في الفصل. حسّاسيةٌ لمفترسٍ في العشب ليست حسّاسيةً لفاعلٍ وراء العالم، والمقوَّضُ هو الثاني لا الأوّل. فمن أجاب بأنّ الجهازَ «يصيب في الأسد» فقد أجاب عن سؤالٍ لم يُسأل: أحدٌ لم يدّعِ أنّه لا يكشف الأسود. الدعوى أنّ ضبطَه على الأسود لا يقول شيئًا عن دقّته خارج نطاق الأسود.

وأدلُّ ما يُدينني أنّي أنا صاحبُ المبدأ الذي يكسر جوابي. قلتُ في الفصل السابق إنّ الملاءمةَ لا تفسّر الانتقال، وإنّ المفتاحَ الذي بُرِد على قفلٍ لا يشهد له فتحُه إيّاه بشيءٍ في قفلٍ لم يره صانعُه. وهذا هو الحكمُ ههنا حرفًا بحرف: ملَكةٌ ضُبطت على نطاقٍ ثمّ نُقلت إلى نطاقٍ آخر، لا يحمل سجلُّها في الأوّل شهادةً في الثاني. فاستعمالُ مبدأ الانتقال حيث يخدمني في الرياضيات وإنكارُه حيث يضرّني في الفطرة كيلٌ بمكيالين في صفحتين متجاورتين. ومثالي أنا يهدمني: الميزانُ العالقُ عند سبعةٍ وثلاثين يصيب في السليم، ولم ينفعه ذلك عندي — فلماذا نفع الجهازَ أنّه يصيب في الأسد؟

فالحقُّ أن يُقال: الحجّةُ صحيحةُ البناء؛ وتطبيقُها على الفاعل القريب غيرُ مسلَّم؛ وأمّا في الفاعل البعيد — وهو المتنازَع فيه وحدَه — فلا جوابَ عندي. وهو الموضعُ نفسُه الذي سأقرّ به بعد قليلٍ في حجّة بلانتينغا: أنّ الترابطَ بين الصدق والبقاء ثابتٌ في الإدراك القريب دون البعيد. ومن أخذ الجوابَ الأوّلَ ونسي هذا القيدَ فقد نصرني بما لا أقول.

وأين تنكسر الدعوى (٢): كانت النتيجةُ في الصورة الأولى «التعادل: لا الفطرةُ دليلٌ لنا، ولا تفسيرُها دليلٌ عليهم». والباقي بعد التصحيح أقلُّ من التعادل في الشقّ الذي يخصّني: الفطرةُ ليست دليلًا لنا قطعًا — وهذا كان مقرَّرًا — وحجّةُ التقويض في الفاعل البعيد قائمةٌ بلا جوابٍ عندي. والذي يمنعها من بلوغ الإبطال ليس جوابي، بل أنّ الخطوةَ من «لا أدري» إلى «فعندي ما ينقض» تحتاج مبدأً لم يُبرهَن عليه — وذاك يأتي في موضعه، وهو مبدأٌ يعمل لصالحي وضدّي في آنٍ واحد.

حجّةُ بلانتينغا: قلبُ السؤال على السائل

هنا يُدخل ألفن بلانتينغا نقلةً في الموضوع. يقول: ما دمنا نتكلّم في منشأ ملكاتنا، فلنطبّق القاعدةَ على المُطبِّق.

وصياغتُها في أربع خطوات — وقد نقلتُ المقدّمةَ الحاملة من آخرها إلى موضعها، لأنّ قارئًا نبّهني إلى أنّ من أخّر شرطَه إلى ما بعد النتيجة أخذ من القارئ تصديقًا لم يستحقّه، وكان محقًّا:

١. افترض أنّ الطبيعانيةَ صادقة (لا شيءَ وراء العالم الطبيعيّ)، وأنّ العقلَ البشريّ ثمرةُ انتخابٍ طبيعيٍّ غيرِ موجَّه.

٢. والانتخابُ يعمل على السلوك: يبقي الكائنَ الذي يهرب في وقته ويأكل ما ينفعه؛ ولا يرى المحتوى الذهنيّ إلا من خلال أثره في السلوك. وههنا المقدّمةُ الحاملةُ التي تدور عليها الحجّةُ كلُّها: أنّ المحتوى قابلٌ للتبديل مع بقاء السلوك — أي أنّ منظومةَ اعتقادٍ كاذبةً بأسرها يمكن أن تُنتج السلوكَ النافعَ نفسَه. وهذه دعوًى ضخمةٌ في فلسفة العقل، لا مسلَّمة؛ من قال إنّ المحتوى الذهنيّ محدَّدٌ بوظيفته البيولوجية لم يقبلها أصلًا، وسقطت الحجّةُ عنده من هذه الخطوة.

٣. فاحتمالُ أن تكون ملكاتُنا موثوقةً في بلوغ الحقيقة — لا في إنتاج السلوك النافع فحسب — ليس بأيدينا تقديرُه.

٤. وههنا مَفصِلُ الحجّة، ولا تصحّ إلا به: بلانتينغا لا ينتقل من «لا أدري» إلى «فعندي ما ينقض» — ولو فعل لسقطت بالنقطة (أ) الآتية، وهي نقطةٌ أقبلها أنا. وإنّما يقول: من علم أنّ ملكاتِه أُنتجت بآليةٍ لا تستهدف الصدقَ أصلًا فقد علم عنها شيئًا — لا أنّه يجهل حالَها، بل أنّه يعلم أنّ مصدرَها لم يكن معنيًّا بالصدق. فالمقوِّضُ هو هذا العلمُ لا ذاك الجهل. ومن قبِله لزمه شكٌّ في كلّ ما أنتجته ملكاتُه — وأوّلُ ما ينتظمه هذا الشكُّ الطبيعانيةُ ونظريةُ التطوّر أنفسُهما، فإنّهما من نتاج تلك الملكات. فالموقفُ ينقض نفسه.

والنزاعُ كلُّه في الخطوة الرابعة: أهو علمٌ بمصدرٍ لا يستهدف الصدق، أم جهلٌ بمقدارٍ احتماليّ؟ فإن كان الثاني سقطت، وإن كان الأوّل بقيت. ومن نقل الحجّةَ بصيغة «الاحتمالُ منخفضٌ أو غيرُ معلوم، فلزم الشكّ» فقد نقلها بالصيغة الساقطة — وهي الصيغةُ التي كتبتُها أنا أوّلَ مرّة.

والمثال المحسوس: وظّفتَ بائعًا وجعلتَ أجرَه على عدد الصفقات لا على دقّة كلامه. بعد سنةٍ صار بارعًا في عباراتٍ تُغلق الصفقة. أهي صادقة؟ لم يقِسها أحدٌ قطّ — المقياسُ كان البيع وحدَه. قد تكون صادقةً بالمصادفة، وقد لا تكون؛ والذي نعلمه يقينًا أنّها مجزيّةٌ، لا أنّها صحيحة.

ومثالٌ ثانٍ يُري الفكرةَ في أخصر صورة، ومعه حدُّه: كلبٌ يفرّ من كلّ حبلٍ لامع. فرّ مئةَ مرّةٍ، تسعٌ وتسعون منها من حبل. سلوكُه أنجاه في المرّة التي كانت أفعى، ومعتقدُه كان كاذبًا تسعًا وتسعين مرّة.

وحدُّ المثال: هذا الكلبُ ليس مقطوعَ الصلة بالحقيقة، بل منحازٌ انحيازًا رخيصَ الكلفة — ولولا أنّ للمعان الحبل صلةً بالأفعى ما نفعه فرارُه. فالمثالُ يُري رخصَ الخطأ في جانبٍ دون جانب، ولا يُري انفصالَ المحتوى عن الواقع انفصالًا تامًّا — وذاك هو المطلوبُ في الحجّة، وهو أثقلُ ممّا يُريه المثال. وهو بعينه ما قلتُه قبل قليلٍ في جهاز كشف الفاعلين، فلا يجوز أن يكون المشهدُ الواحدُ دليلَ وثاقةٍ في صفحةٍ ودليلَ انفصالٍ في صفحةٍ بعدها.

وثلاثةُ تنبيهاتٍ لا تُترك، وهي التي يُهملها أكثرُ من ينقل الحجّة:

  • لا تُثبت إلهًا. غايتُها أنّ الطبيعانيةَ المقترنةَ بالتطوّر لا تُقبل عقلانيًّا. ومن ردّها لم يلزمه شيءٌ في التوحيد، ومن قبِلها لم يلزمه إيمان.
  • ليست حجّةً على نظرية التطوّر — وههنا أصحّح ما كتبتُ. كتبتُ أوّلَ مرّة: «بلانتينغا يقبل التطوّرَ ويصرّح به». والشقُّ الصحيح أنّ الحجّة موجَّهةٌ إلى الطبيعانية مقترنةً بالتطوّر غيرِ الموجَّه، لا إلى البيولوجيا، وأنّه يقرّر أنّ التصميمَ والتطوّرَ غيرُ متعارضين منطقيًّا. والشقُّ الخطأ أنّه يتبنّى أصلَ الأسلاف المشترك: له مقالٌ منشورٌ يدعو فيه إلى شكٍّ متيقّظٍ حذرٍ فيه، ويقرّر أنّ الخلقَ المنفصل — عند المسيحيّ — أرجحُ منه بالنظر إلى عقيدته والشواهدِ البيولوجية معًا. فمن ساقها في العربية إبطالًا للتطوّر خالف مدلولَ الحجّة، ومن قال إنّ صاحبَها داروينيٌّ خالف مقالَه. والاثنان خطأ، وأحدُهما كان خطئي.
  • ليست دعوى أنّ الملحد لا يعقل. الدعوى بنيويةٌ في اتّساق موقفٍ نظريّ، لا حكمٌ على أشخاصٍ ولا على أذهانهم. والذي يُخالَف قولٌ لا رجل.

أقوى ردٍّ عليها — وهو ردٌّ جيّد

من أشهر ما نُشر في نقضها ورقةُ براندن فيتلسون وإليوت سوبر (١٩٩٨) — ولا أقول «أدقُّ ما كُتب» كما كتبتُ أوّلَ مرّة، فذاك حكمُ تفضيلٍ لا يُختبر، وفي الباب مجلَّدٌ كاملٌ مخصَّصٌ للردود على الحجّة وردودِ بلانتينغا عليها. وفي الورقة ثلاثُ نقاطٍ منفصلة، وخلاصتُها عندهما أنّ حججَ بلانتينغا الاحتمالية لا تنجح — أعرضها كما هي، لا في صيغةٍ ألطفَ من صيغتهما:

(أ) الرقمُ غيرُ محسوب. قولُ «الاحتمالُ منخفض» يفترض توزيعًا على منظومات الاعتقاد الممكنة — ولا توزيعَ في يد أحد. وإن قيل «الاحتمالُ غامضٌ لا نعرفه»، فتلك حالةُ لا-أدريةٍ لا مبطِلٌ للثقة؛ والانتقالُ من «لا أدري» إلى «فعندي ما ينقض» يحتاج مبدأً لم يُبرهَن عليه. وأنا أقبل هذه النقطة، ولذلك عرضتُ الحجّةَ في الخطوة الرابعة بصيغة «العلم بالمصدر» لا بصيغة «جهلِ الاحتمال» — وهي الصيغةُ الوحيدةُ التي تنجو من (أ).

(ب) الاشتراطُ ناقص. السؤال ليس: ما احتمالُ وثاقة ملكاتنا لو لم نعلم عنها شيئًا؟ بل: ما احتمالُها مع كلّ ما نعلمه فعلًا؟ ونحن نعلم كثيرًا: تنبّؤاتٌ تحقّقت، وجسورٌ قامت، وطائراتٌ طارت، ولقاحاتٌ عملت، واتّفاقُ باحثين مستقلّين لم يتواطؤوا. فالحكمُ على الأداة بمعزلٍ عن سجلّها حكمٌ على حالٍ ليست حالَنا.

(ج) الصدقُ والبقاءُ مترابطان في أكثر الأحوال. الكائنُ الذي يخطئ في تقدير المسافة يسقط، والذي يخطئ في تمييز الغذاء من السمّ يموت. فليس المحتوى معلَّقًا عن السلوك كما تفترض المقدّمةُ الحاملة: منظومةُ اعتقادٍ كاذبةٌ بأسرها تُنتج سلوكًا ناجحًا ممتدًّا في بيئاتٍ متغيّرة أمرٌ لا يُتصوّر بسهولة.

وفائدةٌ تُستثمر: فيتلسون وسوبر لا يدّعيان إثباتَ وثاقة ملكاتنا، وينصّان على أنّ المؤمنَ في مأزقٍ شكّيٍّ مماثل. وهذا عينُ «الحدّ الثاني» الآتي في هذا الفصل — فالنقطةُ التي أعدّها أنا حدًّا على نفسي يقرّرها أشهرُ ناقضَي الحجّة على الطرفين معًا.

وجوابُ بلانتينغا عن (ب): إنّ تلك الشواهدَ كلَّها — الجسور والطائرات واللقاحات — نتاجُ الملكات موضعِ الشكّ، فلا تصلح لتبرئتها؛ ومن استعمل شهادةَ شاهدٍ في إثبات عدالته فقد دار.

وهو جوابٌ يُثبت أكثرَ ممّا يريد — وقد كتبتُ عنه أوّلَ مرّةٍ إنّه «قويٌّ في ذاته» ثمّ قرّرتُ بعد ثلاثين سطرًا أنّ هذه الدائرةَ حالُ كلّ إنسان لا عيبَ أحدٍ بعينه. ولا يجوز الجمعُ بينهما: إن كانت الدائرةُ حالَ كلّ متكلّمٍ فلا تصلح سلاحًا يُسقط به سجلُّ الملكات في (ب)؛ ومن أسقط بها السجلَّ أسقطه على الطرفين، ولم يبقَ بيده ما يرجّح به شيئًا — ولا حجّةَ بلانتينغا نفسَها، فهي أيضًا نتاجُ تلك الملكات. فالأدقّ: السجلُّ لا يُبرّئ الملكات تبرئةً مستقلّةً عن نفسها، ولا يُلغى — لأنّ إلغاءه يلزم منه إلغاءُ كلّ استدلال. فالنقطة (ب) تُضعف الحجّةَ ولا تُسقطها، وهذا أدقُّ ممّا كتبتُ أوّلًا وأقلُّ نفعًا لي.

وجوابي عن (ج) — وهو موضعُ النزاع الحقيقيّ: إنّ الترابطَ بين الصدق والبقاء ثابتٌ في الإدراك القريب — المسافةُ والغذاءُ والمفترس — وأنّ الحجّةَ إنّما تعمل في الحقائق البعيدة عن أثر البقاء: علمِ الكونيّات، والرياضياتِ المجرّدة، والميتافيزيقا، والأخلاق. فالسؤال: أيّ ضغطٍ انتخابيٍّ ضبَط أذهانَنا على صدق أحكامنا في نشأة الكون؟ لا شيءَ في نجاة الجدّ الأوّل يتوقّف عليها.

ولا أزيد على هذا القدر، لأنّ الزيادةَ تدخلني في نزاعٍ في فلسفة العقل لم يُحسم: أهو المحتوى الذهنيُّ محدَّدٌ بوظيفةٍ بيولوجية — فتنتفي المقدّمةُ الحاملةُ من أصلها — أم لا؟ ولا أعلم لهذا جوابًا حاسمًا، ولا عند أهل الاختصاص فيه إجماع.

وهي سيفٌ ذو حدّين — فاحذر إفراطَها

وهذا أهمُّ ما في الفصل، وأنا أكتبه على قولي أنا. وقد كتبتُ أوّلَ مرّة: «أكتبه على نفسي لا على خصمي» — ثمّ قرأها القارئُ الذي كُتب له الفصلُ فقال: أنا الخصم. وكان محقًّا: من كتب فصلًا يخاطب فيه الشاكَّ ثمّ سمّاه في متنه «خصمًا» فقد أخبره بما هو أهمُّ من حجّته — أنّه يعدّ الأمرَ حربًا وأنّه فيها الطرفُ الآخر. فلا خصمَ ولا جبهة؛ قولٌ يقابل قولًا.

الحدُّ الأوّل: إن قلتَ «العقلُ لا يُوثق به لأنّ منشأه لا يستهدف الحقيقة»، فبأيّ أداةٍ قرأتَ حجّةَ بلانتينغا وفهمتَها وحكمتَ بصحّتها؟ بالعقل نفسِه. فمن أفرط في الحجّة هدم الأرضَ التي يقف عليها، ولم يبقَ له ما يستدلّ به على شيء — ولا على وجود الله.

والحدُّ الثاني: من يقول «ملكاتي موثوقةٌ لأنّ الله صنعها متقنة» يستعمل تلك الملكاتِ نفسَها في تقرير أنّ الله موجودٌ وأنّه صنعها متقنة. والاسمُ المستقرّ لهذا في الأدبيات الدورُ المعرفيّ، واستقرّ بهذا المعنى عند وليم ألستون سنة ١٩٨٦، وأقدمُ صياغاته «مسألةُ المعيار». وقد كتبتُ أوّلَ مرّةٍ أنّ الفلاسفة سمّوها «دائرةَ ريد» منذ القرن الثامن عشر، وهو خطأ في شقّيه: التسميةُ غيرُ قائمةٍ في الأدبيات، والاسمُ — أيًّا كان — متأخّرٌ عن ريد بقرنين. والصحيحُ أنّ توماس ريد (ت ١٧٩٦) صاحبُ الموقف لا صاحبُ الاسم: قرّر أنّ الثقةَ الأولى بالملكات لا تُبرهَن، وأنّها حالُ كلّ إنسان لا خصلةُ فريقٍ بعينه.

والمثال: ساعةٌ حائطٍ وقفت عند الثالثة. هي أدقُّ ساعةٍ في العالم مرّتين كلَّ يوم — أدقُّ في اللحظتين من ساعةٍ تتأخّر دقيقتين. ومع ذلك لا يضبط عليها أحدٌ موعدًا، لأنّك لا تعرف متى تصدق إلا بساعةٍ أخرى. *وأين ينكسر المثال*: في الساعة نعلم أنّها واقفةٌ من مصدرٍ خارجها؛ وفي مسألتنا الحكمُ بأنّ العقلَ واقفٌ يصدر عن العقل نفسِه — فالمثالُ يُري الفكرةَ ولا يُخرجنا من الدائرة.

فما الذي يبقى بعد الحدّين؟ يبقى شيءٌ واحدٌ صادق: أنّ الثقةَ بالعقل ليست نتيجةَ برهانٍ عند أحد — لا عند المؤمن ولا عند الملحد — بل هي نقطةُ ابتداءٍ يُسلّم بها كلُّ من يتكلّم. ومن طلب برهانًا عليها طلب مستحيلًا، لأنّ البرهانَ يفترضها.

والبابُ الصغير الذي فتحتُه — أُغلقه

كتبتُ في الصورة الأولى: «وهذا يفتح بابًا صغيرًا لا أكبر منه: أنّ من كانت صورتُه للعالم تجعل هذه الثقةَ متوقَّعةً أخفُّ حملًا ممّن تجعلها مفاجأةً غيرَ مفسَّرة». وقد وُجّه إليه اعتراضان، وكلاهما يعمل:

الأوّل: أعلنتُ التعادلَ ثمّ سجّلتُ بعده. إن كانت الدائرةُ واحدةً عند الطرفين فلا أفضليّةَ لأحد؛ وإن كانت ثمّ أفضليّةٌ فالدائرتان ليستا سواء. ولا يجوز أن أقرّر الأولى في فقرةٍ والثانيةَ في التي تليها.

والثاني — وهو أثقل: الدائرتان في الحقيقة ليستا سواء، ولا في صالحي. مَن لا يؤمن يبدأ بمسلَّمةٍ واحدةٍ لا برهانَ عليها — «ملكاتي تصلح بقدرٍ ما» — ثمّ يختبرها قطعةً قطعة. والمؤمنُ يبدأ بالمسلَّمة نفسِها ويزيد عليها دعوى ثانية — «وثاقتُها لأنّ الله أتقنها» — وهذه الثانيةُ بدورها من إنتاج تلك الملَكة. والدائرةُ الأكبرُ ليست كالأصغر، وقولي «من استعمل شهادةَ شاهدٍ في إثبات عدالة الشاهد فقد دار» ينقلب عليّ حرفًا بحرف.

وأين تنكسر الدعوى (٣) — وهذا موضعُ تطبيق شرطي على نفسي: في الفصل السابق قرّرتُ أنّ المعطى لا يرجّح فرضًا يستوي عنده وقوعُه ووقوعُ ضدّه، وطبّقتُه على معقولية الكون فقلتُ: الإلهُ القادرُ لا يُستبعد عنده كونٌ غيرُ معقول. فليُطبَّق ههنا: أيستبعد الإلهُ القادرُ عقلًا غيرَ موثوق؟ لا. وشاهدُ ذلك من داخل التصوّر الدينيّ نفسِه لا من خارجه: البابُ الواسعُ في الاعتقاد على أنّ العقلَ قاصرٌ عن إدراك الغيب، وأنّ ما أُوتيه الإنسانُ من العلم قليل (الإسراء ٨٥)، وأنّ الابتلاءَ سنّةٌ جارية. فالفرضُ يحتمل الحالين، فلا يترجّح بأحدهما — بالمسطرة التي رسمتُها أنا قبل ثمانين سطرًا.

فالبابُ الصغيرُ مُغلَق. والذي يبقى منه أقلُّ ممّا كتبتُ بكثير: ملحوظةٌ في الاتّساق الداخليّ، لا ترجيحٌ ولا قدرَ منه. أي أنّ من التزم صورةً للعالم تجعل هذه الثقةَ متوقَّعةً فقد التزم صورةً متّسقةً في هذا الموضع، ولا يلزم من اتّساق الصورة صدقُها — والصورُ المتّسقةُ الكاذبةُ كثيرة. ومن أراد أن يعدّ هذا في ميزانٍ فليعدّه في ميزان الاتّساق وحدَه، وليعلم أنّ في الكفّة المقابلة زيادةَ الدعوى الثانية التي ذكرتُها قبل سطرين.

خلاصةُ البابين، وما لا يثبتان

الدعوىحالُها
العالمُ يقبل وصفًا رياضيًّا مطّردًاواقعة
هذه الواقعةُ تُثبت خالقًالا تُثبت — ولا تبلغ درجةَ الدليل؛ لغزٌ قائم
العلمُ عاجزٌ بنيويًّا عن تفسير القوانينمشروطة بموقفٍ في طبيعة القوانين لا يلتزمه الجميع
في الإنسان نزوعٌ مبكّرٌ إلى الفاعل والغايةمرصود
هذا النزوعُ يُثبت صدقَ الاعتقادلا يُثبت — والتفسيرُ لا يُبطله كذلك
حجّةُ التقويض مدفوعةٌ عن الاعتقاد باللهغيرُ مدفوعة في الفاعل البعيد — ولا جوابَ عندي فيه
حجّةُ بلانتينغا تُثبت اللهلا تُثبت — ولا تُبطل البيولوجيا؛ ومدارُها على مقدّمةٍ في فلسفة العقل غيرِ محسومة
الثقةُ بالعقل تُبرهَنلا تُبرهَن عند أحدٍ من الطرفين
صورةُ المؤمن للعالم أخفُّ حملًا في تفسير الثقةلا تُرجَّح — يسقط بشرط الترجيح نفسِه؛ ويبقى اتّساقٌ داخليٌّ لا أكثر

ما الذي تغيّر — محاسبةُ الفصل

الموضعالحكمُ الأوّلالحكمُ بعد الاعتراضات
باريت«محايدٌ لا يقول شيئًا في اتّجاه الفطرة»خطأ عليه — له حجّةٌ إيجابيةٌ منشورة
بواييه«ينصّ على أنّه لا يفصل في الصدق»موقوفٌ حتى يُقابَل على صفحةٍ بعينها
«الحقلُ يشهد بالحياد»مقرَّرةٌ بشاهدينساقطة؛ وحلّ محلَّها ما هو أمتنُ: اختلافُ الحكمين على معطًى واحد
جهازُ كشف الفاعلين«الحجّةُ لا تنطبق عليه»تنطبق في الفاعل البعيدولا جوابَ عندي
النتيجةُ في باب الفطرة«تعادل»دون التعادل في الشقّ الذي يخصّني
بلانتينغا والتطوّر«يقبله ويصرّح به»خطأ — له تحفُّظٌ منشورٌ في أصل الأسلاف المشترك
صياغةُ الحجّة«الاحتمالُ منخفضٌ أو مجهول ⇒ الشكّ»صيغةٌ ساقطة؛ والصحيحةُ: العلمُ بمصدرٍ لا يستهدف الصدق
جوابُ بلانتينغا عن (ب)«قويٌّ في ذاته»يُضعف ولا يُسقط؛ ويرتدّ على حجّته نفسِها إن أُطلق
«دائرةُ ريد»تسميةٌ منذ القرن ١٨خطأ — الاسمُ «الدورُ المعرفيّ» (ألستون ١٩٨٦)؛ وريد صاحبُ الموقف
البابُ الصغير«أخفُّ حملًا»مُغلَق بشرط الترجيح؛ ويبقى اتّساقٌ داخليٌّ لا يُرجَّح به

وثلاثُ كلماتٍ في آخره

الأولى في نسبة القول إلى أهله: الموقفُ الوسطُ الذي انتهيتُ إليه — أن لا حجّةَ ناجحةً في الاتجاهين، والنجاحُ هو إلزامُ المخالف العقلانيّ — ليس اكتشافًا لي. قرّره غراهام أوبي قبل عشرين سنةً وبتفصيلٍ أشدَّ وأوسعَ مسحًا، وهو ملحد. فمن قرأ أوبي ثمّ قرأني فوجدني أقدّم الوسطَ كأنّه لي فقد وجد استعلاءً في محلّه، وهذا موضعُه من النسبة.

والثانية في اللسان: قيل لي إنّ لغةَ هذا الفصل لغةُ خطبةٍ لا لغةُ حوار، وإنّ الشابَّ الذي كُتب له يقرأ الفلسفةَ بالإنجليزية أيسرَ ممّا يقرؤها هنا، وإنّ النبرةَ رسالةٌ قبل المضمون. والملحوظةُ صحيحةٌ في أكثرها، وقد خفّفتُ ما استطعتُ — كسرتُ الطوالَ، وأسقطتُ من التوكيدات، وأبدلتُ ما وجدتُ له بديلًا. وبقي فيها أثرٌ لا أُنكره: هذا الكتابُ يخاطب قارئين لا قارئًا واحدًا — من خرج من الدين، ومن يكتب عنه بلا تدقيق — ولسانٌ واحدٌ لا يسع الاثنين على السواء. فهذا حدُّ الكتاب، وأقولُه ولا أزعم أنّي تجاوزتُه.

والثالثة في النتيجة: هذان الفصلان لا يُخرجانك من شكّك. لم أطلب منك اقتناعًا، ولم أضع في آخرهما وعدًا لم يُوفَّ. وإنّما أردتُ أن تعرف موضعَ قدمك: أنّ في العالم سؤالين حقيقيَّين لا يجيبهما العلمُ من داخله — لماذا يُفهم؟ وبأيّ حقٍّ نثق بالفهم؟ — وأنّ لا أحدَ يملك عنهما جوابًا يُلزم، وأنّ من قال لك غيرَ ذلك من أيّ الجهتين فقد باعك يقينًا ليس عنده. وأمّا أنا فقد كتبتُ في هذين الفصلين إحدى عشرة دعوى ثمّ أسقطتُها أو ضيّقتُها، وذاك أصدقُ ما أستطيع أن أقدّمه: لا أن أُعطيك نتيجةً، بل أن أُريَك الحسابَ الذي انتهت إليه.