Skip to content

٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع

السؤال: أفي بنية الكون معايرةٌ دقيقةٌ تدلّ على أنّه أُريد؟

الجوابُ في سطرين: في قوانين الفيزياء معاملاتٌ عدديةٌ حرّة لا تشتقّها النظريةُ بل تُقاس ثمّ تُوضع باليد، وبعضُ النماذج المنشورة تُخرج أنّ تغييرَ بعضها بنسبٍ قليلةٍ يُخلّ بإنتاج الكربون — وهذه حساباتٌ محكَّمةٌ لا يُنكر أحدٌ أنّها أُجريت؛ أمّا كم يبلغ المدى المسموح فمتنازَعٌ فيه بين المختصّين أنفسِهم، كما سيأتي عند آدمز وستنجر وبارنز. أمّا الانتقالُ منها إلى «فثمّ مصمِّم» فيحتاج توزيعَ احتمالٍ على القيم الممكنة لا نملكه، وأشهرُ ثلاثة أرقامٍ تُساق في هذا الباب عربيًّا موصوفةٌ بغير حقيقتها.

وهذا الفصلُ أخالف فيه أكثرَ ما كُتب في هذا الباب بالعربية، ومخالفتي في صالح الحجّة لا ضدَّها. فالرقمُ الذي يُنقل بغير حقيقته لا يخسر نفسَه وحده حين يُكشف؛ يخسر معه ثقةَ القارئ في كلّ ما قرأ قبله وبعده. ومن بنى قناعةً على رقمٍ ثمّ فتح المرجعَ فوجد صاحبَه يقول غيرَ ما نُسب إليه، لم يخسر الرقمَ بل خسر الناقل.

وما الذي يفعله هذا الفصلُ في هذا الكتاب؟ أقولها في أوّله لا في آخره، لأنّ من أخّرها أوهم قارئَه أنّه يبني وهو ينظّف. هذا الفصل تطهيرٌ لا بناء: غايتُه إخراجُ ثلاثة أرقامٍ كاذبةٍ من الأدبيات العربية، وبيانُ حدود ما يبقى بعدها. وهو لا يرجّح، ولا يُراد به أن يترك في نفسك رجحانًا. وسأقول في آخره ما بقي في يدي، وسأقول معه إنّه سؤالٌ لا حجّة — وسأُخضِعه للمِبضع الذي أُجريه على غيري، في قسمٍ معنونٍ باسمه.

أوّلًا: ما هو مقيسٌ فعلًا — «المعامِلُ الحرّ»

ابدأ من الشيء الذي لا نزاعَ فيه، ودعِ الأرقامَ المبهرة جانبًا حتّى نصل إليها.

القوانينُ الفيزيائية ليست أرقامًا، بل صورٌ: معادلاتٌ تقول كيف يرتبط مقدارٌ بمقدار. والصورةُ وحدها لا تكفي لتحسب بها شيئًا — تحتاج أن تضع فيها أعدادًا. وبعضُ هذه الأعداد تخرج من النظرية نفسها، وبعضُها لا تعرفه النظريةُ ألبتّة: تذهب فتقيسه في المعمل، ثمّ تعود فتكتبه في المعادلة بيدك. وهذا هو المعامِلُ الحرّ.

والمثال: في مصنعٍ لوحةُ تحكّمٍ فيها سبعةُ مقابض — حرارةٌ وضغطٌ وسرعةُ سير. وكتيّبُ الجهاز، وهو مئةُ صفحةٍ تشرح كيف تعمل الآلة شرحًا تامًّا، لا يقول في موضعٍ واحدٍ منه في أيّ درجةٍ يوضع كلُّ مقبض. تلك أرقامٌ مكتوبةٌ بخطّ اليد على ورقةٍ ملصَقةٍ بجانب اللوحة، جاءت من التجربة لا من الكتيّب. والكتيّبُ ليس ناقصًا: هو يصف الآلة، والورقةُ تصف الضبط.

*وأين ينكسر هذا المثال*: مقابضُ المصنع نرى مداها بأعيننا — من صفرٍ إلى مئة، محفورةً على اللوحة. ومدى القيم الممكن للمعاملات الكونية لا نراه ولا نعرف حدَّه، وسيتبيّن بعد قليلٍ أنّ هذا الجهلَ بعينه هو أخطرُ ما في الباب كلِّه.

ومثالٌ ثانٍ أقربُ إلى البيت: «دقيقٌ وماءٌ وحرارة» هي قاعدةُ الخبز، وهي لا تقول ثلاثةً إلى واحد. تسأل الخبّاز: من أين جاءت النسبة؟ فلا يحيلك على قانونٍ في الكيمياء، بل على تجربةٍ ورثها. القاعدةُ في الكتاب، والنسبةُ في اليد.

*وأين ينكسر*: عند الخبّاز خبزٌ مقبولٌ في مدياتٍ واسعة، فالنسبةُ مرنة. والدعوى في هذا الباب أنّ المدى المقبول في بعض المعاملات الكونية ضيّق — وضيقُه هو المتنازَعُ فيه، لا وجودُ المعامل الحرّ نفسِه.

فكم في الفيزياء من هذه المعاملات؟ في النموذج القياسيّ لفيزياء الجسيمات نحوُ عشرين معامِلًا حرًّا — كتلُ الجسيمات، وشدّاتُ القوى، وزوايا الخلط — ومعها معاملاتُ النموذج الكونيّ المعياريّ: كثافةُ المادّة، وثابتُ الكون، ومقدارُ التذبذبات الأولى.

وهذا الأخيرُ يمرّ في الكتابة العربية اسمًا بلا معنًى، فأشرحه. الكونُ بعد الانفجار بلحظاتٍ كان قريبًا من التجانس التامّ: كثافةٌ واحدةٌ في كلّ مكانٍ تقريبًا. و«تقريبًا» هذه هي المقصودة: فيها تفاوتٌ طفيفٌ بين موضعٍ وموضعٍ مقدارُه نحوُ جزءٍ من مئة ألف (يُرمز له `Q ≈ 10⁻⁵`)، ونراه اليومَ مطبوعًا في إشعاع الخلفية الميكرويّ. وهذا التفاوتُ هو بذرةُ كلّ بنيةٍ في الكون: الجاذبيةُ تشدّ المواضعَ الأكثفَ قليلًا فتزداد كثافةً، حتّى تصير مجرّاتٍ ونجومًا. فلو كان أصغرَ كثيرًا لبقيت المادّةُ غازًا مبعثرًا لا يتكتّل؛ ولو كان أكبرَ كثيرًا لتكتّلت الكتلُ بسرعةٍ إلى ثقوبٍ سوداء. فهو معامِلٌ يُقاس ولا تشتقّه النظريةُ من مبادئ — وهذا وحدَه ما أدّعيه فيه هنا؛ أمّا ضيقُ مداه فمن جنس ما نتنازع فيه في هذا الفصل كلِّه.

والعددُ نفسُه يختلف باختلاف ما تعدّه وكيف تعدّه (أتعدّ كتلَ النيوترينوات؟ أتعدّ الأصفارَ؟)، فمن ساق العددَ رقمًا حاسمًا فقد بالغ فيما لا يحتمل المبالغة.

وهنا أوّلُ حدٍّ للدعوى: أنّ المعامِل حرٌّ في نظريّتنا لا يعني بالضرورة أنّه حرٌّ في الواقع. فقد يكون في الطبيعة قانونٌ أعمق لم يُكتشف بعدُ يشتقّه اشتقاقًا، فيسقط وصفُ «الحرّ» عنه. وقد وقع مثلُ هذا مرارًا: كانت أطوالُ موجات ضوء الهيدروجين جدولًا يُقاس ويُكتب باليد، حتى جاءت ميكانيكا الكمّ فاشتقّتها من مبادئ. فوجودُ المعامل الحرّ خبرٌ عن حدود علمنا بقدر ما هو خبرٌ عن العالم — وهذا وحدَه يكفي ليتريّث من أراد أن يبني عليه بناءً ثقيلًا. واحفظ هذا الحدَّ، فسأعود إليه في الخلاصة لأُسقط به صيغةً كنتُ كتبتُها ثمّ رأيتُها تناقضه.

ثانيًا: ثلاثةُ أرقامٍ تُصحَّح، ولكلٍّ اسمُ خطئه

هذه الأرقامُ الثلاثة تكاد لا تخلو منها صفحةٌ عربيةٌ في الباب. وليس في واحدٍ منها كذبٌ متعمَّد؛ فيها نقلٌ صحيحٌ ووصفٌ خاطئ، وهو أخطرُ من الكذب لأنّه ينجو من المراجعة.

كما يُساقوما هو فعلًااسمُ الخطأ
«مضبوطٌ بجزءٍ من ١٠^١٢٠»فارقٌ بين تقديرٍ نظريٍّ وقياس، يتغيّر بتغيّر حدّ القطعسَوقُ فارقِ حسابٍ رقمَ معايرة
«٢٪ في القوّة النووية»٠٫٥٪ في القوّة النووية (و٤٪ في قوّة كولوم) · ٢–٣٪ في كتلة الكوارك الخفيف — كمّيّاتٌ لا كمّيّةٌ واحدةخلطُ كمّيّتين، وشقٌّ نُوزع فيه منشورًا
«احتمالُ بنروز ١٠^(١٠^١٢٣)»نسبةُ حجمٍ في فضاء الطور، والمقياسُ لا يُطبَّع إلا باختيارنسبةٌ لُبّست ثوبَ احتمال

(أ) «١٠^١٢٠»: فارقُ تقديرٍ لا مقدارُ ضبط

الرقمُ صحيحٌ في موضعه. أصلُه أنّ نظرية الحقول الكمّية، إذا حُسبت طاقةُ الفراغ فيها إلى مقياس بلانك، تُعطي قيمةً تفوق القيمةَ المرصودةَ لثابت الكون بنحو مئةٍ وعشرين رتبةً عشرية. وهذا الفارقُ أشهرُ مشكلةٍ مفتوحةٍ في الفيزياء النظرية، ولا أحدَ ينكره.

لكنّه ليس معايرةً قِيست في الكون. هو فارقٌ بين حسابين: حسابٍ نظريٍّ نعلم أنّه ناقص، وقياسٍ نثق به. وممّا يدلّ على أنّه ليس رقمَ دقّةٍ مرصودًا أنّه يتغيّر بتغيّر موضعِ القطع في الحساب: إن أوقفتَ الحسابَ عند مقياس بلانك خرج نحوُ ١٠^١٢٠، وإن أوقفتَه عند المقياس الكهروضعيف خرج نحوُ ١٠^٥٥. والكونُ لم يتغيّر بين الحسابين — إنّما تغيّر افتراضُنا عن الموضع الذي تنتهي عنده نظريّتُنا.

وليس هذا إبطالًا للمسألة من أصلها، وهنا موضعٌ صحّحتُ فيه نفسي. كنتُ كتبتُ: «فالرقمُ يقيس جهلَنا لا صنعةَ الكون» — وهذه قسمةٌ ثنائيةٌ باطلة، تفترض أنّ الاحتمالَ إمّا معايرةٌ مرصودةٌ وإمّا مقدارُ جهل. والحالُ ثالثة: يبقى في ثابت الكون مسألةُ إلغاءٍ حقيقيةٌ في النظرية — وهي «الطبيعية» عند الفيزيائيّين، وستأتي في القسم الثالث بمثالها المحسوس — ومؤدّاها أنّ القيمةَ المرصودة تقتضي إلغاءً دقيقًا بين مقاديرَ كبيرة. وذاك حكمٌ على النظرية لا احتمالٌ يُحسب على العالم. فالذي يسقط سَوقُ «١٠^١٢٠» رقمَ ضبطٍ مقصود، لا المسألةُ نفسُها.

والمثال: تقول لمهندسٍ: قدِّر لي كلفةَ بناء هذا البيت من غير أن تنزل إلى السوق. فيحسب بأرقامٍ قديمةٍ عنده فيقول: مئةُ مليون. ثمّ تأتي الفاتورةُ الفعلية: مئةُ ألف. فالفارقُ ألفُ ضعف. فماذا يقيس هذا الفارق؟ يقيس خطأ التقدير، لا دقّةَ البنّاء ولا براعتَه.

*وأين ينكسر*: المثالُ مبنيٌّ على أنّنا نعلم أنّ التقدير هو الخطأ — ونعلم الرقمَ الصحيح ومصدرَ الغلط. وفي مسألة طاقة الفراغ لا نعرف أين الخطأ، وذاك سببُ كونها مشكلةً مفتوحةً منذ عقود. فالمثالُ يُري صورةَ الاحتمال الذي أرجّحه، ولا يبرهن عليه — ومن ساقه برهانًا فقد صادر على المطلوب، وهو نفسُ ما أنهى عنه.

وثمّ في المسألة نفسها حسابٌ آخرُ يصحّ: حسب ستيفن واينبرغ سنة ١٩٨٧ حدًّا أعلى لثابت الكون من شرطٍ فيزيائيٍّ واضح — أنّ المجرّات لا تتكوّن إن زاد عن قدرٍ معلوم.

وهنا أُعطي الرقمَ الذي أسقطتُه أوّلَ مرّة. كنتُ كتبتُ «أقربُ إلى القيمة المرصودة بمراتب لا تُحصى» — وهذه عينُ الإبهام الذي بنيتُ الفصلَ على ذمّه، ومن هدم رقمًا كاذبًا ولم يضع مكانه الرقمَ الصادق فقد ترك قارئَه أسوأَ ممّا وجده. والصوابُ: حدُّ واينبرغ يعلو القيمةَ المرصودة بنحو رتبةٍ عشريةٍ إلى ثلاث رتب بحسب التقدير — أي بعاملٍ من عشراتٍ إلى مئاتٍ قليلة — لا مئةً وعشرين رتبة. وهذا هو الرقمُ الحقيقيُّ للحجّة في هذا الموضع، وهو أقلُّ إبهارًا بما لا يُقاس من الرقم الذي يُساق. ومن ساق ١٠^١٢٠ وسكت عن هذا، ساق الأكبرَ وأخفى الأصدق.

وهذا حسابٌ حقيقيٌّ ذو قيمة — ولكن انتبه إلى ثمنه: الحدُّ لا يصير تنبّؤًا إلا بتوزيعٍ مفترضٍ على القيم داخل المدى المسموح، وواينبرغ يأخذه من فرض التعدّد. فهو يشتري قوّتَه بالافتراض الذي أقول في القسم الثالث إنّنا لا نملكه — ولو مدحتُه استدلالًا سليمًا وسكتُّ عن هذا، لكِلتُ بمكيالين في المقدّمة الواحدة. ومن ساقه دليلَ ضبطٍ بلا هذا القيد ساق نصفَ الورقة.

ثمّ انظر ماذا صنع به صاحبُه: ساقه تعليلًا بالانتقاء في كونٍ متعدّد، لا دليلًا على مصمِّم. وواينبرغ يعلن إلحادَه ولا يُخفيه. فمن نقل الرقمَ فليذكر أنّ صاحبَه ساقه في اتّجاهٍ آخر، ولا يُنسب إليه ما لم يقله؛ أمّا أن يخالفه في التأويل فحقٌّ له، بشرط أن يبيّن أنّ التأويل تأويلُه هو وأن يقيم عليه دليلَه بنفسه. وذاك نقلٌ يُكشف في دقيقةٍ بمحرّك بحث.

وأُصرّح بقاعدةٍ سأُلزَم بها في هذا الفصل كلِّه: صحّةُ الحساب مستقلّةٌ عن تأويل صاحبه، ومخالفةُ صاحبِ الرقم في النتيجة ليست خطأً في نفسها — وأنا أخالف واينبرغ في تفسيره وآخذ حدَّه. والخطأُ الذي أُحاكمه شيءٌ آخر: أن يُنسب إلى الرجل ما يصرّح بخلافه، أو أن يُستعار وجهُه لتأويلٍ ليس تأويله.

(ب) «٢٪ في القوّة النووية»: خلطُ كمّيّتين

هذه أشدُّ الثلاثة انتشارًا وأقلُّها تحقيقًا. والصواب أنّ في الأدبيات رقمين مختلفين لكمّيّتين مختلفتين، فجُمعا في عبارةٍ واحدةٍ لا يقولها بحثٌ منشور:

  • أوبرهومر وزملاؤه (٢٠٠٠) حسبوا أثرَ تغيير شدّة القوّة النووية بين النويّات في تخليق الكربون والأكسجين داخل النجوم، فوجدوا نافذةً مزدوجة: نحوُ ٠٫٥٪ في شدّة القوّة النوويّة، و٤٪ في قوّة كولوم. والنقلُ العربيّ يسوق الأولى وحدَها ويسكت عن الثانية — وحذفُ نصف النافذة في فصلٍ مبناه «الرقمُ يُنقل بحدوده» عيبٌ من الصنف الذي أُحاكمه، فأثبتُّها.
  • وأثرُها أشدُّ ممّا كنتُ كتبتُ: قلتُ أوّلَ مرّة إنّ «النسبة بين الكربون والأكسجين تختلّ» — ونصُّ الورقة أنّ إنتاج الكربون أو الأكسجين في النجوم ينقص بعاملٍ من ثلاثين إلى ألف. فهذا نقصٌ بثلاث رتب، لا انزياحُ نسبة. والتخفيفُ كان في صالح خصمي، وهو مع ذلك غيرُ دقيق — والدقّةُ تجري على الجهتين أو لا تجري.
  • إيبلباوم وزملاؤه (٢٠١٣) حسبوا مسألةً أخرى: أثرَ تغيير كتلة الكوارك الخفيف — وهي معامِلٌ في النموذج القياسيّ، أعمقُ درجةً من شدّة القوّة بين النويّات — فوجدوا أنّ تغييرًا بنحو ٢–٣٪ يُخرج المستوى النوويّ الذي يمرّ به تخليقُ الكربون عن موضعه.

والكمّيّتان ليستا شيئًا واحدًا: كتلةُ الكوارك تدخل في كتلة البايون، وكتلةُ البايون تدخل في القوّة بين النويّات دخولًا غيرَ خطّيّ، والقوّةُ بين النويّات تدخل في معدّل التفاعل. فنقلُ رقمٍ من طرف السلسلة إلى طرفها الآخر تحريفٌ وإن كانت الرتبةُ متقاربة.

والمثال: قال لك الطبيب: «زيادةُ ملعقةٍ من الملح يوميًّا ترفع ضغطك». وقال آخر: «زيادةُ ملعقتين من صلصةٍ جاهزةٍ ترفع ضغطك». فجاء ثالثٌ فقال: «ملعقتان من الملح ترفعان الضغط». الجملةُ الثالثة ليست في فم أحدٍ منهما، وفرقُ ما بين الملح والصلصة ليس فرقَ رقمٍ بل فرقَ مادّةٍ تُقاس. وأنت لا تعرف — إن التبس عليك المنقول — أيَّ الملعقتين تُنقص من طعامك.

*وأين ينكسر*: الملحُ والصلصةُ يمكن فصلُهما بالنظر في الصحن؛ وكتلةُ الكوارك وشدّةُ القوّة النووية لا يفصلهما إلا من قرأ الورقتين — وذاك سببُ بقاء الخلط عشرين سنة.

والشقُّ الثالث من الدعوى نُوزع فيه في الأدبيات. يُقال كثيرًا: «لو زادت القوّة النووية بنحو ٢٪ لارتبط البروتونان معًا، فاحترق الهيدروجينُ كلُّه في الدقائق الأولى، فلا ماءَ ولا نجومَ من نوع شمسنا».

وهنا أُصحّح نقلًا وقعتُ فيه، وهو أثقلُ ما أُصحّحه في هذا الفصل. كنتُ كتبتُ أنّ برادفورد سنة ٢٠٠٩ وجد أنّ الهيدروجين لا يفنى «وأنّ النجوم تظلّ ممكنة» — والشقُّ الأوّل صحيحٌ والثاني نقيضُ خلاصة الورقة. برادفورد يقول: نعم، ثباتُ الديبروتون لا يُفني الهيدروجين في التخليق النوويّ الأوّل — فينقض هذا الشقَّ من الدعوى الشائعة. لكنّه في باطن النجوم يفتح مسارًا لتحويل البروتونات إلى ديوترونات أسرعَ من الأسر الضعيف بنحو عشر رتبٍ عشرية، فتمتنع النجومُ من الصنف الحارّ الكثيف المألوف. فالورقةُ تنقض شقًّا وتُشدّد الآخر.

ومن أين جاء الخطأ؟ من ورقةٍ أخرى: بارنز ولويس، في بحثٍ لاحقٍ عن ربط الديبروتون في النجوم، خرجا بأنّه «لا كارثةَ ديبروتون» وأنّ النجوم تعمل. فانتقلت النسبةُ من ورقةٍ إلى ورقة في ذهني — وهي بعينها العلّةُ التي بنيتُ الفصلَ على محاكمتها. ولستُ أُخفيها: من كتب فصلًا في أمانة النقل ثمّ أخطأ فيه، فأقلُّ ما عليه أن يُبقيَ خطأه مكتوبًا ليعتبر به قارئُه.

وتصحيحُ الوصف كذلك: كتبتُ «فالدعوى مردودةٌ في مجلّةٍ محكَّمة منذ سنين» — وهذه أقوى ممّا تحتمل. ورقةٌ واحدة، مؤلّفٌ منفرد، في مجلّةٍ ليست من كبريات مجلّات الحقل. وأنا في الصفحة نفسها أشترط الحذرَ من ورقةٍ تغيّر معامِلًا واحدًا وتثبّت ما سواه، فلا يجوز أن تصير الورقةُ «ردًّا منشورًا» حين توافق هواي و«نموذجًا محدودًا» حين تخالفه. والأدبُ في المسألة أوسع: لماكدونالد ومولان في السنة نفسها تقديرٌ أشدُّ في أثر القوّة النوويّة على التخليق الأوّل. فالصوابُ أن يُقال: نُوزع في هذه الدعوى منشورًا وتفصيلُها مختلَفٌ فيه — لا أنّها مردودة.

وقيدٌ ثالثٌ يسري على الأرقام الصحيحة كلِّها: هذه النماذج تغيّر معامِلًا واحدًا وتُثبّت ما سواه. وهذا صحيحٌ منهجيًّا في بابه، لكنّ نتيجته لا تُقرأ «لو اختلف الكونُ لانهار» — بل «لو اختلف هذا المعامل وحده وبقي كلُّ شيءٍ آخرَ كما هو لاختلّت هذه العملية». والتغييرُ المتزامن قد يُعوّض. وقد مسح فريد آدمز سنة ٢٠١٩ مدى السماح في ثوابت الفيزياء مسحًا كمّيًّا فوجد أنّ النجوم تتكوّن في مدًى أوسعَ كثيرًا ممّا يُتداول، وأنّ عدّةَ أرقامٍ مشهورةٍ في هذا الباب مبالَغٌ فيها. وهذا باحثٌ في صميم التخصّص يضيّق الدعوى لا يوسّعها، ومن أراد أن يكون أمينًا ذكره.

وفي الجهة الأخرى: أنكر فكتور ستنجر أصلَ الظاهرة في كتابٍ منشورٍ سنة ٢٠١١ وقال إنّ المديات واسعة؛ فردّ عليه لوك بارنز سنة ٢٠١٢ بمراجعةٍ مطوّلة. وأضبطُ ما تقوله المراجعةُ عن نفسها: إنّ كثيرًا من دعاوى ستنجر «إشكاليّةٌ جدًّا» — أي أنّها تُشكِل عليه دعاويه، لا أنّها «تُثبت الضبط» كما كتبتُ أوّلَ مرّة. وأمّا نفيُ اللاهوت فمُثبَتٌ بنصّه: يقول بارنز صراحةً إنّه لا يحاول الدفاع عن أيّ نتيجةٍ مبنيّةٍ على ضبط الكون للحياة العاقلة. وبارنز مسيحيٌّ مصرّحٌ بدينه — فهذه جملةُ رجلٍ يخالف نتيجتَك وهو على ملّتك، وهي أثقلُ في الميزان من جملة خصم. فالميزانُ الأمين: الظاهرةُ محلُّ بحثٍ جادّ، وأرقامُها أضيقُ مما يقول ستنجر وأوسعُ مما يقول الوعّاظ.

(ج) «احتمالُ بنروز»: نسبةٌ لُبّست ثوبَ احتمال

الرقمُ في كتاب روجر بنروز صحيحٌ نقلًا: ١٠ مرفوعةٌ إلى ١٠^١٢٣. والخطأ في ثلاثة مواضعَ معًا:

الأوّل: ليس احتمالًا. هو نسبةُ حجمٍ في فضاء الطور — أي في الفضاء الرياضيّ الذي تُمثَّل فيه كلُّ الحالات الممكنة للكون — بين حجم الحالات الموافقة لكونٍ كحالة كوننا الابتدائية وحجم الحالات كلِّها. وقسمةُ حجمٍ على حجمٍ لا تصير احتمالًا إلا إذا كان هناك توزيعٌ مسبقٌ مبرَّرٌ يقول إنّ الحالات تُسحب بتساوٍ. وذلك التوزيعُ هو المفقود.

والمثال: أنت في مكتبةٍ فيها مليونُ كتاب، وواحدٌ منها فيه توقيعُ مؤلّفه. أن تقول: «الكتبُ الموقَّعة نسبتُها واحدٌ من مليون» — صحيحٌ تمامًا، وهو خبرٌ عن المكتبة. وأن تقول: «احتمالُ أن يكون الكتابُ الذي في يدي الآن موقَّعًا واحدٌ من مليون» — هذا خبرٌ آخر، ولا يصحّ إلا إذا كنتَ سحبتَه سحبًا أعمى متساويًا. فلو أنّ أمينَ المكتبة ناولك إيّاه لأنّه الموقَّع، بقيت النسبةُ صحيحةً وبطل الاحتمالُ تمامًا. النسبةُ خبرٌ عن الرفوف، والاحتمالُ خبرٌ عن يدك.

*وأين ينكسر*: في المكتبة نعرف عدد الكتب ونعرف كيف وصل الكتابُ إلى يدنا؛ وفي فضاء حالات الكون يُتنازع في المقياس نفسه، فالمثالُ يُري الفرقَ بين النسبة والاحتمال ولا يفصل في النزاع.

الثاني: المقياسُ لا يُطبَّع إلا باختيارٍ يُبرَّر. وهنا أُصحّح صياغةً كتبتُها في المتن وناقضتُ بها ما كتبتُه في الهامش. قلتُ: «أن تنسب حجمًا إلى حجمٍ يقتضي أن يكون الحجمُ الكلّيُّ متناهيًا» — وهذا ليس دقيقًا. نِسَبُ اللانهائيات تُؤخذ فعلًا بتنظيم (regularization): تقتطع جزءًا متناهيًا، وتحسب فيه النسبة، ثمّ تُوسّع القطع وترى إلى أين تؤول. والعلّةُ ليست أنّ النسبة ممتنعة، بل أنّها تتبع التنظيم.

والمثالُ الذي يُريك هذا بعينك، وقد كان ناقصًا من الفصل: ما نسبةُ الأعداد الزوجية إلى كلّ الأعداد الطبيعية؟ الجوابُ البديهيّ: النصف. وهو صحيحٌ إن عددتَ على الترتيب المألوف: ١، ٢، ٣، ٤، … فتجد في كلّ قطعٍ نصفَها زوجيًّا، وتؤول النسبةُ إلى ٠٫٥. لكن رتّبها هكذا: ١، ٢، ٤، ٣، ٦، ٨، ٥، ١٠، ١٢، … أي فردٌ ثمّ زوجيّان، وهي الأعدادُ نفسُها لم يسقط منها ولم يُزَد فيها واحد. فإن عددتَ على هذا الترتيب وجدتَ في كلّ قطعٍ ثلثيها زوجيًّا، وآلت النسبةُ إلى الثلثين. وبترتيبٍ ثالثٍ تصل إلى العُشر، وبرابعٍ إلى تسعة أعشار. فالنسبةُ لم تكن ممتنعة — كانت تابعةً للترتيب. والترتيبُ ليس في الأعداد، بل في يد العادّ. ولو أنّ رجلين تنازعا فقال أحدهما «النصف» وقال الآخر «الثلثان»، لم يكن بينهما فصلٌ حتّى يتّفقا على لماذا هذا الترتيبُ دون ذاك. وهذه بعينها حالُ فضاء حالات الكون: من قال «النسبةُ ١٠^(−١٠^١٢٣)» فقد عدّ بترتيب، ولم يُبرهن أنّ ترتيبَه هو الترتيب.

وقد بحث غيبونز وتوروك سنة ٢٠٠٨ مسألةَ المقياس في الكونيّات، فبيّنا أنّ المقياس الطبيعيّ على فضاء الحلول الكونية لا يُعطي مجموعًا متناهيًا إلا بقطعٍ يُختار اختيارًا.

وهنا أُصحّح نقلًا ثانيًا. كنتُ كتبتُ عنهما «وأنّ النتائج تتبع الاختيار» — وهذا نقيضُ آخر جملةٍ في ملخّصهما: هما يقولان إنّ المقياس، في بعض المقادير التي تهمّ، شديدُ اللامبالاة بتفاصيل كيفية إجراء القطع. وذاك عندهما فضيلةُ مقياسهم لا عيبُه. فأنا أخذتُ ورقةً تُعالج المشكلة وجعلتُها شاهدًا على استعصائها. وقيدٌ ثانٍ: مقياسُ غيبونز–توروك مقياسٌ على فضاء الحلول الكونية (وأشهرُ نتائجه أنّ احتمال عددٍ كبيرٍ من مرّات التضخّم مكبوتٌ كبتًا أُسّيًّا)، وليس مقياسًا على فضاء الطور الابتدائيّ الذي يحسب فيه بنروز. فالاستشهادُ به على مسألة بنروز مقاربةٌ لا انطباق، وأقولها صريحةً بدل أن أُمرّرها. فماذا يبقى من الاعتراض بعد التصحيحين؟ يبقى مسألةُ المقياس نفسُها — وهي مشكلةٌ معترَفٌ بها في الكونيّات، وقائمةٌ بلا حاجةٍ إلى غيبونز وتوروك — ومؤدّاها أنّ النسبةَ معلّقةٌ على تبريرِ مقياس، ومثالُ الأعداد الزوجية يكفي لإفهامها. وأمّا أن أنسب إليهما أنّ «النتائج تتبع الاختيار» فذاك ما لا يقولانه، وقد رفعتُه.

والثالث — وهو أثقلها في ميزان الأمانة: بنروز يسوق رقمه لغرضٍ مضادّ. هو لا يقدّمه حجّةَ تصميم؛ يقدّمه بيانًا لضخامة اللغز ثمّ يطلب له تفسيرًا فيزيائيًّا، وقد اقترح ذلك التفسير سنة ١٩٧٩ باسم «فرضيّة انحناء فايل»: قانونٌ يفرض على أيّ بدايةٍ كونيةٍ شرطًا هندسيًّا يجعل الإنتروبيا الابتدائية منخفضةً بحكم القانون لا بحكم الاتّفاق.

وتصحيحٌ ثالثٌ في الوصف: كتبتُ إنّ «الخالق» في صفحة بنروز صورةٌ ساخرة — والرسمُ في كتابه إيضاحيٌّ لا ساخر: يدٌ إلهيةٌ تضع دبّوسًا في نقطةٍ من فضاء الطور، ومقصودُه تصويرُ ضآلة المساحة المطلوبة. ووصفي إفراطٌ في اتّجاهي، وهو الصنفُ نفسُه من إفراط النقل الذي أُحاكمه. ويكفيني أنّ بنروز يطلب تفسيرًا فيزيائيًّا — وهذه وحدَها تكسر الدعوى، ولا تحتاج زيادة.

فمن نقل الرقمَ ونسب إلى بنروز أنّه ساقه دليلًا على مصمِّم فقد نسب إليه ما يصرّح بخلافه. ولمن شاء أن يخالف بنروز في النتيجة فذاك حقُّه — مخالفةُ صاحبِ الحساب ليست خطأً في نفسها — لكن عليه حينئذٍ أن يقيم الدليلَ بنفسه، ولا يستعير لتأويله وجهَ صاحبِ الرقم.

ومعه دعوى ثالثةٌ تخالف الواقع: أنّ «العلمَ لا يملك تفسيرًا فلم يبقَ إلا التصميم». التفسيرُ الفيزيائيُّ مطروحٌ منذ سنة ١٩٧٩ ومن صاحب الرقم نفسِه. وقد يكون خطأً — فرضيّةُ انحناء فايل لم تُثبت — لكنّ وجودَ مرشَّحٍ مطروحٍ يُبطل دعوى «لم يبقَ إلا».

ولا أُعفي فرضيّةَ فايل ممّا سأُجريه على غيرها. هي قانون، والقانونُ يُسأل: ولماذا هذا القانونُ دون غيره؟ فحجّةُ «السؤالُ ينتقل ولا يُلغى» — التي سأُشهرها بعد قليلٍ في وجه المولِّد الكونيّ — تسري على فرضيّة فايل بحرفها. وإنّما أذكرها هنا لغرضٍ واحدٍ محدود: إبطالُ دعوى «لم يبقَ إلا التصميم»، لا ترجيحُها على ما سواها. ومن رأى أنّي رحّبتُ بها ورفضتُ المولِّدَ بالحجّة نفسِها فقد رأى شيئًا كان فيّ، وقد رفعتُه.

ثالثًا: مشكلةُ المقياس — لماذا لا يصير «النطاقُ الضيّق» احتمالًا صغيرًا

هذا هو الاعتراضُ الأمتنُ في الباب كلِّه، وأقلُّه ذكرًا في الكتابة العربية. صاغه تيموثي ولِيديا ماكغرو وإريك فيستروب سنة ٢٠٠١ في مجلّة *Mind*، وصياغتُه في سطر:

دعوى «المدى الذي يسمح بالحياة ضيّقٌ جدًّا» تفترض أنّنا نعرف المدى الكلّيّ الذي كان يمكن أن تقع فيه القيمة. فإن كان ذلك المدى غيرَ متناهٍ، فلا يوجد توزيعُ احتمالٍ منتظمٌ قابلٌ للتسوية عليه ألبتّة — فالنسبةُ التي يقوم عليها البرهان غيرُ معرَّفة، لا صغيرةً ولا كبيرة.

والمثال: يقول لك صديقك: «فكّرتُ في عدد. ما احتمالُ أن يكون زوجيًّا؟» فتسأله: من واحدٍ إلى عشرة؟ فيقول: لا، من كلّ الأعداد بلا حدّ. عند هذه النقطة لا يصير جوابُك صغيرًا — يصير السؤالُ بلا جواب. لأنّ «اختيارًا متساويًا من غير منتهٍ» عبارةٌ لا مصداقَ لها: أيُّ توزيعٍ تضعه سيرجّح منطقةً على أخرى، ولا شيءَ في السؤال يقول أيَّ منطقة.

ومثالٌ ثانٍ يُريك الأمرَ بعينك: ترمي دبّوسًا على خريطةٍ معلَّقةٍ على الجدار وتسأل: ما احتمالُ أن يقع في مصر؟ الجوابُ يقتضي أن تعرف حوافّ الورقة أوّلًا: كم مساحتُها كلُّها؟ أمّا ورقةٌ لا حافّةَ لها فلا تعطيك نسبةً صغيرةً ولا كبيرة — لا تعطيك نسبةً أصلًا. ومساحةُ مصر لم تتغيّر في الحالين.

*وأين ينكسر المثالان*: الدبّوسُ يُرمى بيدٍ لها عادةٌ وميل، فالتوزيعُ ليس متساويًا حتّى على ورقةٍ محدودة — وهو تذكيرٌ بأنّ «العشوائيَّ المتساوي» فرضٌ يُبرَّر لا حالةٌ طبيعية. وأشدُّ من هذا انكسارًا: مثالُ الأعداد الزوجية الذي مرّ في القسم الثاني يُري أنّ الأمرَ ليس امتناعًا مطلقًا — تستطيع أن تحسب النسبةَ بتنظيم، وتخرج بالنصف أو بالثلثين حسب ترتيبك. فالعجزُ عجزٌ عن التبرير لا عن الحساب، ومشروطٌ بغياب المقياس المبرَّر لا مطلق. ومن قال «الحسابُ مستحيل» تجاوز؛ والصوابُ «الحسابُ معلَّقٌ على اختيارٍ لم يُبرَّر».

وأصحابُ الحجّة أجابوا، والجوابُ يُعرض بأمانة وبحقّه — فهو قلبُ النزاع كلِّه، وقد بخستُه أوّلَ مرّة أربعةَ أسطر.

يقيّد روبن كولنز المدى بما يسمّيه «النطاق المستنير معرفيًّا» (epistemically illuminated range): لا تحسب على مدًى لا نهائيّ — فذاك عبثٌ يعترف به — بل على المدى الذي تملك نظريّاتُنا الحالية أن تقول فيه شيئًا مفهومًا. وما وراءه فليس صغيرًا ولا كبيرًا؛ هو خارجُ دائرة الكلام.

وخذ مثالَه المحسوس، وهو مثالُ كولنز نفسِه في ثابت الجاذبية. ما مدى القيم التي تستطيع فيزياؤنا أن تتكلّم عنها لقوّة الجاذبية؟ يقول كولنز: حدُّه الأعلى المعقول هو أن تبلغ الجاذبيةُ شدّةَ القوّة النووية الشديدة — أي نحوَ ١٠^٤٠ ضعفَ ما هي عليه — فما فوق ذلك لا نملك عنه نظريةً نتكلّم بها. ثمّ يسأل: وكم يبلغ المدى الذي تبقى فيه النجومُ ممكنة؟ فيقدّره بنحو ثلاثة آلاف ضعف. فالنسبةُ إذن ليست «واحدًا من لانهاية» — بل واحدٌ من نحو ١٠^٣٦، وهو رقمٌ معرَّفٌ يُحسب. وبهذا يعود التوزيعُ قابلًا للتسوية وتعود النسبةُ معرَّفة. وهذا جوابٌ حقيقيٌّ لا مراوغة، ويجب أن يُقرأ قبل أن يُردّ.

*وأين ينكسر — وهو أشدُّ ما في النزاع*: حدُّ النطاق قرارٌ لا اكتشاف. لماذا كانت القوّةُ الشديدةُ هي السقف؟ لِمَ لا كتلةُ بلانك، فيتّسع المدى رتبًا كثيرة، وتصغر النسبةُ بمقدارها؟ ولِمَ لا مقياسٌ أضيقُ فتكبر النسبةُ حتّى لا تُدهش؟ ومن غيّر الحدودَ غيّر النتيجة، والحدودُ ليست في الطبيعة بل في مبلغ نظريّتنا اليوم — أي أنّ الرقمَ الخارج يتغيّر بتقدّم الفيزياء لا بتغيّر الكون، وتلك بعينها علّةُ ١٠^١٢٠ عائدةً من بابٍ آخر. ولا حسمَ في هذه المسألة إلى اليوم، وهي عندي أهمُّ نقطةٍ مفتوحةٍ في الباب كلِّه.

وهذا السلاحُ ذو حدَّين — وقد أخطأتُ في وصف حدّيه، فأُصلح. كنتُ كتبتُ: «فالمقياسُ المفقود مفقودٌ على الطرفين معًا، وغيابُه يوقف الحساب ولا يرجّح أحدًا» — ثمّ زدتُ: «فمن ظنّ أنّ ماكغرو يمنح الطبيعيةَ نصرًا فقد قرأه كما قرأ غيرُه بنروز». وهاتان جملتان أرفعُهما. أمّا الثانية فتُلحق بالقارئ تهمةَ سوء القراءة بلا دليل، بعد صفحاتٍ بنيتُ فيها رصيدًا في أمانة النقل — فاستعملتُ الرصيدَ في غير ما كُسب. ولم يقل أحدٌ إنّ ماكغرو «يمنح الطبيعيةَ نصرًا»؛ ماكغرو يقول: الحجّةُ لا تقوم. وسقوطُ الحجّة ليس نصرًا للطرف الآخر — وهذا حقّ — لكنّه نتيجةٌ حقيقيةٌ لا تعادُل، وأنا جعلتُها تعادلًا بجرّة قلم. وأمّا الأولى — دعوى التماثل — فهي أثقلُ خطئي في هذا الفصل. غيابُ المقياس ليس متماثلَ الأثر على الطرفين، والسببُ بسيط: الموقفُ المقابل الجادّ ليس «لا ضبطَ هنا ولا شيءَ يستدعي سؤالًا» — ذاك موقفٌ لا يحمله ماكغرو ولا كارول ولا أوبي. الموقفُ المقابل الجادّ هو: الظاهرةُ لغزٌ حقيقيّ، والحجّةُ المبنيّةُ عليها لا تقوم، ولا أدري ما الجواب. و«لا أدري» لا يحتاج مقياسًا أصلًا — إنّما يحتاجه من يريد أن يستخرج من الظاهرة ترجيحًا. فالعبءُ على من يبني، وغيابُ الأداة يمنع البناءَ ولا يمنع الامتناع. وأنا كنتُ الباني، فالغيابُ عليّ لا عليه. والذي يبقى صحيحًا من الجملة بعد التصحيح، وهو أضيقُ ممّا كتبتُ: من استعمل مشكلةَ المقياس ليُثبت دعوى موجَبةً في الاتّجاه الآخر — كأن يقول «فقد تبيّن أنّ الضبط لا شيء» أو «فقد صار احتمالُ الطبيعية عاليًا» — فقد استعمل الأداةَ في غير ما تصلح له، لأنّها تُبطل الحسابَ لا تُخرج نتيجةً. وهذا حدٌّ صغيرٌ لا يُقايَض بالتماثل الذي ادّعيتُه.

ولا يفوتنا أنّ للفيزيائيّين معنًى آخر لـ«الضبط» غيرَ معنى الفلاسفة: عندهم هو الطبيعية (naturalness) — وقد تركتُها أوّلَ مرّة فقرةً مجرّدةً بلا مثال، فمرّت بلا أثر. وهذه صورتُها المحسوسة:

مثالُ كتلة الهيغز، وهو المثالُ الأمّ. كتلةُ جسيم هيغز المرصودة نحوُ ١٢٥ جيغا-إلكترون-فولت. لكنّ نظرية الحقول الكمّية تقول إنّ هذه الكتلة تتلقّى تصحيحاتٍ كمّيةً من كلّ جسيمٍ تتفاعل معه، وحجمُ هذه التصحيحات يتناسب مع أعلى مقياسٍ تسري إليه النظرية — ولو سرت إلى مقياس بلانك (١٠^١٩ جيغا-إلكترون-فولت) لكانت التصحيحاتُ أكبرَ من الكتلة المرصودة بنحو سبع عشرة رتبةً عشرية. فكيف بقيت الكتلةُ صغيرة؟ بأن تتلاقى المقاديرُ الهائلةُ فيلغي بعضُها بعضًا، ويبقى منها فرقٌ ضئيلٌ هو ما نراه — بدقّةٍ تبلغ نحوَ جزءٍ من ١٠^٣٢ في مربّع الكتلة. وهذا وضعٌ يستنكره الفيزيائيّون ويسمّونه «مشكلة التراتب»، ويقولون: لا بدّ من بنيةٍ أعمقَ تجعل هذا الإلغاءَ تلقائيًّا لا اتّفاقيًّا. فانظر إلى طبيعة هذا الحكم: ليس فيه احتمالٌ يُحسب على العالم، ولا توزيعٌ على القيم الممكنة. هو حكمٌ على النظرية: أنّها تبدو أشبهَ بمعادلةٍ كُتبت فيها الأرقامُ لتخرج بنتيجةٍ معلومة، فيُظنّ أنّ تحتها ما هو أبسط. وهو حدسٌ منهجيّ، والحدوسُ تُخيب: قامت نظريةُ التناظر الفائق أساسًا على هذا الاستنكار، وبحث عنها مصادمُ الهدرونات الكبير سنواتٍ فلم يجد جسيماتِها في المدى الذي رُجّي. فالطبيعيةُ نفسُها معرَّضةٌ للخطأ — وهذا درسٌ يسري على من يبني على «هذا الرقم يبدو غريبًا» بناءً ثقيلًا، فيّ أنا وفي خصمي.

وخلطُ المعنيين — الضبطِ الفلسفيّ الذي يريد احتمالًا، والطبيعيةِ التي تحكم على بنية النظرية — من أشدّ أسباب الاضطراب في هذا الباب كلِّه.


رابعًا: الأكوانُ المتعدّدة — تُعرض ولا يُسخر منها

كثيرٌ ممّا يُكتب عربيًّا يعامل فرضيّةَ تعدّد الأكوان معاملةَ حيلةٍ اختُرعت هربًا من الاستدلال. وهذا وصفٌ غيرُ صحيح، ومن قاله أضعف موقفَه. وأشهرُ صورها لم تُوضع لهذا الغرض ألبتّة:

  • التضخّمُ الأبديّ نتيجةٌ لنماذجَ وُضعت لمسائلَ أخرى تمامًا (مسألةُ الأفق ومسألةُ الانبساط في الكونيّات)، ثمّ تبيّن أنّ صيغًا منها لا تتوقّف عن إنتاج مناطقَ جديدة.
  • مشهدُ الأوتار نتيجةُ عدّ الحلول الممكنة في نظرية الأوتار، وقد ساقه ليونارد ساسكيند سنة ٢٠٠٣ في هذا الإطار.

فليست الفرضيةُ مصنوعةً للمناسبة، وهذا يجب أن يُقال حتّى لو خالفناها.

والمثال الذي يُري ما تفسّره: وجدتَ في الشارع بطاقةً رابحةً بمليون. فإن كنتَ تعلم أنّ مطبعةً في الحيّ تطبع مليونَ بطاقةٍ كلَّ يومٍ وتنثرها في الطرقات، زالت الدهشةُ كلُّها ولم يبقَ شيءٌ يُفسَّر. ولو لم تكن في التاريخ إلا بطاقةٌ واحدةٌ طُبعت، لبقيت الدهشةُ كما هي.

*وأين ينكسر*: المطبعةَ ترى بابَها وتسمع صوتَها وتدفع فاتورةَ كهربائها. وافتراضُ مطبعةٍ لا يصلنا منها إلا بطاقةٌ واحدة هو نفسُه محلُّ النزاع لا حلُّه — وهذا أوجهُ ما يُعترض به على الفرضية.

فما الذي تفسّره وما الذي لا تفسّره؟

تفسّر: أنّ يوجد كونٌ ما بقيمٍ تسمح بالحياة. فإن كانت العيّناتُ كثيرةً جدًّا والقيمُ تتنوّع عبرها، فوجودُ واحدٍ موافقٍ متوقَّع.

ولا تفسّر — على أشهر اعتراضٍ عليها — أنّ يكون هذا الكونُ الذي أنا فيه هو الموافق. وهذه هي المسمّاة مغالطةَ المقامر المعكوسة: أن ترى النردَ يخرج ستّةً ستّ مرّاتٍ متتاليةً على طاولةٍ واحدةٍ فتستنتج أنّ في الصالة طاولاتٍ كثيرةً تُرمى، وأنّ رميتَك ليست عجيبةً لأنّ إحدى الطاولات لا بدّ أن تُخرج هذا. والاستنتاجُ غلط: كثرةُ الطاولات ترفع احتمالَ أن تقع الرمية في مكانٍ ما، ولا ترفع احتمالَ أن تقع على طاولتك أنت.

ونسبةُ هذا الاعتراض تُضبط. صاغ صورةَ المغالطة إيان هاكينغ سنة ١٩٨٧ — لكنّه صاغها في وجه صورةٍ بعينها: أكوانُ ويلر المتعاقبة، أي التي يتلو بعضُها بعضًا في الزمن. وأعفى صراحةً صورةَ الأكوان المتزامنة على طريقة كارتر. والذي عمّم الاعتراضَ على التعدّد كلِّه هو روجر وايت سنة ٢٠٠٠. وكنتُ كتبتُ «صاغ هذا هاكينغ… في وجه دعوى التعدّد» فنسبتُ إليه عمومًا لم يقل به — وذاك من صنف ما أُحاكمه، فرفعتُه.

ولخصوم هذا الاعتراض جوابٌ قويّ يجب أن يُعرض: أنّ الرصدَ هنا ليس كالرصد على الطاولة. أنت لا تستطيع أن ترصد كونًا غيرَ الذي يسمح بوجودك، فالمعطى الذي في يدك ليس «هذا الكونُ مضبوط» بل «الكونُ الذي يمكن أن أوجد فيه مضبوط» — وهذه قضيةٌ يرفع التعدّدُ احتمالَها فعلًا. والنزاعُ في هذه النقطة بعينها قائمٌ بين الفلاسفة إلى اليوم، ولا حسمَ فيه، ومن قال لك إنّه محسومٌ لصالح جهةٍ فقد اختصر عليك ما لم يُختصر على أهله.

ويبقى على الفرضية اعتراضان لا يزولان بالجواب السابق:

الأوّل: السؤالُ ينتقل ولا يُلغى. المولِّدُ الذي يُخرج الأكوان له بدورُه قوانينُ ومعاملات. فمن فسّر معايرةَ كوننا بآلةٍ تنتج كلَّ المعايرات، بقي أمامه أن يسأل: ولماذا لهذه الآلة هذه القوانين؟ فالفرضيةُ تنقل السؤالَ طبقةً إلى فوق، وهذا مكسبٌ إن كانت الطبقةُ الأعلى أبسطَ، وليس مكسبًا إن كانت مثلَها في الحاجة إلى تفسير.

وهنا يجب أن أُشهر السلاحَ على نفسي، وقد كنتُ أغمدتُه. إن كان المولِّدُ يُسأل: «ولماذا هو على هذه الصفة؟» — فالمصمِّم يُسأل السؤالَ نفسَه: عقلٌ له إرادةٌ وعلمٌ وقدرة، ويختار هذه القيمَ دون تلك. فلماذا هو بهذه الصفات؟ ولماذا أراد كونًا كربونيًّا دون غيره؟ والجوابُ المطروح أنّ الإله بسيطٌ بالضرورة — لا أجزاءَ فيه ولا تركيب — فلا يَرِد عليه سؤالُ «ولماذا هذه التركيبةُ دون تلك». وهذه دعوى ريتشارد سوينبرن، وهي جوابٌ حقيقيٌّ لا مراوغة. وقد نُوزع فيها بقوّة: غراهام أوبي — وهو الذي استشهدتُ به في آخر الفصل في أحبّ مواضعه إليّ — قضى فصولًا في تفكيك بساطة سوينبرن، وحاصلُ اعتراضه أنّ عقلًا يعلم كلَّ شيءٍ ويقدر على كلّ شيءٍ ويريد هذا دون ذاك ليس شيئًا بسيطًا بالمعنى الذي يُعفيه من السؤال؛ فإرادةُ هذا الكون بعينه محتوًى مخصوصٌ يُطلب سببُه. ولا أفصل في هذا النزاع — ليس هذا موضعَه، وهو من مباحث الفصل الذي يلي. وإنّما أُقرّر أمرًا واحدًا: أنّ اعتراض الانحدار ليس سلاحًا ذا اتّجاهٍ واحد، وأنّ من أشهره في وجه التعدّد ثمّ أغمده عن فرضه يكيل بمكيالين. وقد فعلتُها في النسخة الأولى من هذا الفصل، وهذا إصلاحُها.

والثاني: أنّها ليست مفروغًا منها داخل الفيزياء نفسِها. التضخّمُ الأبديُّ محلُّ خلافٍ حيٍّ بين الكونيّين؛ نشر إيّاس وشتاينهارت ولوب سنة ٢٠١٣ نقدًا لنموذج التضخّم من داخل التخصّص.

وضبطُ الواقعة، وقد كنتُ زدتُ فيها زيادتين. أوّلًا: ورقةُ ٢٠١٣ نقدٌ محض — ثلاثةُ اعتراضاتٍ على نماذج الهضبة ثمّ كلامٌ على الهيغز، وخاتمتُها أنّ عمليات البحث القادمة عن أنماط الاستقطاب وغير-الغاوسية ستكون فاصلة. ولا ذكرَ فيها لبديلٍ دوريّ. والبديلُ الدوريُّ لشتاينهارت في أعمالٍ أخرى. وقولي «أي كونًا بلا بداية» استنباطٌ منّي لا نصُّ أحد، ونماذجُ شتاينهارت الدورية ليست كلُّها بلا بداية — فرفعتُ الجملتين. ثانيًا: قلتُ «وردّ عليهم فريقٌ كبيرٌ من الفيزيائيّين» — والرادُّ على هذه الورقة ثلاثة: غوث وكايزر ونومورا. و«الفريقُ الكبير» — وهم ثلاثةٌ وثلاثون موقِّعًا — إنّما ردَّ على مقالٍ لشتاينهارت وزميليه في مجلّةٍ عامّةٍ سنة ٢٠١٧، لا على ورقة ٢٠١٣. فنقلتُ وصفًا من واقعةٍ إلى واقعة، وهو الصنفُ نفسُه من الخطأ الذي يقوم عليه هذا الفصل.

فمن بنى على «التعدّد» بناءَ يقينٍ — مؤيّدًا أو معارضًا — بنى على مسألةٍ ما زالت تُبحث.

وثمّ مرشَّحٌ ثالثٌ أغفلتُه، وهو أولى بالذكر من كثيرٍ ممّا ذكرتُ، لأنّه الوحيدُ الذي يزعم أنّه يشتقّ القيمَ اشتقاقًا بدل أن يفترضها: الانتقاءُ الطبيعيُّ الكونيّ عند لي سمولين. وصورتُه أنّ كلَّ ثقبٍ أسودَ يُنشئ كونًا وليدًا بقيمٍ قريبةٍ من قيم أبيه مع انحرافٍ طفيف؛ فالأكوانُ التي تُنتج ثقوبًا سوداءَ كثيرةً تُخلِّف ذرّيّةً أكثر، فتغلب قيمُها على المجموع بعد أجيال. والنتيجةُ عنده أنّ قيمَ كوننا مضبوطةٌ لإنتاج الثقوب السوداء، لا لإنتاج الحياة — وأنّ الحياة أثرٌ جانبيّ، لأنّ ما يصنع ثقبًا أسودَ يصنع معه نجومًا ثقيلةً وكربونًا.

وأحسنُ ما فيه أنّه يُخرج تنبّؤًا يُبطَل: يقول سمولين إنّ أيَّ تغييرٍ صغيرٍ في المعاملات ينبغي أن يُنقص عددَ الثقوب السوداء — فمن وجد تغييرًا واحدًا يزيدها، أسقط النظرية. وقد نُوزع فيه فعلًا (فيلنكين وغيرُه)، وليس مقبولًا في الحقل قبولًا واسعًا، وآليّةُ توليد الأكوان الوليدة نفسُها غيرُ مثبتة. لكنّ ذكرَه واجب، لأنّي قلتُ في هذا الفصل إنّ الميدان يفتقد مرشَّحًا يشتقّ القيمَ ولا يفترضها — وهذا مرشَّحٌ يفعل ذلك، وإغفالُه كان يجعل دعواي أوسعَ من الواقع.

وهذا حدُّ ما أقوله في هذا الفرع: لا أستطيع أن أقول إنّ تعدّد الأكوان باطل، ولا أن أقول إنّه يحلّ المسألة. أقول إنّه فرضٌ جادٌّ له مصادرُه في الفيزياء، وعليه اعتراضاتٌ جادّةٌ لم يُجَب عن كلّها. ومن أراد منّي أكثرَ من هذا طلب حسمًا لا أملكه.

خامسًا: المبدأُ الأنثروبيّ — صحيحٌ ولا يُدفع، ولا يُجيب السؤال

المبدأُ الأنثروبيّ في صيغته الضعيفة قضيّةٌ لا يمكن إنكارُها: لا يُرصد إلا كونٌ يسمح بوجود راصد. فمهما بلغت غرابةُ القيم التي نراها، لم يكن ممكنًا أن نرى غيرَها؛ إذ لو كانت غيرَها لما كنّا هنا لنرى.

والمثال: خرج استطلاعٌ يقول: سبعون في المئة من الناس يجلسون في بيوتهم وقت الظهر. وقد أُجري بالاتّصال على الهواتف الأرضية بين العاشرة والثانية — فمن كان في عمله لم يُسأل أصلًا. والنتيجةُ صادقةٌ تمامًا في وصف من رُدَّ عليه الهاتف، وباطلةٌ في وصف الناس. والعيبُ ليس في العدّ بل في بابِ الدخول إلى العيّنة.

*وأين ينكسر*: في الاستطلاع نعرف من استُبعد وكيف، فنملك التصحيح. وفي السؤال الكونيّ نحن داخلَ العيّنة ولا نملك سجلَّ من لم يُسأل — فالمبدأ تنبيهٌ يمنعنا من الدهشة الساذجة، ولا يُعطينا حسابًا نصحّح به.

فإلى أين يصل هذا المبدأ؟ يصل إلى موضعٍ واحدٍ ويقف عنده: يفسّر لماذا نرى ما نرى، لا لماذا وُجد ما نراه. والفرقُ بينهما هو مدارُ الباب كلِّه.

والمثالُ الذي يُري الفرق — وهو مثالُ الفلاسفة المشهور، وأصلُه عند جون ليزلي وريتشارد سوينبرن، وأسوقه بحدّه: رجلٌ حُكم عليه بالإعدام، فاصطفّت له مئةُ بندقيةٍ من رماةٍ مهرة، وأُطلقت كلُّها، فوجد نفسَه حيًّا. فقيل له: لا وجهَ لدهشتك، إذ لو أصابوك لما كنتَ لتلاحظ شيئًا؛ فأنت لا تستطيع أن ترصد نفسَك ميتًا. والجملةُ صحيحةٌ حرفًا بحرف — ويرى ليزلي وسوينبرن أنّه مع ذلك لا يصحّ أن تُغلق بها المسألة. الرجلُ يحقّ له أن يسأل: ولماذا أخطأت المئةُ كلُّها؟ فسؤالُه عن الواقعة، والجوابُ الأنثروبيُّ عن شرط المشاهدة، والثاني — عندهما — لا يُجيب الأوّل.

*وأين ينكسر هذا المثال — وهنا أُصحّح نسبةً قلبتُها قلبًا تامًّا*:

كنتُ كتبتُ: «يقول إليوت سوبر إنّ دهشةَ الناجي مشروعة…» — وسوبر يقول عكسَ ذلك. موقفُه المنشور أنّ أثرَ انتقاء الرصد يعمل في مسألة الرماة أيضًا، فلا تكون النجاةُ شاهدًا على القصد؛ وصياغتُه أنّ احتمال الضبط بشرط التصميم وأثر الانتقاء يساوي احتمالَه بشرط الصدفة وأثر الانتقاء، وكلاهما واحدٌ صحيح. والذي يقول إنّ الدهشة مشروعة هو خصمُه: جوناثان وايزبرغ في ردٍّ منشورٍ سنة ٢٠٠٥ عنوانه في الرماة بعينهم. وأخبثُ ما في الخطأ أنّه يقلب وظيفةَ الفقرة: هي معنونةٌ «*وأين ينكسر هذا المثال*» — أي أنّها تُساق ردًّا على مثال الرماة — وما نسبتُه إلى سوبر يُقوّي المثال لا يكسره. فالبنيةُ تقول شيئًا والنسبةُ تقول ضدَّه، ولا يكشف هذا إلا من فتح المصدر.

والصوابُ في الموضعين معًا:

  • حجّةُ سوبر ضدّ المثال: انتقاءُ الرصد يعمل في الرماة كما يعمل في الكون، فلا يصلح المثالُ شاهدًا على أنّ الدهشة مشروعة.
  • واعتراضُ سوبر الثاني، وهو اعتراضُ «المقاصد والقدرات»: لا نملك معرفةً مستقلّةً بمقاصد مصمِّمٍ مفترضٍ ولا بقدرته، فلا نستطيع أن نشتقّ من فرض التصميم تنبّؤًا نقارنه بغيره. وهذه حجّةٌ ضدّ الاستدلال بالتصميم لا معه — وكنتُ ركّبتُ نصفَها على رأسٍ من وايزبرغ فخرجت الفقرةُ هجينًا لا يقوله أحدهما.
  • ووايزبرغ يردّ على سوبر: بأنّ الفرق بين الحالتين حقيقيّ، وأنّ في مسألة الرماة خلفيةً مستقلّةً — نعرف الرماةَ ونعرف مهارتهم ونعرف أنّ لهم مقاصد — تجعل «أخطأوا عمدًا» فرضًا مفهومًا يُقارن بغيره.

وهذا موضعُ نزاعٍ قائمٌ بين الفلاسفة، لا موضعُ إفحام — ولا يُثبت انكسارُ المثال أنّ البديل عنه هو التصميم.

ومثالٌ أهدأُ يُري الفكرةَ نفسَها: كلُّ سمكةٍ في قارب الصيّاد أكبرُ من عشرين سنتيمترًا، فيكتب في دفتره: لا صغارَ في هذا البحر. ثمّ ينظر إلى عيون شبكته فيجدها عشرين. الشبكةُ تفسّر ما في القارب، ولا تفسّر لماذا في البحر سمكٌ أصلًا.

*وأين ينكسر*: الصيّادُ يستطيع أن يخرج من قاربه ويغيّر شبكتَه ويعيد الصيدَ بعيونٍ أضيق، فيصحّح دفترَه. ونحن لا نملك شبكةً ثانية، ولا نستطيع أن نخرج من العيّنة لننظر إليها. فالمثالُ يُري بنيةَ العطب ولا يُري طريقَ إصلاحه — وذاك بعينه سببُ بقاء المسألة مفتوحة.


سادسًا: سؤالان كان يجب أن يُطرحا في هذا الفصل ولم يُطرحا

كتبتُ الفصلَ أوّلَ مرّةٍ وفيه ثغرتان لم ينبّهني إليهما إلا قارئٌ شاكّ. وهما من صنفٍ واحد: سؤالان يردان على الحجّة من داخلها، وسكوتي عنهما كان يجعل الميدانَ أخلى ممّا هو.

(أ) فإن كان مضبوطًا لأجلي، فلماذا هو معادٍ لي إلى هذا الحدّ؟

كونٌ عمرُه نحوُ ثلاثةَ عشرَ مليارَ سنة ونصف، ومساحتُه الصالحةُ للحياة — بحسب كلّ ما نعرفه اليوم — كسرٌ لا يكاد يُكتب من حجمه. وأكثرُ من تسعةٍ وتسعين في المئة منه فراغٌ قاتلٌ أو نجومٌ تحرق أو إشعاعٌ يقتل. فمن قال إنّ هذه الآلةَ صُنعت لإنتاج ما نحن فيه، سُئل عن كفاءة الصانع قبل أن يُسأل عن وجوده. ولو عُرض عليك مصنعٌ بحجم قارّةٍ يُخرج رغيفًا واحدًا، لكان أوّلَ ما يخطر لك أنّه ليس مصنعَ خبز.

وللحجّة على هذا جوابان يُعرضان بحقّهما:

  • الأوّل: أنّ حجّة الضبط لا تدّعي أنّ الكون مصمَّمٌ للحياة تصميمًا اقتصاديًّا، بل تدّعي أنّ الشروط الضرورية لوجود الحياة مستوفاة استيفاءً لافتًا. والسعةُ ليست فضلةً في هذه الشروط: كونٌ يُنتج كربونًا يحتاج أجيالًا من النجوم، والأجيالُ تحتاج زمنًا، والزمنُ في كونٍ متمدّدٍ يعني حجمًا. فالسعةُ لازمةٌ للكيمياء لا زائدةٌ عليها — وهذا جوابٌ فيزيائيٌّ حقيقيّ، لا مخرجٌ لفظيّ.
  • والثاني: أنّ سؤالَ «لماذا بهذه الكفاءة الرديئة؟» ليس اعتراضًا على الضبط، بل اعتراضٌ على صفات المصمِّم — وهو من باب مسألة الشرّ والحكمة، لا من باب هذا الفصل.

وهذا الجوابُ الثاني صحيحٌ في تصنيفه ولا يُنجي كلَّ النجاة. فالحجّةُ إن كانت حجّةَ ترجيحٍ احتماليّ — وهي كذلك عند كولنز نفسِه — فكلُّ ما يخفض احتمالَ المعطى على فرض التصميم يدخل في الميزان، لا يخرج منه بالتصنيف. فالسؤالُ باقٍ، وأثبتُّه لأنّه كان ينبغي أن يُثبَت.

(ب) «الصدفة» و«الوقوعُ الخام» — وقد ناقشتُ أضعفَ الصيغتين

كنتُ كتبتُ في الخلاصة: «ولا تجيبه كلمةُ صدفة، لأنّ الصدفةَ تنفي القصدَ ولا تنفي السبب». وهذا اشتراكُ لفظٍ وقعتُ فيه، وهو من المغالطات التي أُحاكمها.

فـ«الصدفة» في هذا الباب لفظان لا لفظ:

  • الأوّل، وهو العاميّ: «لم يُردها أحد». وهذا معنًى صحيحٌ أنّه لا يفسّر شيئًا — لأنّه إخبارٌ عن غياب قصدٍ لا عن وجود سبب. وهذا هو الذي ناقشتُه.
  • والثاني، وهو الفلسفيّ المقصود عند الخصم الجادّ: الوقوعُ الخام (brute fact) — أي أنّ هذه القيمَ واقعةٌ أوّليةٌ ليس تحتها ما يفسّرها، لا لأنّ التفسير غائبٌ عنّا بل لأنّه ليس ثمّ تفسير. وقولي السابق لا يمسّ هذا المعنى ألبتّة، لأنّ قائلَه لا يدّعي تفسيرًا حتّى يُقال إنّ تفسيرَه ناقص؛ هو ينكر أنّ ثمّ ما يُفسَّر.

والمسألةُ إذن تنحلّ إلى سؤالٍ واحدٍ لم أذكره في الفصل ولا مرّة، وهو مفصلُ النزاع كلِّه: أَلِكلّ شيءٍ تفسير؟ وهذا هو ما يسمّيه الفلاسفة مبدأ الجهة الكافية. فمن سلّم به لزمه أن يطلب لهذه القيم تفسيرًا — مولِّدًا أو قانونًا أعمقَ أو إرادة. ومن منعه، أو قصره على بعض الوقائع دون بعض، جاز له أن يقف عند «هي كذلك» ولا يُلزَم بشيء.

والمثال: تسأل: لماذا كانت سرعةُ الضوء بهذا القدر لا أكثر؟ فيقال لك: هي وحدةُ قياسٍ اصطلاحية، فاسأل عن غيرها. حسنًا: ولماذا كان ثابتُ البنية الدقيقة نحوَ واحدٍ من مئةٍ وسبعةٍ وثلاثين؟ فإمّا أن يوجد جوابٌ أعمق — وهو ما يرجوه الفيزيائيّون — وإمّا أن تكون هذه هي نهايةُ السلسلة. والسلاسلُ تنتهي: من طلب لكلّ شيءٍ سببًا انتهى إمّا إلى انحدارٍ بلا نهاية، وإمّا إلى شيءٍ لا سببَ له. والخلافُ في هويّة ذلك الشيء لا في وجوده. فمن جعله الإله، ومن جعله قوانينَ الفيزياء نفسَها، وكلاهما يقف عند حدٍّ لا يُفسَّر بما فوقه.

وأصرّح بأنّي لا أفصل في هذه المسألة هنا — هي مبحثُ الحجّة الكونية لا مبحثُ الضبط، وموضعُها فصلٌ آخر. وإنّما أُثبتها لأنّ سكوتي عنها كان يجعلني أناقش أضعفَ صيغةٍ للموقف المقابل ثمّ أُعلن أنّها لا تكفي — وذاك بناءُ رجلٍ من قشّ.


الخلاصةُ: ما الذي يبقى بعد هذا كلِّه؟

يبقى شيءٌ أهدأُ من الأرقام. ولا أقول «أمتنُ منها» ولا «أصعبُ أن يُنقض» — فقد كنتُ كتبتُهما، ثمّ رأيتُ أنّ ما بقي في يدي أغمضُ لا أمتن، وأنّ صعوبةَ نقضه من غموضه لا من قوّته. وأنا نفسي أسّستُ في هذا الفصل أنّ الدعوى التي لا تحدّد صيغتَها لا تُختبر أصلًا — فلا يجوز أن يصير الغموضُ فضيلةً حين يأتي الدَّورُ على ما في يدي.

أنّ في بنية الكون واقعةً تستدعي النظر. قوانينُ الفيزياء ليست معادلاتٍ مغلقةً تُنتج أرقامَها بنفسها؛ فيها مواضعُ فارغةٌ تُملأ من خارجها. وبعضُ هذه المواضع، بحسب أفضل نماذجنا اليوم، إن حُرّك وحدَه في المدى الذي جرّبته تلك النماذجُ اختلّت عملياتٌ تقوم عليها كيمياءُ الحياة.

ولا أقول «نطاقٌ ضيّق» — فالضيقُ والسعةُ نسبتان إلى مقياسٍ تقدّم في القسم الثالث أنّنا لا نملكه؛ ومن قال «ليس واسعًا» بعد أن أعلن أنّ النسبةَ «لا صغيرةٌ ولا كبيرة» استردّ في نصف سطرٍ ما اشتُري بقسمٍ كامل. وإنّما هو مدًى جُرّب في نماذجَ بعينها وسُجّل ما خرج فيه — وهذه عبارةٌ تُختبر بفتح الورقة، وتلك عبارةٌ لا تُختبر بشيء.

فالسؤالُ الباقي ليس «ما احتمالُ ذلك؟» — ذاك سؤالٌ لا نملك أدواتِ جوابه كما تقدّم — بل: لماذا كانت القوانينُ على صورةٍ تنتظم بالرياضيات وتقبل أن تُعرف؟

وأتجنّب هنا الصيغةَ التي كتبتُها أوّلَ مرّة: «لماذا لهذه القوانين معاملاتٌ حرّةٌ أصلًا؟» — فقد قرّرتُ في القسم الأوّل أنّ حرّيةَ المعامل خبرٌ عن حدود نظريّتنا بقدر ما هي خبرٌ عن العالم، وقد يزول الوصفُ عنها غدًا كما زال عن أطياف الذرّة. وبناءُ سؤالٍ نهائيٍّ على ما قد يزول بناءٌ على رملٍ متحرّك — فرفعتُ الصيغةَ وأبقيتُ السؤالَ في صورةٍ لا تتوقّف على بقاء المعامل حرًّا.

وأُسمّي هذا السؤالَ باسمه ولا أُلبسه ثوبَ الضبط الدقيق: هو في أصله سؤالُ يوجين فيغنر عن «الفعالية غير المعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية» — ورقةٌ منشورةٌ سنة ١٩٦٠ — ومعه طبقةٌ من الحجّة الكونية. وليس هو الضبطَ الدقيق، ولا يقوم عليه ما تقدّم من حسابٍ في هذا الفصل. ومن أدخله في السطر الأخير بعد أن أخلى الميدانَ من كلّ خصمٍ فقد هرّب حجّةً لم تُعرض ولم تُختبر — وقد فعلتُها، وهذا إقرارٌ بها وتصنيفٌ لها في موضعها لا في موضع ما هدمتُه.

*وأين تنكسر خلاصتي*

أجريتُ في هذا الفصل عدسةَ «وأين ينكسر» على أحدَ عشرَ مثالًا — المصنع والخبز والبيت والملح والمكتبة والأعداد والدبّوس والبطاقة والاستطلاع والرماة والشبكة — وتركتُ القسمَ الوحيدَ الذي يحمل ما في يدي بلا عدسة. وسقوطُ الانضباط حيث تكون كلفتُه عليّ هو أوّلُ ما يُتّهم به الكاتب، فهذه العدسةُ على خلاصتي:

  • يُنكسر أوّلًا بأنّ السؤال قد يكون سؤالًا رديئًا. «لماذا تقبل القوانينُ الكتابةَ بالرياضيات؟» قد يكون جوابُه: لأنّ الرياضيات هي اللغةُ التي طوّرناها لوصف الانتظام أيًّا كان، فلو كان الكون منتظمًا بنحوٍ آخر لطوّرنا لغةً أخرى وسمّيناها رياضيات. وهذا جوابٌ حقيقيٌّ يجعل الدهشةَ دهشةً من صنيع أيدينا — وقد قيل به.
  • ويُنكسر ثانيًا بأنّه لا يُخرج ترجيحًا. «ثمّ سؤالٌ باقٍ» ليست مقدّمةً في قياس. ومن سلّم بالسؤال كلِّه لم يلزمه من التسليم شيءٌ في العقيدة — ولا يلزمه أن يجيب.
  • ويُنكسر ثالثًا بأنّه يقع على الطرف الآخر كما يقع عليّ: من قال «هذه هي القوانينُ ولا تفسيرَ تحتها» أجاب بالوقوع الخام، وليس عليّ من أداةٍ تُبطل جوابَه — تمامًا كما ليس عنده أداةٌ تُبطل سؤالي.

وأصرّح بما لا يُثبته هذا الفصل كلُّه، فالحدُّ المعلَن أنفعُ من دعوى مبسوطة:

  • لا يُثبت مصمِّمًا. أقصى ما فيه أنّ هنا واقعةً تستدعي النظر، والتفسيرُ الشخصيُّ واحدٌ من المرشَّحين لا وحدَه.
  • ولا يُثبت — لو تمّ الترجيحُ لمصمِّم — أنّه واحدٌ، ولا أنّه قادرٌ عالمٌ خيّر، ولا أنّه ما يزال. وروبن كولنز، وهو صاحبُ أقوى صياغةٍ فلسفيةٍ للحجّة، يصرّح بأنّها حجّةُ ترجيحٍ لا برهانُ إثبات، وأنّها ترجّح على الطبيعية ذات الكون الواحد فحسب.
  • ولا يُثبت دينًا بعينه ولا نبوّةً ولا شريعة. والانتقالُ من «ثمّ خصوصيةٌ في بنية الكون» إلى «فهذا الكتابُ من عند الله» نقلةٌ تحتاج أدلّةً من جنسٍ آخرَ تمامًا، وليست من هذا الباب في شيء.
  • ولا يقول إنّ الفيزياء عاجزة. غراهام أوبي — وهو ملحدٌ مسحَ أدلّةَ وجود الله مسحًا نقديًّا — يرى أنّ الحجج لا تنجح في الاتّجاهين معًا، أي أنّها لا تُلزم من لا يسلّم بمقدّماتها. وهذا وصفٌ أقربُ إلى الواقع من دعوى النصر عند أيّ فريق. وقد أخذتُ من أوبي في هذا الفصل موضعَين: هذا، ونقدَه لبساطة سوينبرن في القسم الرابع — وهو الموضعُ الذي يقع عليّ لا لي. ومن أخذ من رجلٍ ما يوافقه وحدَه فقد اقتطع.

والدعوى التي يخسرها هذا الفصلُ إن خسر، وأقولها لأنّ من أخفاها غشّ قارئه: لو ظهرت يومًا نظريةٌ أعمقُ تشتقّ هذه المعاملات اشتقاقًا من مبادئَ أوّليةٍ — كما اشتُقّت أطيافُ الذرّة بعد أن كانت جداولَ تُقاس وتُكتب باليد — سقط كلُّ استدلالٍ في هذا الفصل يقوم على «المعامل الحرّ»، وهو أكثرُه. وهذا احتمالٌ قائم، ويعمل عليه فيزيائيّون جادّون منذ عقود، وبعضُهم يرى أنّه الاتّجاه الصحيح.

ويبقى بعده سؤالٌ واحدٌ أُصرّح بحدّه: لماذا يوجد شيءٌ منظَّمٌ يقبل أن يُعرف؟ وهذا سؤالٌ لا تُسقطه نظريةٌ فيزيائيةٌ لأنّه ليس من جنس ما تفصل فيه الفيزياء — فلا يُحسب لي في ميزان الاختبار ولا عليّ. ومن عدّه ربحًا يبقى لي بعد كلّ خسارةٍ فقد عدّ ما لا يُعدّ في الميزان. وكنتُ كتبتُ أنّ «كلَّ نظريةٍ أعمقَ ستأتي بمعاملاتها فتُعيد السؤال» — وتلك جملةٌ تُبطل المُسقِطَ الذي أعلنتُه قبلها بثلاثة أسطر، فتترك الفصلَ محصَّنًا من كلّ نتيجةٍ مستقبلية وهو يزعم أنّه عرّض نفسَه للسقوط. فرفعتُها.

وما الذي يُبطل ما في هذا الفصل اليوم لا غدًا؟

حجّةٌ كلُّ مبطلاتها في المستقبل ليس لها اليومَ محتوًى يُختبر. فهذه أربعةٌ تُبطل، كلُّها في متناول من أراد، اليومَ:

  • دعواي في الأرقام الثلاثة تُبطَل بفتح الأوراق. إن وجد قارئٌ في أوبرهومر رقمَ ٢٪، أو في إيبلباوم أنّه عن شدّة القوّة النوويّة، أو في بنروز أنّه يسوق رقمَه حجّةَ تصميم — سقط القسمُ الثاني كلُّه. والمراجعُ كلُّها في ذيل الفصل بمجلّداتها وصفحاتها.
  • ودعواي في مشكلة المقياس تُبطَل بمقياسٍ مبرَّر. من قدّم على فضاء المعاملات مقياسًا يُبرَّر تبريرًا مستقلًّا عن النتيجة المرجوّة، سقط القسمُ الثالث ورجعت النسبةُ معرَّفة. وهذا عملٌ منشورٌ يجري اليوم.
  • ودعواي في ضيق المدى تُبطَل بمسحٍ يغيّر المعاملات متزامنة. مسحُ آدمز خطوةٌ في هذا الطريق وقد ضيّق دعاوى كثيرة؛ ومن وسّع المسحَ فوجد نوافذَ واسعةً بالتغيير المتزامن، أسقط ما بقي.
  • وسمولين يُبطَل — أو يَبطُل — اليومَ: من وجد تغييرًا صغيرًا واحدًا في المعاملات يزيد إنتاج الثقوب السوداء، أسقط نظريّتَه. وذكرتُه لأنّه المرشَّحُ الوحيد الذي وضع رقبتَه تحت السيف بهذه الصراحة.

فمن بنى إيمانَه على رقمٍ، فقد رهن إيمانَه بورقةٍ لم تُنشر بعد. والجملةُ تقطع في الاتّجاهين، وأقولها على نفسي أوّلًا: من بنى إنكارَه على رقمٍ من الجهة المقابلة — على مقالٍ وثق به ولم يفتح مصدره — فقد رهن إنكارَه بالورقة نفسِها. وليس في هذا الباب أرقامٌ آمنةٌ لأحد.

وأمّا ما خرجتُ به أنا من كتابة هذا الفصل، فأقوله عن نفسي لا نصيحةً لأحد: أخطأتُ فيه في أربعة مواضعَ نقلٍ ذكرتُها في مواضعها ولم أمحُها — برادفورد، وغيبونز وتوروك، وسوبر، وإيّاس وزملاؤه — وفي ثلاثة أوصافٍ كنتُ فيها أشدَّ ممّا تحتمل الورقة، وفي دعوى تماثلٍ أعطيتُ بها نفسي ما لا أستحقّ. وكلُّها وقعت لي وأنا أكتب فصلًا في أمانة النقل، ولم يكشفها لي إلا فتحُ المصادر بعد الكتابة لا قبلها. فالقاعدةُ التي تعلّمتُها هنا لم تكن للقارئ: كانت لي.