تخطَّ إلى المحتوى

٦. هل للكون بداية؟

السؤال: أللكون بدايةٌ، وهل تلزم من البداية علّة؟

الجوابُ في سطرين: أمّا الفيزياء فلا تحسم — نماذجُها حيّةٌ متنازَعٌ فيها، وأقوى مبرهنةٍ تُساق في الباب مشروطةٌ ولا تتناول الوجودَ كلَّه. وأمّا الميتافيزيقا فالحجّةُ محكمةُ الصورة وثقلُها كلُّه على مقدّمةٍ واحدةٍ حدسيّة؛ ومن ربط دينَه بنموذجٍ فيزيائيّ راهنَ بما لا يملك.


أوّلًا: صياغةُ الغزاليّ

حرّرها في ثلاث: العالمُ حادث · وكلُّ حادثٍ لا يخلو عن سبب · فللعالم سبب.

وموضعُ الثقل في هذه الصياغة إثباتُ الحدوث، لا تقريرُ مبدأ السببية — فالثاني كان عندهم قريبًا من البديهيّ، والأوّل هو الذي أُنفق فيه الجهد. ومعنى «الحادث» في كلامهم: ما كان بعد أن لم يكن.

١٢ · التصدّعُ في الجدار. تعرف أنّه حادثٌ لأنّك تعرف حالًا سابقةً لم يكن فيها. وسؤالُ «متى حدث؟» له جوابٌ من حيث المبدأ، وسؤالُ «بم حدث؟» كذلك. *وأين ينكسر*: الجدارُ قائمٌ في زمنٍ يسبق التصدّع، والسؤالُ عن حدوث العالم يقع على الزمن نفسِه. وهذا الفرقُ هو الردُّ الأوّل بعد قليل، وهو أخطر ما في الباب كلِّه — فلا يُتجاوز.

ثانيًا: صياغةُ كريغ

  • كلُّ ما بدأ وجودُه فله علّة.
  • الكونُ بدأ وجودُه.
  • فللكون علّة.

وهذا كلُّ البرهان. وكلُّ ما تسمعه بعده — أنّ علّةَ الزمان والمكان والمادّة لا تكون زمانيةً ولا مكانيةً ولا مادّية، وأنّها إمّا مجرَّدٌ رياضيٌّ وإمّا عقلٌ مريد، وأنّ المجرَّد لا يُحدث فهي عقلٌ مريد — كلُّ ذلك تحليلٌ منفصلٌ يُقاوَم على حدة، وليس جزءًا من البرهان. وأضعفُ حلقاته الانتقالُ من «علّة» إلى «مريدة». فمن سمع في آخر البرهان «إذن الله» فقد سمع ما ليس فيه.

وسندُ المقدّمة الثانية عنده أربعة: استحالةُ اللانهاية الفعلية في الأعيان، واستحالةُ تكوّنها بالإضافة المتعاقبة، ومبرهنةُ بورد–غوث–فيلينكين، والحجّةُ الحرارية `craig-sinclair-2009-kalam`.


ثالثًا: أقوى الردود

١ · «بدأ» كلمةٌ واحدةٌ لمعنيين — وهذا مفتاحُ الباب

للفظ «بدأ» في كلامنا معنيان لا نفرّق بينهما لأنّهما لا يفترقان في حياتنا:

  • الأوّل: كان ثمّ زمنٌ لم يكن الشيءُ فيه موجودًا، ثمّ صار موجودًا.
  • والثاني: للشيء حدٌّ أوّلُ في الزمان، وليس قبل ذلك الحدّ زمنٌ ألبتّة.

وحدسُنا كلُّه مشدودٌ إلى الأوّل، والدعوى في الثاني. ولذلك يقول أوبي وأدولف غرونباوم إنّ الإشكال الذي نشعر به إشكالٌ في صورةٍ لا وجودَ لها: إن كان الزمانُ جزءًا من العالم فلا لحظةَ سابقةً تفعل فيها علّة، ولا انتقالَ من عدمٍ إلى وجود، ولا صيرورةَ تُطلب لها سبب. فـ«البدء» عندئذٍ يعني أنّ للعالم حدًّا أوّل، لا أنّه صار بعد أن لم يكن. فالمسألةُ زائفةٌ لا جوابُها خاطئ — أي أنّ الحدس الذي يشدّك إلى طلب علّة يشتغل على مشهدٍ غير موجود `grunbaum-1989-pseudo-problem`.

١٣ · أوّلُ إطارٍ في الفيلم. أعدْتَ الفيلمَ إلى أوّله فوقف المؤشّرُ على صفر. فماذا كان يجري في الدقيقة التي قبلها؟ السؤالُ نفسُه لا موضعَ له: ليست هناك دقيقةٌ سوداء قبل الأولى، وليس في زمن الفيلم «قبلُ» أصلًا. *وأين ينكسر*: للفيلم زمنٌ أوسعُ خارجَه فيه استوديو ومصوّرٌ ويومُ تصوير؛ والدعوى بأنّ للكون بدايةً لا تستلزم زمنًا أوسع — وذاك محلُّ النزاع لا نتيجتُه.

١٤ · أوّلُ قضيبٍ في الخطّ. تسأل عاملَ الصيانة: ماذا يوجد قبل المحطة الأولى؟ فيمشي بك على الرصيف حتى ينتهي الحديد، ولا يقول «هناك محطةٌ مخفيّة» بل «الخطُّ يبدأ هنا». وسؤالُك «أين نذهب إن سرنا قبلها؟» لا يجد قضبانًا يسير عليها. *وأين ينكسر*: وراء آخرِ قضيبٍ أرضٌ يمكن أن تمشي عليها بقدميك؛ ومن تصوّر «قبل البداية» فراغًا يمكن أن يقف فيه فقد أدخل زمنًا من حيث نفاه.

وجوابُ كريغ أنّ العلّة يمكن أن تكون مقارِنةً للحظة الأولى لا سابقةً عليها، فيسقط اعتراضُ غرونباوم.

١٥ · حبلُ الرافعة. التوتّرُ في الحبل والحِملُ المعلَّق حاضران في اللحظة نفسِها؛ لم يسبق أحدُهما الآخرَ بثانية. ومع ذلك لا يقول أحدٌ إنّ الحبلَ لا يحمل لأنّه لم يتقدّم. *وأين ينكسر*: حول الرافعة زمنٌ محيطٌ بها فيه ما قبلُ وما بعد، والكلامُ في المسألة على حدّ الزمان نفسِه. فالمشهدُ يُري إمكان التزامن، ولا يُثبت انطباقَه على الحدّ الأوّل.

والحال بعد الجواب: هو ممكنٌ في التصوّر، لكنّه يعيد تأكيد المقدّمة لا تأسيسَها. والحدسُ العلّيُّ الذي يقوم عليه صادقٌ في نطاقٍ لا نزاعَ فيه — داخل الزمان — والدعوى في نطاقٍ آخر تمامًا. ولا حسم.

٢ · المقدّمة الأولى استقراءٌ من داخل الكون

كلُّ «بدايةٍ» شهدناها في حياتنا بدايةُ ترتيبٍ لا بدايةُ وجود: الفقاعةُ من ماءٍ وهواء، والجنينُ من خليّتين، والحريقُ من مادّةٍ وأكسجين، والتمثالُ من حجرٍ كان في الجبل. لم نرَ قطّ شيئًا يُوجد من لا شيء، ولم نرَ قطّ شيئًا يُوجِد من لا شيء. فالاستقراء لا يشهد لأحد الطرفين، وهذا حيادٌ لا يُحسب لنا.

وهذا ما يقوله ج. ل. ماكي بأمتن صيغة: المقدّمة الأولى ليست قضيةً قبليةً ضرورية، بل تعميمٌ استُقرئ داخل الكون؛ وتعميمُه على بدء الزمان نفسِه هو موضعُ النزاع لا دليلٌ فيه `mackie-1982-miracle`.

١٦ · قاعدةُ المصنع. استقرأتَ ألفَ قطعةٍ تخرج من خطّ الإنتاج فوجدتَ كلَّ واحدةٍ مختومةً بختم الجودة، فكتبتَ القاعدة: كلُّ ما يخرج من هذا الخطّ مختوم. ثمّ سُئلتَ: وهل المصنعُ نفسُه مختوم؟ السؤالُ لا معنى له، والقاعدةُ لم تُصنع لتجيبه. *وأين ينكسر*: المصنعُ والقطعةُ شيئان متمايزان بالمشاهدة، وتمايزُ «الكون» عن «ما فيه» هو نفسُه محلُّ نزاعٍ فلسفيّ. فالمشهدُ يُري صورةَ المغالطة، ولا يُثبت أنّ الحجّة وقعت فيها.

٣ · اللانهاية — وأقوى صيغةٍ لها ليست «غريبٌ إذن محال»

وهنا أُصلح ظلمًا وقع منّي على صاحبي لا على خصمي. كنتُ أعرض حجّةَ «فندق هيلبرت» في صورةٍ ساذجة — أنّ اللانهائيَّ غريبٌ فهو محال — ثمّ أردُّها. وليست تلك حجّةَ أهلها، وقد وعدتُ في العنوان أن أعرض كلّ قولٍ بأقوى ما يعرفه أهلُه، ثمّ قوّيتُ خصمي وأضعفتُ صاحبي. وذاك عدمُ انتظامٍ يمنع القارئَ من أن يعرف متى يثق بي.

فالصيغةُ الجادّة: ليست الغرابةَ، بل العملياتِ العكسية.

١٧ · نزلاءُ الأرقام الفردية. في الفندق الذي بلا نهاية، كلُّ الغرف ممتلئة. أخرِج النزلاءَ ذوي الأرقام الفردية جميعًا: خرج ما لا نهاية له، وبقي ما لا نهاية له، والفندقُ ما زال ممتلئًا بالمعنى نفسِه. ثمّ أعِد الكرّة: أخرِج كلَّ من رقمُه أكبرُ من ثلاثة. خرج ما لا نهاية له، وبقي ثلاثة. فأنت طرحتَ العددَ نفسَه من العدد نفسِه، ووصلتَ مرّةً إلى ما لا نهاية له ومرّةً إلى ثلاثة.

وهذه هي الحجّة: الجمعُ في اللانهائيات معرَّفٌ متّسق، والطرحُ غيرُ معرَّف — وفي الرياضيات يُمنع الطرحُ بالتعريف فيستقيم النظام. لكنّ الطرحَ في الأعيان لا يُمنع بالتعريف: من كان في غرفةٍ خرج منها، شئنا أم أبينا. فلو كانت اللانهايةُ الفعلية في الأعيان، لكانت عمليةٌ فيزيائيةٌ ممكنةُ التنفيذ تُنتج نتيجتين متنافيتين. وهذا هو موضعُ الاستحالة عندهم، لا الغرابة `craig-sinclair-2009-kalam`. *وأين ينكسر*: أنّ «النتيجتين المتنافيتين» ليستا متنافيتين في الواقعة، بل في الوصف العدديّ لها: في الحالة الأولى بقي هؤلاء بأعيانهم، وفي الثانية بقي هؤلاء بأعيانهم، ولا تناقضَ في الأعيان. والتناقضُ إنّما يظهر إذا أصررتَ على أن يكون لـ«كم بقي» جوابٌ واحدٌ في الحالين — وهو إصرارٌ على أن يسلك اللانهائيُّ سلوك المتناهي. وهذا هو النزاعُ نفسُه، لا حلُّه.

والحكم: نظريةُ المجموعات التي بناها كانتور متّسقةٌ رياضيًّا، ومن عدّ الأعداد الزوجية وحدها وجدها «بعدد» الأعداد كلِّها، وهو نتيجةٌ مستقرّة. فالاتّساقُ الرياضيّ قائم. والإنصافُ يقتضي أن يُقال إنّ هذا سلاحٌ ذو حدّين: كما لا يصحّ «غريبٌ إذن محال»، لا يصحّ «متّسقٌ في المجرَّد إذن واقعٌ في الأعيان». والاتّساقُ الرياضيّ لا يُنشئ موجودًا. ولا حسم.

وأمّا حجّةُ «استحالة القطع بالإضافة المتعاقبة» — أنّه لا يمكن أن تُقطع لانهايةٌ من الأحداث حتى نصل إلى اليوم — فيردّها ماكي بأنّها تفترض نقطةَ بدءٍ للعبور، وهي عينُ ما يُدّعى نفيُه `mackie-1982-miracle`.

١٨ · عدّادُ الكيلومترات. تسأل: كيف بلغ العدّادُ هذا الرقم؟ سؤالُك يفترض أنّ للرحلة نقطةَ انطلاق. فمن قال «لا انطلاقَ لها» لا يلزمه أن يجيب «كيف قُطعت المسافة كلُّها»، بل يقول: لكلّ نقطةٍ نقطةٌ سابقة، ولا نقطةَ أولى. *وأين ينكسر*: العدّادُ آلةٌ صنعناها وركّبناها في يومٍ معلوم، فالمشهدُ يوضّح صورةَ الدعوى ولا يشهد لصدقها. وحدسُك المستنكِرُ لها يبقى قائمًا، وليس بحجّة.

٤ · والكونيّاتُ لا تُلزم ببدايةٍ مطلقة

أكثرُ ما يُساق في العربية هنا مبرهنةُ بورد وغوث وفيلينكين، وتُقدَّم على أنّها «إثباتٌ رياضيٌّ قاطعٌ لبداية الكون». وحقيقتُها أدقّ من ذلك بكثير: نتيجةٌ حركيّةٌ مشروطة — الجيوديسيّات لا تكتمل إلى الماضي إذا كان متوسّطُ التمدّد موجبًا — ومؤدّاها أنّ التضخّم لا يصف الحدَّ الماضي وأنّه يلزمه فيزياء أخرى. وهي لا تتناول الوجودَ كلَّه، ولا تقول بعلّة، ولا تذكر خالقًا `bgv-2003-past-incomplete`.

وأمّا آلان غوث — أحدُ مؤلّفيها الثلاثة — فيُنقل عنه في العربية أنّه «يرجّح كونًا أزليًّا»، والدقّةُ تقتضي فصلَ أمرين لا يُخلطان:

  • ما في ورقته المنشورة: أنّ التضخّم وإن كان أزليًّا إلى المستقبل بالعموم، فليس أزليًّا إلى الماضي `guth-2007-eternal-inflation`. وهذه نتيجةٌ منشورةٌ تُقرأ في موضعها.
  • وما يقوله عن نفسه: أنّه لا يدري أللكون بدايةٌ أم لا، وأنّه يظنّ أنّه بلا بداية وأنّ الأرجح عنده أنّه أزليّ — «ولكن لا أحد يعلم». وهذا ظنٌّ معلَنٌ لصاحبه لا نتيجةَ ورقة.

فمن ساق الأولى على أنّها الثانية، أو الثانية على أنّها الأولى، غلط. وأنا كنتُ أسوق الثانية بلا مصدرٍ ألبتّة، وكان يكفي خصمًا مطّلعًا أن يفتح ورقة ٢٠٠٧ ليُسقط السطر.

وأمّا فيلينكين فموضعُه أدقُّ ممّا كتبتُ أوّلَ مرّة، وأقوله على وجهه:

يفحص هو وأودري ميثاني ثلاثةَ سيناريوهاتٍ لكونٍ بلا بداية — التضخّمُ الأزليّ، والتطوّرُ الدوريّ، والكونُ المنبثق — ويخلصان إلى أنّ لا واحدَ منها يصلح لماضٍ أزليّ، وينتهيان إلى أنّ جواب سؤال البداية «الأرجحُ نعم» `mithani-vilenkin-2012`. وهذه الورقةُ لا تبني نشوءًا بلا علّة ولا تذكر مُبدئًا، وقد نسبتُ إليها ذلك في طبعةٍ سابقةٍ فأخطأت.

وموضعُ الدعوى الحقيقيّ عند فيلينكين نفسِه في موضعٍ آخر: أنّ الفيزياء الحديثة تستطيع أن تصف انبثاق الكون بوصفه عمليةً فيزيائيةً لا تستدعي علّة `vilenkin-2015-inference`.

فمن ساقه شاهدًا على المقدّمة الثانية — «الكونُ بدأ وجودُه» — أصاب في النقل، وهذا يُقال ولا يُبخس. فيلينكين يشهد له فيها بلفظه. لكنّ الشاهدَ نفسَه يُنكر المقدّمة الأولى في الموضع الذي يُحتاج فيه إليها: يرى أنّ البدايةَ لا تفرض مُبدِئًا، وأنّ الحدَّ الأوّل قد يكون بلا علّةٍ ألبتّة. والبرهانُ لا يقوم بمقدّمةٍ واحدة. فمن نقل شاهدًا يُثبت نصفَه ويهدم نصفَه ثمّ سكت عن النصف الثاني، لم يخسر الحجّةَ وحدها — يخسر ثقةَ قارئه في كلّ ما نقل، وهي أثمنُ ممّا كسبه بالنقل.

وأمّا نقدُ التضخّم من داخل الحقل فيُنقل عندنا في صورةٍ أوسعَ ممّا يحتمل، وهذا تحريرُه:

ورقةُ إيّاس وستاينهاردت ولوب سنة ٢٠١٣ لا تقترح بديلًا. مؤدّاها أنّ بيانات بلانك ترجّح جهودًا هضبيّةَ الكمون، وأنّ في ذلك ثلاثَ عللٍ — سوءُ الشروط الابتدائية، وتفاقمُ لا-تنبّئيّة الأكوان المتعدّدة، ومشكلةُ اللاأرجحية — ثمّ تدعو إلى أرصادٍ مقبلة `ijjas-2013-inflation-trouble`.

وأمّا البديلُ الارتداديّ/الدوريّ فيُطرح في مواضعَ أخرى، وأصرحُها مقالُ الثلاثة في *ساينتفك أمريكان* سنة ٢٠١٧ — وعلى ذلك المقال لا على ورقة ٢٠١٣ ردّ ثلاثةٌ وثلاثون فيزيائيًّا فيهم أربعةُ حائزي نوبل `ijjas-2017-pop-goes`.

ولا يصحّ أن تُقدَّم النماذجُ الارتدادية على أنّها «نماذجُ بلا بداية» مستقرّة: هي تُطرح بديلًا عن البداية والنزاعُ في نجاحها قائم — بل ورقةُ ميثاني وفيلينكين نفسُها تعدّ التطوّرَ الدوريَّ من السيناريوهات التي لا تصلح لماضٍ أزليّ. فالفصلُ لا يستشهد بورقةٍ في موضعٍ ويقرّر نقيضَها في موضع.

والخلاصةُ التي تصمد: من نقل نقد التضخّم على أنّه «أزمةُ الكونيّات فارجعوا إلى الوحي» نقل خلافًا داخليًّا حيًّا على أنّه انهيارُ حقل — وأصحابُ النقد أنفسُهم يطلبون فيزياءَ أخرى لا وحيًا.

وأمّا انخفاضُ إنتروبيا البداية — وهو المعطى الذي يقوم عليه أشهرُ رقمٍ في هذا الباب — فالتفسيرُ الفيزيائيُّ له مطروحٌ منذ سنة ١٩٧٩ من صاحب الرقم نفسِه: روجر بنروز يقترح قانونًا في الفيزياء (فرضيّةَ انحناء فايل) بديلًا عن أيّ تفسيرٍ غائيّ `penrose-weyl-hypothesis`.

وأمّا الرقمُ ذاته فيُوصف بدقّة: هو نسبةُ حجمَي فضاء طور، يعبّر عنها بنروز بعبارة «جزءٌ من ١٠^١٠^١٢٣» ويقول إنّها تُبيّن دقّةَ التصويب المطلوب. وليس احتمالًا لنشأة كونٍ محسوبًا من تجربةٍ متكرّرة — وهذا هو الفرقُ الذي يضيع في النقل. ولفظُ «الخالق» في صفحته حرفيٌّ في الجملة ومعه رسمٌ طريف، ولا أصفه بالسخرية لأنّ النصّ لا يسندها؛ والدعوى التي تكفيني ثابتةٌ بدونها: أنّ جوابه هو فرضيّةُ انحناء فايل قانونًا فيزيائيًّا لا حجّةَ تصميم `penrose-1989-emperor`. فمن نقله دليلًا على مصمِّمٍ خالف قائلَه في المقدّمة والنتيجة معًا.

٥ · والانفجارُ العظيم ليس برهانًا على الخلق

وهذا الموضعُ من أهمّ ما في البابين، وأقولُه على نفسي لا على خصمي.

ما يقوله النموذج: أنّ الكون كان أشدَّ حرارةً وكثافةً في الماضي، وأنّه يتمدّد. وهذا مسنودٌ بشواهدَ متينة: إشعاعُ الخلفية الميكرويّ، ووفرةُ العناصر الخفيفة، وتباعدُ المجرّات.

وما لا يقوله: إنّ شيئًا صار بعد أن لم يكن. والانفرادُ الذي تنتهي إليه المعادلاتُ عند إرجاع الزمن موضعُ انهيار النظرية لا حدثٌ وصفته: هو الموضعُ الذي تقول فيه النظريةُ عن نفسها إنّها لم تعد صالحة. ومن جعل نقطةَ عجزِ النظرية حدثًا موصوفًا نسب إلى العلم ما لم يقله.

ثمّ ثلاثةُ اعتباراتٍ عمليّة:

الأوّل: الحجّةُ التي تقوى بورقةٍ تضعف بورقة. ومن ربط دينه بنموذجٍ حيّ سلّم دينه لمن يبدّل النموذج — ونماذجُ الكونيّات تُبدَّل في العقد الواحد مرّاتٍ لأسبابٍ داخلها لا شأنَ لها بنا.

والثاني: أنّ الذين صاغوا هذا النموذج وطوّروه لم يقصدوا به هذا. وجورج لومتر — صاحبُ الفرضية الأولى وكان قسّيسًا — نبّه صراحةً إلى ألّا يُجعل نموذجُه بيانًا دينيًّا ولا دليلًا على الخلق، وذلك بعد أن ساقه بابا الفاتيكان بيوس الثاني عشر في خطابٍ سنة ١٩٥١ مساقَ التأييد للخلق، فتدخّل لومتر سنة ١٩٥٢ حتى كُفّ عن ذلك. وهذا موثَّقٌ لا مرويّ، ولا حاجة إلى تضعيفه بـ«يُروى». ومن كان هذا موقفَ صاحب الفرضية فليس فيمن جاء بعده من هو أحقُّ منه بتقرير ما تحمله.

والثالث — وهو أهمّها: أنّ من بنى إيمانه على أنّ «العلم أثبت البداية» يبني على أرضٍ يعلم أهلُها أنّها تتحرّك، ثمّ يجد نفسه بعد سنواتٍ في موضع من كان يقول «العلم أثبت أنّ الكون أزليّ». والدعوى التي تتقلّب مع المجلّات لا تصلح أن يُحمل عليها دين.

وهذا لا يُثبت العكس. نفيُ صلاحية النموذج للبرهنة ليس دليلًا على أزلية الكون، ولا على عدم الخالق، ولا على أنّ سؤال الحدوث سؤالٌ فارغ. غايتُه أن يُنزع سلاحٌ لم يكن يقطع أصلًا — ونزعُ سلاحٍ خشبيٍّ من يدك ليس هزيمة، بل هو شرطُ ألّا تُهزم به حين تعتمد عليه أمام من يعرف.

٦ · ومتى تسقط حجّةُ الحدوث؟

وأُلزم نفسي بما ألزمتُها به في الفصل السابق. تسقط عندي في واحدةٍ من ثلاث:

  • أن يثبت أنّ «البدء» بالمعنى الثاني — حدٌّ أوّلُ بلا قبل — لا يستدعي علّةً ألبتّة، أي أن يتمّ اعتراضُ غرونباوم تمامًا. حينئذٍ تسقط المقدّمة الأولى في نطاقها المطلوب.
  • أن يستقرّ نموذجٌ فيزيائيٌّ لماضٍ لا نهائيّ استقرارًا يخرجه من النزاع الحيّ. حينئذٍ تسقط المقدّمة الثانية — وهذا شرطٌ يقع على غيري لا عليّ، ولذلك لا أعتدّ به كثيرًا في الاتجاهين معًا: كما لا يجوز لي أن أبني على نموذجٍ حيّ، لا يجوز لخصمي.
  • أن يُبيَّن أنّ الانتقال من «علّة» إلى «مريدة» مسدود بيانًا لا مجرّدَ استبعاد. حينئذٍ لا تسقط الحجّةُ بنيانًا، لكنّها تنتهي إلى «علّةٍ» مجهولةِ الوصف — وهي لا تحمل دينًا.

ميزانٌ في آخر البابين

البرهانما يُثبته لو تمّأقوى ما عليهالحكم
الإمكانُ والوجوبموجودٌ قائمٌ بنفسه، مفسِّرٌ للممكناتتكافؤُ «الواجب» بين إلهٍ وحالةٍ فيزيائيةٍ أولى · وانهيارُ الجهات · وسقوطُ السند الطبيعيّ لـ«الحمل في كلّ لحظة»قائمٌ ولم يُهدم — ولا يُرجّح ولا يُلزم
الحدوثعلّةٌ للكون متجاوزةٌ لهاشتراكُ لفظ «بدأ» · واستقرائيّةُ المقدّمة الأولىلا يُلزم، ودعوى الترجيح فيه موقوفة
الانتقالُ من «علّة» إلى «مريدة»حلقةٌ منفصلةٌ تُقاوَم وحدهالا حسم

ولمَ نُزع لفظُ «يُرجّح» من هذا الجدول؟ لأنّه لم يُكسب في سطر. أحصِ ما انتهى إليه المتنُ في كلّ خطوةٍ متنازَعة: «لا حسمَ في هذا» في التركيب، و«لا حسم» في مبدأ السبب الكافي، و«لا حسم» في انهيار الجهات، و«حدسٌ يقابله حدس» في هويّة الواجب، و«لا حسم» في اللانهاية، ونزعُ سلاحٍ لا كسبُه في الفيزياء. وكلُّ كفّةٍ وُصفت بالتعادل، فمن أين جاء ميلُ الميزان؟

ولا يجوز أن يُقال «تعادلُ الخطوات لا يعني تعادل المجموع» ثمّ يُترك الأمر. فذاك — إن قيل — قرارٌ في وزن الحدوس لا نتيجةٌ من المقدّمات، ومن لم يشاركني في وزنها لم يلزمه شيء. وأنا لا أملك ترجيحًا أعرضه هنا، فلا أدّعيه. وزيادةً على ذلك: العبءُ عليّ لا عليه — فالتعادلُ في الحدوس خسارةٌ لمن يدّعي، لا قسمةٌ بالسويّة.

وما يخسره موقفي، أقولُه صريحًا: لا يخرج القارئُ من هذين الفصلين بيقين. ولا واحدٌ من البرهانين يُلزم من لا يسلّم بمقدّماته، وليس في أحدهما دينٌ ولا نبوّةٌ ولا شريعة. وأصدقُ ما يُقال فيهما: أنّهما يجعلان القول بوجود واجبٍ موقفًا عقلانيًّا يُدافَع عنه، لا موقفًا يُلزَم به المخالف — وهذا أضعفُ من الترجيح، وأنا أقصده على ضعفه. ومن وعدك بأكثر من هذا فسيخذلك عند أوّل مناظرةٍ تسمعها لأهل الصنعة.


وسؤالان يُطرحان عليّ فأجيب

الأوّل: أفليس التعادلُ في الحدوس يُلزم بتعليق الحكم لا بترجيحه؟ أي: إن كان كلُّ ما يفصل بيننا حدسًا لا برهانَ له، أفليس الموقفُ العقلانيَّ الوحيد ألّا يُبنى على أيّهما شيء — لا مسجدٌ ولا شريعة؟

وهذا اعتراضٌ قويّ، وجوابي عنه ناقصٌ وأقولُه ناقصًا. التعليقُ لازمٌ لو كان هذان الفصلان كلَّ ما في المسألة. وهما ليسا كذلك عندي: من انتهى إلى إيمانٍ لم ينتهِ إليه بهذين الفصلين وحدهما، بل بأمورٍ أخرى — نصٌّ يُقرأ ويُختبر، وخبرةٌ يعيشها، وشهادةٌ تُوزن — وكلُّ واحدٍ منها بابٌ يُفتح ويُنازَع فيه على حدة.

لكنّ الصادق أن أقول: إنّ ما في هذين الفصلين لا يحمل دينًا، وإنّ من بلغ آخرَهما ووقف عندهما فالتعليقُ موقفُه المعقول. والمسافةُ بين «موقفٍ عقلانيٌّ يُدافَع عنه» و«موقفٍ يُبنى عليه دين» مسافةٌ لم أقطعها هنا، ولن أزعم أنّي قطعتُها. ومن قال لك إنّ الميتافيزيقا وحدها تُنشئ شريعةً فقد باعك ما لا يملك.

والثاني: ولمَ يكتب رجلٌ فصلًا كهذا أصلًا؟

أكتبه لأنّي احتجتُه ولم أجده. في السنة التي زُلزل فيها ما عندي، كان كلُّ ما يُقدَّم إليّ صنفين: كتابٌ يقول لي إنّ المسألة محسومةٌ من عشرة قرون فلا تُتعب نفسك، ومحاضرةٌ تقول لي إنّ المسألة محسومةٌ منذ قرنين فلا تُتعب نفسك. وكلاهما كان يعرض عليّ خصمَه في صورةٍ لا يرضاها الخصم، وكنتُ أكتشف ذلك بنفسي بعد شهر، فأخسر ثقتي في الناقل قبل أن أخسرها في المنقول.

وأقولُ لك ما كلّفني: أنّي مكثتُ زمنًا أظنّ أنّ عندي برهانًا، ثمّ تبيّن لي أنّ الذي عندي حدس أُلبسه ثوبَ البرهان. وأصعبُ ما في هذا الفصل عليّ سطرٌ واحد: نزعُ لفظ «يُرجّح» من الجدول. كتبتُه أوّلَ مرّة وأنا مطمئنّ، ثمّ قرأتُ ما تحته فلم أجد له سندًا، فحذفتُه وأنا كاره. ولا أزعم أنّ حذفه لم يمسّني؛ مسّني. لكنّ الذي يمسّني أشدَّ أن يقرأ رجلٌ سطرًا عندي فيبني عليه، ثمّ يفتح الكتابَ فلا يجده.

وأمّا الشكُّ نفسُه، فلم يزُل عندي كلَّه ولا أدّعي زوالَه. تغيّر موضعُه لا غير.


ولك أن تخرج من هذين الفصلين على شكّك. لا شيءَ ههنا يشترط عليك أن تقتنع، ولا يُقاس صدقُ بحثك بأن تنتهي إلى ما انتهيتُ إليه. وإنّما المطلوبُ شيءٌ واحد: أن تعرف أين الخلاف بالضبط.

وإن كنتَ قد بحثتَ سنةً أو سنتين وانتهيتَ إلى غير ما انتهيتُ إليه، فلا شيءَ في هذا الفصل يقول إنّك أخطأت الطريق. ما فيه أنّ الطريق أطولُ ممّا يُقال لك من الجهتين، وأنّ ثمّ مواضعَ ستّةً أو سبعةً لا يزال أهلُ الصنعة يقفون عندها منذ ثلاثمئة سنة. ومن وقف حيث وقفوا فقد وقف في مكانٍ معقول، لا في مكان من لم يفهم.