تخطَّ إلى المحتوى

الإلحاد في نظر العقلاء

هذه رسالةٌ إليك، وأوّلُ ما فيها نقدُ قومي لا نقدُك.

سأقول في نصفها الأوّل إنّ الصورةَ التي رسمها قومي لك كاذبة، وإنّ كذبَها ليس ظلمًا لك وحدك بل هو أوّلًا خسارتُهم هم. وسأقول في نصفها الثاني إنّ صورةً شائعةً عن الإلحاد ليست الإلحادَ كذلك، وإنّ خصمي الحقيقيّ في هذا الباب أشدُّ ممّا يُقرأ له اليوم، وأنبلُ منه في الخصومة.

فإن لم تكن صاحبَ تلك الصورة فتجاوزِ النصفَ الثاني؛ لا يلزمك أن تدافع عمّا لا تقول به، ولستُ أنصب لك بابًا يُذمّ من لم يدخله.

أوّلًا: صورةٌ عندنا عنك، ولا يصمد منها حرف

يقال عندنا إنّ الملحد جاهلٌ، أو صاحبُ شهوةٍ أراد أن يتحلّل، أو حاقدٌ على أهله. ثلاثةُ أوصاف، تُقال في المجالس ويُقال معها إنّها معلومة.

ولستُ أدفعها عنك بحسن ظنّ. أدفعُ الأوّلَ منها لأنّه يُختبر ويسقط. سُئلت مجموعاتٌ دينيّةٌ ومذهبيّةٌ في الولايات المتّحدة سنة ٢٠١٠ عن أسئلةٍ في الأديان — في الكتب والمذاهب وأحكام التديّن — فكان أعلاها درجةً مجموعةَ الملحدين واللاأدريين [pew-2010-religious-knowledge].

ولا أسوق هذا شاهدًا على أنّ الملحد أعلمُ بديني منّي. الاستطلاعُ في بلدٍ واحد، ومقياسُه مسابقةٌ من اثنين وثلاثين سؤالًا، وأثرُ سنوات التعليم فيه غيرُ معزول، ومن سُئلوا ليسوا مَن أخاطبه: أكثرُ الأسئلة في المسيحيّة والأديان الكبرى، وللإسلام فيها أسئلةٌ معدودة.

وقد يقال لي: ليس هذا ما يعنيه الواعظ حين يقول «جاهل»؛ إنّما يعني «لم يبلغه الحقّ». وهو صادقٌ في هذا الاعتراض. فأضيّق دعواي إذن حتّى تصير دعوًى واحدة: الصيغةُ الوحيدة من التهمة التي يمكن عدُّها قد عُدّت حيث أمكن عدُّها فلم تصمد. وما بقي منها لا يُعدّ أصلًا — فلا ينبغي أن يُقال بلفظِ العلم.

وأمّا «الشهوة» و«الحقد» فليسا دعويين أصلًا. هما قراءةُ نيّة — وأنا لا أملك نيّتك ولا يملكها أحد. ومن ادّعى أنّه يعلم لماذا تركتَ من غير أن يجلس إليك فقد ادّعى علمَ غيبٍ في نفسٍ بشريّة، وذاك أشدُّ ممّا يرميك به.

ثمّ إنّ لهذه الصورة كلفةً على قائلها لا عليك، وهي التي تعنيني: من صدّق أنّ خصمَه أحمق لم يستعدّ له. يجلس المصدّقُ بها إلى من أمضى عشرَ سنواتٍ في المسألة، فيسوق عليه ما تعلّمه في مجلس، فينكسر في نصف ساعة — ثمّ لا يقول «قصّرتُ أنا»، بل يقول «الشبهةُ خطيرة» ويهرب من الباب كلِّه.

تصغيرُ الخصم تدريبٌ على قتال ظلّ.

وأصدقُ ما يهدم هذه الصورة أنّ في جهتك رجالًا أمضوا أعمارَهم في هذه المسألة وحدها. غراهام أوبي مسح أشهرَ أدلّة وجود الله مسحًا نقديًّا في مجلَّدٍ جامعيٍّ واحد [oppy-2006-arguing-gods]. وجون ماكي كتب في الأخلاق كتابًا لا يزال يُدرَّس بعد نحوِ خمسين سنة [mackie-1977-ethics]. ووليم رو صاغ مشكلةَ الشرّ صياغةً استدلاليّةً غيّرت الميدان [rowe-1979-varieties]. وبول درابر بنى حجّةً مقارِنةً في الألم واللذّة تُدرَّس في أقسام الفلسفة [draper-1989-pain-pleasure].

وما وقع لي من ردودِنا عليهم لم يقع أكثرُه على هذه الكتب، بل على خلاصاتٍ عنها. هذه جملةٌ ثقيلة، وأقولها وأنا أعرف ثقلها. وهي شهادةٌ عمّا رأيتُ، لا إحصاءٌ لما كُتب؛ فمن أطلعني على ردٍّ عربيٍّ قام على الكتاب في موضعه رجعتُ عن قدرِ ما أطلعني عليه.

ثانيًا: وصورةٌ عن الإلحاد، أهدمها كما هدمتُ صورتي

الآن دورُ الجهة الأخرى.

أكثرُ ما يصل إلى القارئ العربيّ من الإلحاد اليومَ صورةٌ واحدة: دوكينز ومن جرى معه — وأقولها ملاحظةً لا إحصاءً؛ فإن كنتَ قرأتَ غيرَها فقد سبقتَ هذه الفقرةَ كلَّها فتجاوزها. وهي كتبٌ فصيحةٌ واسعةُ الانتشار. لكنّ الذي أريد أن أضعه بين يديك أنّ الاعتراض عليها لم يأتِ من جهتي وحدها.

توماس ناجل ملحدٌ، ومن كبار فلاسفة العقل المعاصرين. وقد كتب في مراجعةٍ منشورةٍ سنة ٢٠٠٦ نقدًا للحجّة المركزيّة في `The God Delusion`، وبيّن أنّها تقوم على افتراضِ أنّ كلَّ علّةٍ مصمِّمةٍ لا بدّ أن تكون معقّدةً تعقيدَ ما صمّمَتْه — وهو افتراضٌ لا يسلّم به المؤمنُ أصلًا، إذ إلهُه عنده عقلٌ بسيطٌ لا مركَّبٌ من أجزاء [nagel-2006-fear-of-religion].

وناجل ليس شاهدًا محايدًا وأنا أعرف ذلك. هو شاذٌّ في جهته، وفي مراجعته نفسِها يقول إنّه لا يريد للكون أن يكون على الصورة الطبيعانيّة، وما كتبه بعد ذلك في `Mind and Cosmos` ردّه عليه أهلُ جهته قبل جهتي [nagel-2012-mind-cosmos]. فاختيارُه شاهدًا اختيارٌ منّي، وأُعلنه.

وإريك ويلنبرغ ملحدٌ آخر، بنى نظريّةً أخلاقيّةً كاملةً بلا إله [wielenberg-2014-robust]، ثمّ خصّص مقالةً محكَّمةً ليقول إنّ حجّة دوكينز لا تنجح [wielenberg-2009-dawkins-gambit]. ومقالتُه منشورةٌ في `Philosophia Christi`، وهي مجلّةٌ محكَّمةٌ ذاتُ توجّهٍ مسيحيّ. أقولها لأنّها ممّا يُسأل عنه، ولأنّ الذي أطلبه منك أن تسأل.

والشاهدان كلاهما على حجّةٍ واحدةٍ في كتابٍ واحد. فلا أعمّم منهما حكمًا على صنفٍ من الكتب؛ نقدان لمقطعٍ لا يحملان الحكمَ على مكتبة. ما أدّعيه أضيق: أنّ أشهرَ حجّةٍ في أشهرِ كتابٍ اعتُرض عليها من داخل الجهة نفسِها على مستوى الصنعة. فاسأل عن سواها، ولا تأخذ عنّي أنّ سواها مثلها.

وأصرحُ ما في هذا كلِّه شرطُ أوبي. الرجلُ ملحدٌ مسح الأدلّةَ واحدًا واحدًا، وانتهى إلى أنّ لا حجّةَ ناجحةً في الاتجاهين — و«النجاح» عنده أن تُلزم خصمًا عاقلًا بالتسليم، وهذا لم يقع لأحد [oppy-2006-arguing-gods].

وهذا الشرطُ يقطع في جهتي قبل جهتك. إن لم تكن ثمّ حجّةٌ تُلزم، فليس في يدي حجّةٌ تُلزمك. فمن أخذ بشرط أوبي لزمه أن ينزل بلغته درجةً أو درجتين — وأنا أوّلُ من يلزمه ذلك، ولستُ أقوله عليك وأُعفي نفسي منه. ثمّ إنّ أوبي نفسَه طبيعانيٌّ معلن، يرجّح الطبيعانيّةَ على الإلهيّة بمقاييس الفضائل النظريّة — اقتصادِ الأنطولوجيا وقوّةِ التفسير [oppy-2013-best-argument]. فتعادلُ الحجج عنده ليس تعادلَ الموقفين، والرجلُ الذي أستشهد بإنصافه ليس في صفّي. وأنا آخذ منه شرطَه ولا آخذ نتيجتَه، وأقول لك إنّي أفعل ذلك.

ولستُ أسوق هذا لأنزع منك كتابًا أحببتَه. الكتبُ الشائعة تُحسِن أشياءَ لا تُحسِنها الكتبُ الأكاديميّة: تفتح البابَ، وتُخرج المسألةَ من حَرَمٍ مغلق، وتكتب بلغةٍ تُقرأ. لكنّ ثمنَها أنّ من اكتفى بها حسب اللقاءَ الذي لم يقع قد وقع وانتهى.

وقُلِ الشيءَ نفسَه في جهتي بحرفه: من قرأ الإيمانَ في كتب المنابر وحدها لم يقرأ أقوى ما فيه، وإنّما قرأ أيسرَه انتشارًا.

وهنا تنازلٌ عليّ أن أقوله بلفظه لا أن أمرّ به: الأسماءُ التي سُقتُها في جهتي — سوينبرن وفان إنفاغن وآدمز — ثلاثةُ فلاسفةٍ مسيحيّين غربيّين، في رسالةٍ عربيّة. وأنت من حقّك أن تسأل: فأين نظيرُهم عندنا؟ وجوابي أنّي لا أضع بين يديك اليومَ اسمًا عربيًّا معاصرًا اشتغل على هذه المسائل بعينها بهذه الأدوات وأستطيع أن أُحيلك عليه بموضعٍ وصفحة. وقد يكون موجودًا ولم أبلغه، وقد لا يكون. وأيًّا كان فهو نقصٌ في جهتي، وليس حجّةً عليك.

ثالثًا: كيف يتكلّم أهلُ الصنعة

وهذا موضعُ الرسالة كلِّها. لا في من يقول، بل في كيف يقول.

رو — وهو صاحبُ أشهرِ صياغةٍ استدلاليّةٍ لمشكلة الشرّ — سكَّ في المقالة نفسِها مصطلحَ «الإلحاد الصديق»، وقرّر فيها أنّ المؤمنَ قد يكون عقلانيًّا تمامًا في إيمانه [rowe-1979-varieties]. رجلٌ يبني الحجّةَ ضدّي، ثمّ يكتب بيده أنّي لستُ أحمق باعتقادي.

ودرابر ينصّ على أنّ حجّته مقارِنةٌ لا ناقضة: توزيعُ الألم واللذّة أرجحُ على فرضٍ من فرض، وهذا لا يُثبت كذبَ الإلهيّة، وهو قابلٌ للترجيح بأدلّةٍ أخرى [draper-1989-pain-pleasure]. الشرطُ مكتوبٌ بقلم صاحب الحجّة، لا انتُزع منه.

وماكي — من أشدّهم على الإيمان — يقرّ في كتابه الثاني بأنّ دفاع الإرادة الحرّة يُخرج التناقضَ المنطقيَّ الصريحَ من المسألة، ثمّ يواصل الخصومةَ من بابٍ آخر [mackie-1982-miracle].

وفي جهتي أنا مثلُه. بيتر فان إنفاغن مؤمنٌ ألقى محاضرات غيفورد في الشرّ، ثمّ قال صراحةً إنّه لا يعلم لماذا يقع الشرّ ويُمهَل، وإنّ غايته أضيقُ من التفسير: أن تُبيَّن الحجّةُ غيرَ ملزِمة، لا أن يُشرح الشرّ [van-inwagen-2006-evil]. ومارلين آدمز — وهي مؤمنة — تقرّر أنّ أشهرَ الدفاعات تعجز عن الشرور الفظيعة، لأنّها تعالج الخيرَ الكلّيّ لا خيرَ المصاب بعينه [m-adams-1999-horrendous]. وسوينبرن — أشهرُ من صاغ الحجّةَ التراكميّة — يُدخل الشرَّ في ميزانه دليلًا ضدّ الإلهيّة ويطرحه، ثمّ يخرج بأنّها أرجحُ من نقيضها على مجموع الأدلّة: أرجحيّةً لا يقينًا، بلا رقمٍ يضعه [swinburne-2004-existence].

هؤلاء جميعًا يتكلّمون بلغة الترجيح لا الحسم. ويعرف كلٌّ منهم أين تضعف حجّتُه، ويقولها قبل أن يقولها خصمُه.

وفي مسحٍ لآراء أساتذة الفلسفة أُجري سنة ٢٠٠٩ ونُشر سنة ٢٠١٤، كان الإلحادُ رأيَ الأكثريّة بفارقٍ واسع، والإلهيّةُ نحوَ سُبعِ المجيبين [bourget-chalmers-2014-survey]. ولا يُثبت هذا شيئًا في المسألة نفسِها: رأيُ الأكثريّة ليس دليلًا، والعيّنةُ من أقسامٍ إنجليزيّةِ اللسان.

وهذا الأدب — لا هذه النتيجة — هو الذي أطلبه في هذا الكتاب.

رابعًا: جدالٌ لم يلتقِ طرفاه قطّ

وأصدقُ ما أعرفه عن الجدل الدائر بالعربية أقولُه بوصفه ملاحظةً لا إحصاءً: أكثرُه يدور بين رجلين لم يقرأ أحدُهما كتابًا واحدًا لخصمه.

الواعظُ يردّ على منشور. والملحدُ يردّ على واعظ. فإذا نظرتَ في الردَّين وجدتَ كليهما مصيبًا — لأنّ كلًّا منهما يردّ فعلًا على ما وصله. وإنّما الذي وصله ليس أحدًا. ولا أحد منهما يخاطب الآخر أصلًا؛ كلٌّ يخاطب جمهورَه ويظنّه ميدانًا.

وقد وقع منّا نحن ما هو أسوأُ من هذا. يُنقل عندنا أنّ ماكي «يعترف بأنّ الأخلاق الموضوعيّة تحتاج إلهًا». وللنقل أصلٌ لا أُنكره: ماكي كتب بقلمه أنّ القيم الموضوعيّة لو وُجدت لجعلت وجودَ إلهٍ أرجحَ ممّا لولاها [mackie-1982-miracle]. لكنّه شرطٌ ساقه رجلٌ ينفي المشروط: أطروحتُه أنّ القيم الموضوعيّة لا توجد، وتلك حجّةُ الغرابة التي بنى عليها كتابَه في الأخلاق [mackie-1977-ethics].

فأخذنا مقدّمةً كتبها ليهدمها، ونزعنا عنها «لو»، وجعلناها شهادةً منه لنا. وهذا هو الفرقُ بعينه بين أن تقرأ الرجلَ في موضعه وأن تقرأه في خلاصةِ ناقلٍ عن ناقل.

وأنا أعتذر عن هذه.

وإنّما صار هذا ممكنًا لأنّ الجدال عندنا يُدار بالنتائج لا بالمواضع. تُنقل الخلاصةُ عاريةً من شرطها، ثمّ تُنقل عن الناقل، ثمّ يُصنع منها سلاح. والحجّةُ لا تُقرأ في خلاصتها؛ شرطُها في مقدّمتها، والمقدّمةُ لا تُقرأ إلا في موضعها.

خامسًا: المسألةُ بعينها

قلتُ إنّ بيني وبينك مسألةً تستحقّ أن نلتقي عليها بأسمائها وأدلّتها ومواضعها. ورسالةٌ تقول هذا ولا تسمّي المسألةَ رسالةٌ ناقصة. فهذه واحدةٌ بتمامها، وأسوقها لأنّها أثقلُ ما عليّ لا لأنّها أيسرُ ما أجيب عنه:

الشرّ. وليس بصيغته المنبريّة، بل بصيغتين محدَّدتين:

الأولى — صيغة رو (١٩٧٩). توجد آلامٌ شديدة، كظبيٍ يحترق في حريق غابةٍ ويبقى أيّامًا، كان في وسع قادرٍ عليمٍ أن يمنعها من غير أن يفوت خيرٌ أعظم ولا يقع شرٌّ مثلُها أو أشدّ. فإن وُجدت واحدةٌ من هذه، لم يوجد إلهٌ بالوصف المعروف [rowe-1979-varieties].

والثانية — صيغة درابر (١٩٨٩)، وهي عندي أثقل. لا يدّعي درابر أنّ الشرّ يُبطل الإلهيّة، بل يقارن فرضين: توزيعُ الألم واللذّة في عالم الأحياء — تعلّقُه بالبقاء والتكاثر، ووقوعُه على من لا أخلاقيّةَ له — أرجحُ وقوعًا على فرض اللامبالاة منه على فرض الإلهيّة [draper-1989-pain-pleasure]. وثقلُها أنّها لا تُردّ بما تُردّ به الأولى.

والجوابُ المألوف عندنا أنّ عقولنا أضيقُ من أن تحكم بأنّ خيرًا أعظمَ لا يوجد. وهو جوابٌ له وجهٌ، وقد صرّح فان إنفاغن بأنّ غايته أن يبيّن أنّ الحجّة لا تنجح بوصفها برهانًا، لا أن يقول لماذا وقع الشرّ [van-inwagen-2006-evil].

ولهذا الجواب ثمنٌ ينبغي أن أدفعه علنًا في موضعين:

أوّلهما أنّه سيفٌ ذو حدّين: من قال «لا أدري ما الخير الخفيّ» فقد أضعف قدرتَه على الاستدلال بأيّ خيرٍ يراه. وهذه علّةٌ بنيويّةٌ في الجواب، لا اعتراضٌ عارض.

وثانيهما أنّه لا يمسّ صيغةَ درابر أصلًا: المقارنةُ بين فرضين تبقى قائمةً وإن جهلنا التفاصيل، لأنّها لا تدّعي أن تعلمها.

وأصدقُ من قال هذا في جهتي مؤمنة: مارلين آدمز تقرّر أنّ دفاعات الخير الأعظم تعجز عن الشرور الفظيعة لأنّها تعالج ميزانَ العالم لا حالَ المصاب بعينه [m-adams-1999-horrendous].

فهذه هي المسألة. اسمُها، وصاحبُها، وسنتُها، وموضعُها، وأين تضعف عندي لا عندك. وإن أردتَ أن نلتقي فهنا الموضع — لا في «هل الكون مصادفة» ولا في «من خلق الخالق».

سادسًا: وما الذي يزحزحني أنا

سألتَ — أو من حقّك أن تسأل — عمّا في ميزاني ضدّي. وهو سؤالٌ لم أجب عنه في هذه الرسالة، فأجيب:

أوّلًا: قد أكون أنا المخطئ. أقولها لا مجاملةً بل لأنّ شرطَ أوبي الذي أخذتُه يلزمني بها: من قال «لا حجّةَ تُلزم» فقد قالها على نفسه أوّلًا.

وثانيًا، الذي يزحزحني في المسألة التي سمّيتُها: لو تبيّن لي أنّ صيغة درابر تبقى راجحةً بعد أن يُوزن معها كلُّ ما أعدّه أنا في الكفّة الأخرى، ولم أجد فرقًا في ميزان الاحتمال أستند إليه، لزمني أن أقول ذلك ولزمني أثرُه. ولستُ أعِدك بأنّ ذلك واقع؛ أعِدك بأنّه الشيءُ الذي أنظر فيه، وأنّه المكان الذي أخافه في نفسي، وأنّي أعرف أنّي أخافه.

وثالثًا، إن قرأتَ كلَّ ما أطلبه، وجلستَ بالأدب الذي وصفتُه، ثمّ بقيتَ حيث أنت — فليس لي عندك شيء. لا أُلزمك بأثرٍ، ولا أرتّب على موقفك حكمًا في هذه الصفحات، ولا أدّعي أنّي أعلم ما يصير إليه أمرُك. هذا حدُّ ما أملك، ولستُ أزيد عليه لأنّي لا أملك الزيادة.

وحدُّ هذه الرسالة

وهذه رسالةٌ لا برهان.

لم أُثبت لك شيئًا في هذه الصفحات، ولا حاولت. أنّ في الملحدين فلاسفةً عظامًا لا يجعل الإلحادَ صوابًا، تمامًا كما أنّ في المؤمنين فلاسفةً عظامًا لا يجعل الإيمانَ صوابًا. الرجالُ لا تُصحّح الحجج. وقد قصدتُ هذا الحدَّ ولم أقع فيه سهوًا.

وحدٌّ ثانٍ أثقل، وهو في الرسالة نفسِها. قلتُ قبل قليل إنّ كلًّا يخاطب جمهورَه ويظنّه ميدانًا، وهذا الوصفُ يصدق على هذه الصفحات: هي مكتوبةٌ بضمير المخاطب لك، ومنشورةٌ في كتابٍ يقرؤه قومي قبل أن يقرأه غيرُهم. فقد يكون نصيبُك منها أن تكون شاهدًا في خصومةٍ داخليّة، لا مخاطَبًا. ولستُ أعرف كيف أخرج من هذا خروجًا تامًّا وأنا أكتب حيث أكتب. وأقلُّ ما أفعله أن أقوله لك ولا أدعك تكتشفه.

وكلُّ ما أدّعيه بعد ذلك أضيق: أنّ بيني وبينك مسألةً واحدةً سمّيتُها في هذه الرسالة بموضعها، وأنّ ما يدور اليوم ليس هي. وأنّ من دخل عليك بالأوصاف الثلاثة قد خسرك قبل أن يفتح فمه.

فإن جلستَ يومًا إلى واحدٍ منّا يقول لك «لا أدري» في موضعه، ويحسب الدليلَ الذي عليه في ميزانه بيده، ولا يسألك عن نيّتك — فاعلم أنّه قرأ خصمَه. وإن جلستُ أنا إلى واحدٍ منكم يعرف أنّ حجّته ترجيحٌ لا حسم، ويعرف أين تعثّرت — فقد قرأ خصمَه كذلك.

وذانك الاثنان يقع بينهما كلامٌ يستحقّ أن يُسمَّى كلامًا. وسائرُ ما نراه رجلان يصرخان في اتجاهين متعاكسين، ويظنّ كلٌّ منهما أنّ الآخرَ سمعه.