Skip to content

بعد السنة العاشرة

هذه ورقةٌ كُتبت لمن مضى على خروجه عشرُ سنين. لا لأنّ من ترك أمسِ أخفُّ عقلًا — بل لأنّه في أوّل أصعب سنةٍ في عمره: عنده جدلٌ لم يفرغ منه، وأهلٌ لم يقولوا كلمتهم بعد، ورأسٌ يعمل الليلَ كلَّه. وحاجتُه إلى من يجلس معه فوق حاجة صاحب العاشرة، لكنّها حاجةٌ إلى كلامٍ آخر لا إلى هذا. وهذا الكلامُ يقتضي هدوءًا لا يملكه الآن، وليس عيبًا فيه أنّه لا يملكه.

فأنا أكتب إلى العاشرة.

إلى حين يهدأ كلُّ شيء. حين يصير الأمرُ عاديًّا، ولا يسألك أحد، ولم تعد تقرأ في الباب ولا يعنيك. وهذه أصدقُ لحظةٍ للمحاسبة، لأنّها اللحظةُ الوحيدةُ التي لا خصمَ فيها.

وأقول لك من أوّل سطرٍ ما أنا فاعل: أُحاسب لا أُخوّف. لن تجد في هذه الورقة نارًا ولا عذابًا — لا تلطّفًا منّي، بل لأنّ التخويف لا يصلح حجّةً أصلًا، ومن ساقه عليك أساء إليك وإلى ما يدافع عنه معًا. ونصفُ هذا الحساب في صالحك، وسأبدأ به.

وأقول الثانية: أنا أدعوك إلى المراجعة. كنتُ كتبتُ في نسخةٍ سابقة «ولستُ أطلب منك أن تراجع» ثمّ قرأتُها فوجدتُها كذبةً مهذَّبة: ورقةٌ تعدّد عليك أثمانًا وتضع لك عمودين هي طلبُ مراجعةٍ من أوّلها إلى آخرها. فأنا أطلبها، ولك أن تردَّها؛ وأن أنفيَ عن نفسي ما أفعله في السطر التالي حيلةٌ لا أدبٌ منّي.

أوّلًا: ما رُبح — ولا يجوز إنكارُه

ذنبٌ لم يكن ذنبًا. خذ نموذجًا — وأقول نموذجًا لا حكاية: فتًى في الثالثة عشرة مرّت بخاطره جملةٌ لم يقصدها، فأقام سنتين يظنّ نفسَه سقط. ثمّ رجلٌ يعيد الوضوءَ أربع مرّات، لا ورعًا بل لأنّ في رأسه عدّادًا لا يُغلق. هذا ألمٌ حقيقيّ، وقد وُضع على أكتاف صغارٍ ما كان يجب أن يُوضع. ومن خرج منه خرج من شيءٍ ثقيل، وثقلُه لا يُنكَر لأنّ الخارج منه صار خصمًا.

وخوفٌ غُرس في الطفولة. صورٌ في السابعة لا يحتملها ابنُ السابعة، تُقال في مجلسٍ عابرٍ ثمّ تسكن في الرأس عشرين سنة. من نزعها عن نفسه نزع شيئًا كان يؤذيه فعلًا.

وسلطةٌ تتكلّم باسم السماء. رجلٌ يخطئ في أمرٍ دنيويٍّ محضٍ ثمّ يجعل مخالفتَه مخالفةً لله، فلا يُراجَع ولا يُسأل. من كسر هذه في نفسه كسر شيئًا يستحقّ الكسر.

ولن أسحب منك هذا بعد أن أعطيتُك إيّاه. لكنّي أقول ملاحظةً واحدة: أكثرُ هذه المكاسب تحرّرٌ من تديّنٍ رديء، لا من دين.

وكنتُ كتبتُ بعدها «فردَّها إن شئت ولا يتغيّر في الحساب شيء» — وهي جملةٌ غيرُ صحيحة، وأنا أعرف أنّها غيرُ صحيحة. لو صحّت هذه الملاحظةُ لكان العمودُ الأوّل كلُّه ترميمَ عطبٍ محلّيّ لا ربحًا من الإلحاد، وذاك تغييرٌ في الحساب لا حاشيةٌ عليه. فأنا أسوقها حاملةً وزنَها، وأنت تردّها إن رأيتَ أنّ ما تركتَه ليس رداءةَ نسخةٍ بل بناءَ الشيء نفسِه — وهو ردٌّ معقول، وردٌّ يُبطل عمودي الأوّل لا يزيده. ولا أُخفي وزنَ دعواي بأن أضعها في مكانٍ لا تُقاتَل فيه.

ثانيًا: وما ثمنُه لا يُدفع في السنة الأولى

ولا أبالغ فيه. لا أقول إنّك تعيش في ظلام؛ ذاك كلامُ من لم يجالس أحدًا منكم. أقول أربعةَ أشياءَ محدَّدة، والفارقُ بينها وبين وعظِ الوعّاظ أنّها تُدفع متأخّرة، فلا تُحسّ في السنة الأولى ولا الثانية.

١ · معنًى جاهز. والمعنى يُصنع، وهذا صحيحٌ ولستُ أماري فيه — بل أزيد: أدقُّ من كتب في الباب لا يقول «اصنع معناك كما تشاء»، وإنّما يشترط أن يلاقيَ انجذابُك جدارةً في الشيء نفسِه. فليس الأمرُ مزاجًا يُختلق، وهذا في صالحك لا عليك. وكثيرون يصنعونه ويعيشون به عيشةً كاملة، وبعضُ أحسن من عرفتُ من هؤلاء.

لكنّ في المصنوع خاصّيةً واحدةً تُغفَل: المصنوعُ يحتاج صانعَه حاضرًا. فمعناك مشدودٌ إلى عملك أو إلى ابنتك أو إلى ما تبنيه؛ وكلُّ ذلك قائمٌ بك أنت. فإذا وهنتَ — مرضٌ طويل، أو سنةٌ ترى فيها أنّ ما بنيتَه في عشرين سنةً أقلُّ ممّا وعدتَ به نفسَك، أو سقوطُ المشروع الذي علّقتَ عليه اثنتي عشرة سنة — وهن معك.

والمعنى الجاهزُ خاصّيتُه المضادّة: لا يشترط منطقُه أن تكون بخير. وأقولها في بناء الشيء لا في أهله، وإلّا كذّبني المشاهَد: كم من مؤمنٍ وهن معناه عند أوّل قبر، والمكتئبُ منهم يفقد صلاتَه قبل أن يفقد عملَه، و«الليلُ المظلم» بابٌ مكتوبٌ في تراث القوم لا نادرةٌ فيه. فالفرقُ في التركيب لا في ضمانةٍ لصاحبه. بل أزيد عليك: عطبُ الجاهز يُسمّى عندنا ابتلاءً فلا يُحسب عطبًا — وتلك تسميةٌ تحفظ الشيءَ من الفحص، وهي عليّ لا لي.

وهذا كلُّه ليس حجّةً على صدقه. الجاهزُ قد يكون كاذبًا وهو يعمل. إنّما أصف سلوكَ الشيء عند العطب، لأنّ الأشياء تُعرف عند العطب لا في العافية.

٢ · لغةُ الظلم. ولستُ أقصد أنّك لا تستطيع أن تقول «هذا شرّ». تقولها، وتقولها بأشدَّ ممّا يقولها كثيرٌ من أهل ملّتي. الذي أقصده جملةٌ أضيق: رجلٌ ظُلم فمات ولم يُنصَف. لا في محكمة، ولا في تاريخ، ولا في ذاكرةِ أحد — أُخذ حقُّه وانتهى.

بأيّ معنًى نقول عنه «ظُلم» بعد أن انتهى كلُّ شيء؟ الفعلُ وقع، وهذا مقرَّر. لكنّ «لم يُنصَف» جملةٌ ناقصةُ الطرف: إنصافٌ عند من؟ ودفترٌ في أين؟ الجملةُ تعمل عمليًّا في المحاكم، وتتوقّف حين يُغلق كلُّ باب.

ولا أسوق هذا في وجهك سَوقَ غالب، فعندك جوابان أعرفهما: أضعفُهما أنّ الظلمَ يبقى ظلمًا وإن لم يُردّ، وأنّ طلبَ دفترٍ في السماء تعزيةٌ لا معرفة.

وأقوى منه جوابٌ لا أُغفله: أنّ «حقًّا» له مرجعٌ لا يقوم بأحدٍ ولا يفتقر إلى دفتر — كما أنّ للرياضيّات حقائقَ لا موضِعَ لها في الزمان والمكان. وهو مذهبٌ قائمٌ بأهله لا هزيمةَ فيه، ولستُ مُبطلَه في سطر. ومعه اعتراضٌ ثالثٌ يصيب: الوجودُ غيرُ الأداء. فسرقةُ حقٍّ لم يُردّ سرقةٌ، كما أنّ معادلةً لم تُحلّ صحيحة؛ فلا يلزم من انقطاع الأداء انقطاعُ الحقّ. وإشكالُ أوطيفرون قائمٌ عليّ بحاله: إن كان الحقُّ حقًّا لأنّه قُيّد في الدفتر فالدفترُ مصدرُه، وإن قُيّد لأنّه حقٌّ فقد استغنى عنه في وجوده.

فأُصلح دعواي: لستُ أقول إنّك فقدتَ مرجعَ الكلمة، أقول إنّك فقدتَ أداءها. وذاك أضيقُ ممّا كتبتُ أوّلًا وأصدق. وأقول معه إنّ المذهبَ الذي يجعل الحقائقَ الأخلاقيّة قائمةً بذاتها يشتري هو أيضًا بثمنٍ يُعرف اسمُه، لا أنّه مجّانيّ.

وههنا رجلٌ لا يُتّهم في هذا الباب: جان أميري، خرج من معسكرات النازية ولم يطلب سماءً ولا صلحًا. وموقفُه في «الضغائن» أنّ رفضَ الصفح موقفٌ أخلاقيٌّ لا عجزٌ نفسيّ، وأنّ المصالحة مع ما وقع خيانةٌ للضحيّة، ومطلبُه أن يُنفى الفعلُ في التاريخ لا أن يُسوّى. فمن ساقه شاهدًا على حاجةٍ إلى إله فقد قلب نصَّه.

وأصدقُ ما يُقال: نصُّه يهدم عليّ هذا الموضع لا يبنيه. فإن كانت المصالحة مع الجريمة خيانةً للضحيّة، فدفترٌ يُسوّى فيه الحسابُ هو بعينه ما يرفضه أميري، لا علاجًا للفراغ الذي وصفتُه. فالخانةُ التي قلتُ إنّها خاليةٌ ليست خالية: فيها جوابٌ، وإنّما هو ليس جوابي. وأنا أذكره لك كاملًا لا لأنّي أملك ردَّه، بل لأنّ ورقةً تُخفيه لا تستحقّ أن تُقرأ.

وأقولها ولا أُوظّفها: أميري مات منتحرًا سنة ١٩٧٨. وأنا لا أبني على موته حرفًا، ولا أجعله شاهدًا على شيء — من فعل ذلك فقد استعمل رجلًا لا يملك أن يردّ عليه. وإنّما ذكرتُه لأنّ من يعرف خبرَه سيقرأ سكوتي عنه إمّا جهلًا وإمّا فخًّا، وكلاهما أسوأ.

٣ · بابٌ للذنب. أثقلُ ما تصنعه أنت لا ما يُصنع بك. الرجلُ الذي كنتَ سببًا في خرابه، والأمُّ التي كسرتَها في سنةٍ لا تُعاد، وما لا تحكيه لأحد. الأثرُ باقٍ — وهذا موضعُ اتّفاق. الذي زال شيئان: الاسمُ والبابُ.

وأمثّل للأوّل لأنّي أوجزتُ فيه فلم أُفهَم: صديقٌ لك خرّبتَ زواجَه بكلمة. أنت تستطيع أن تقول «أخطأتُ خطأً فادحًا»، وتستطيع أن تقول «كنتُ رديئًا تلك السنة»، وكلاهما وصفٌ لماضٍ وقع وانتهى. والذي لم يعد في لغتك كلمةٌ تجعل الفعلَ دَينًا قائمًا يُطلب لا واقعةً مضت: أي كلمةٌ يتعلّق بها إجراء. وذاك هو «الاسم». والبابُ هو الإجراء نفسُه: أن يكون ثمّ من يُطرق عندَه.

وقد وُضع في مكانه شيءٌ آخر: «سامح نفسك». وأنا لا أستخفّ به — فيه ما هو نافعٌ فعلًا، وقد وُضع لإصلاح الأثر النفسيّ للجرح الأخلاقيّ نموذجٌ علاجيٌّ في المحاربين القدامى — أوّليٌّ بنصّ عنوانه — ليس دعايةً ولا وعظًا. لكنّ الجملةَ في أصلها غريبةُ التركيب: المدينُ يُبرئ نفسَه بنفسه. فإن نفعت فبوصفها راحةً، لا بوصفها براءة. والبابان مختلفان، وأرجو ألّا يُخلطا عندك — وليس هذا مدحًا لك، فأنا لا أشتري إنصاتك بإطراء.

وعليّ ههنا اعتراضٌ يصيبني في مقتل، وأسوقه بلفظه: إن كان الدَّينُ للرجل الذي خرّبتَه وللأمّ التي كسرتَها، فمن أين لطرفٍ ثالثٍ لم يُظلم أن يُبرئ منه؟ فالغرابةُ التي رميتُك بها أشدُّ في جهتي. والذي أدين به أنّ حقَّ المظلوم لا يسقط بغيره، وأنّ البابَ الذي وصفتُه ليس محوًا للدَّين بل قيدٌ ثانٍ يُطلب معه أداءُ الأوّل. وهذه دعوى مذهبٍ أقولها لتعرف موضعي، لا لأحتجّ بها عليك؛ ومن قرأ الغفرانَ إغلاقًا للدفتر فقد وصف شيئًا لا أدافع عنه. فيبقى بيننا فرقٌ أصغرُ ممّا كتبتُ أوّلًا: عندك الأثرُ بلا إجراء، وعندي إجراءٌ لا يُسقط حقَّ صاحبه.

٤ · جماعةٌ تحمل عنك. وهذا أكثرُ ما سمعتُه شكوى في الغرف المغلقة — أحكي عمّن جالستُ لا عن عيّنة — وأقلُّ ما يُذكر في الجدل، لأنّه لا يُقال في مناظرة: يبدو قائلُه ضعيفًا.

إن كانت بلدُك كبلدي فأنت تعرف ما أصف: يموت أبوك، فيأتي أربعون رجلًا لا تعرف نصفَهم. يُغسَل، ويُحمَل، ويُدفَن، ويجلس الناس ثلاثًا، ويأتي الطعامُ بلا طلبٍ ولا ترتيب. لا تُدير أنت شيئًا في أثقل أسبوعٍ في عمرك. هذه آلةٌ تشتغل وحدها، وأنت لم تبنِها ولم تدفع لها.

وأقولها كاملةً لئلّا تكون حجّةً كاذبة: هذا اجتماعٌ لا لاهوت، ولا يدلّ على صدق شيء. وجماعةٌ كهذه يمكن أن تُبنى بلا دين، وقد بُنيت: في الدنمارك والسويد شبكاتُ سندٍ لا تقوم على معتقدٍ ألبتّة، ومن وصفها ميدانيًّا وصفها راضيةً لا موحشة. فالبابُ ليس مسدودًا بالمبدأ، وهذا مسجَّلٌ عليّ.

لكنّ سؤالي عمليٌّ لا عقديّ: أبُنيت في مدينتك؟ وهو سؤالٌ لا ألزمك بجوابه، ولا أجعل «لا» فيه تهمةً — فليس مطلوبًا منك أن تبني وحدك في عشر سنين ما بنته ملّةٌ في أربعة عشر قرنًا. إنّما أقول إنّ ما لم يُبنَ بعدُ لا يحمل عنك اليوم.

ثلاثُ لحظاتٍ — وأقولها وصفًا لا إخراجًا

وقد كتبتُ هذه الفقرات مرّةً بمشاهدَ مضبوطةِ التوقيت: «بعدها بأسبوعين، وحدك، في السيّارة»، و«ساعةً واحدةً بعد الولادة». ثمّ قرأها عليّ رجلٌ من جهتك فقال: هذا صنعةٌ تُوحي بأنّك تعرف داخلي أكثرَ ممّا أعرفه. وهو محقّ. فحذفتُ التوقيت، وأبقيتُ الوصفَ عاريًا: إن وجدتَه في نفسك فهو لك، وإن لم تجده فوصفي خطأ، وأنت أعلم بنفسك منّي.

عند موت قريب. ليس في الجنازة؛ الجنازةُ مشغولة. بعدها بمدّة، حين يخلو المكان. والحاضرون كان عندهم كلامٌ يقولونه، وكان عندك صمتٌ محترم. وستمرّ، والناس يمرّون، ولا أدّعي غير ذلك.

والفرقُ الذي أعنيه بين من خرج من الغرفة ولديه جملةٌ ومن خرج ولديه معلومة — إن كنتَ لم تجده في نفسك فقد أخطأتُ في وصفك، ولا أُلزمك بما لم تجد.

وعند مولود. وقد حدّثني غيرُ واحدٍ أنّه فاض في صدره امتنانٌ لم يجد له عنوانًا؛ يقول «الحمد لله» بحكم اللسان ثمّ ينتبه، أو يقول «يا إلهي» ويمرّ. فإن لم يقع لك فدَعْه، فلستُ أصف باطنك.

وأنا لا أبني على هذا شيئًا — الشعورُ ليس دليلًا، وأنت محقٌّ في ردّ من يجعله دليلًا. إنّما ألفت نظرك إلى أنّ الامتنان في أصل وضعه تركيبٌ ذو طرفين. ولك أن تقول إنّ ثمّ فرحًا بلا مشكورٍ يسدّ مسدَّه، وهو قولٌ مقول؛ فيصير الخلافُ في اللفظ لا في الحال — وذاك أهونُ ممّا أردت، وأُقرّ به.

وعند ظلمٍ لا سبيل إلى ردّه. وهو الموضع الذي وصفتُه فوق. أقسى صوره حين لا تكون أنت المظلوم، بل تكون واقفًا تنظر إلى من ظُلم ولا تملك له شيئًا، ولا تملك أن تقول له إلّا: «أعرف».

وبالمقابل: ما يخسره المؤمن

ولو كتبتُ العمودَ الأوّل وحدَه لكنتُ بائعًا لا محاسبًا.

يخسر صعوبةَ السؤال. وهذا خسرانٌ يُحسب عليه لا له: عنده جملةٌ تُغلق باب الألم قبل أن يشعر به — «حكمة» — فيُطفئ بها سؤالًا كان ينبغي أن يحترق فيه. وأنا رأيت هذا كثيرًا، ورأيتُ أنّ الجواب الجاهز في يد رجلٍ كسول يمنعه من أن ينظر.

ويخسر أن يُسائَل. من كان في الأكثرية لا يُطالَب ببيّنة. فيمشي عمرَه كلَّه على قولٍ لم يفحصه، وليس عنده ما عندك: ثمنٌ دفعتَه فأجبرك على أن تعرف لماذا تدفعه. وهذه لك لا عليك.

ويخسر راحةَ من لا يحبّ. وقد أوجزتُها في سطرٍ فمرّ بها القارئ، وهي عندي أثقلُ ما في هذا العمود، فأبسطها: مشكلةُ الشرّ عند من لا يعتقد لغزٌ فكريّ — قسوةُ العالم واقعةٌ تُوصف وتُقاوَم، وليس فيها خيانة، لأنّه ليس ثمّ من ائتُمن. وعندي هي شكوى في وجه من أحبّ. فطفلٌ يموت من سرطانٍ في الرابعة يضعني في موضعٍ لا يضعك فيه: أنت أمام حقيقةٍ بشعة، وأنا أمام حقيقةٍ بشعةٍ وسؤالٍ موجَّه إلى من أُحبّ. وليست الشكوى أهون من اللغز؛ الغالبُ أنّها أشدّ. وهذا ثمنٌ في جهتي أنا، أسجّله كما سجّلتُ ما في جهتك.

وسؤالٌ كان ينبغي أن أسأله: أهذه أثمانُ الإلحاد أم أثمانُ الخروج؟

وهو أقوى ما وُجّه إليّ، وأنا أُدخله في الورقة لا في الحاشية.

الأربعةُ التي عدّدتُها — الجماعةُ التي تُغسّل وتَدفن، والمعنى المتوارث، واللغةُ المشتركة، والبابُ — أكثرُها أثمانُ مفارقةِ أغلبيّةٍ لا أثمانُ عقيدة. والذي وُلد علمانيًّا في مجتمعٍ علمانيّ يدفن أباه بآلةٍ تشتغل وحدها هي الأخرى: بلديّةٌ ودارُ عزاءٍ وأصدقاءُ عمل، ولا يدفع من هذا البند شيئًا. فبندُ الجماعة سقط عنه بالكامل، وأنا أقرّ به.

والذي يبقى بعد هذا الطرح أضيقُ ممّا عدّدتُ، وهو ثلاثةٌ لا أربعة: اشتراطُ المعنى المصنوعِ صانعَه حاضرًا، وانقطاعُ أداء الحقّ لا وجودِه، وغيابُ الإجراء في الذنب. وهذه لا تسقط بتغيير البلد؛ تسقط بجوابٍ عليها. أمّا البندُ الرابع فثمنُ جغرافيا وزمنٍ لا ثمنُ قول.

وما الذي يُبطل هذه الورقة؟

سُئلتُ: كتبتَ «الجدولُ ليس دليلًا» ولم تقل ما الذي لو وقع لقلتَ أخطأتُ. وورقةٌ تُحاسب ولا تضع لنفسها شرطَ بطلانٍ تبقى رسالةً في هيئة ميزان. فهذه شروطي، وأنا مُلزَمٌ بها:

١ · إن وُجد مجتمعٌ غيرُ متديّنٍ قامت فيه آلةُ الموت والعزاء والسند كما تقوم في بلدي — سقط البندُ الرابع كلُّه. وهو ساقطٌ فيما رأيتُ من وصف الدنمارك والسويد، وقد أسقطتُه فوق بيدي.

٢ · إن ثبت أنّ المعنى المصنوع يصمد عند العطب صمودَ الموروث أو أشدّ — سقط البندُ الأوّل. ومقياسُه ليس شعورًا: من عاش ثلاثين سنةً بمعنًى صنعه ثمّ فقد ما بناه، أيبقى أم يهن؟ سؤالٌ يُبحث ولا أدّعي أنّي بحثتُه.

٣ · إن استقام للحقّ مرجعٌ لا يحتاج أداءً، وسدّ فقدُ الأداء بشيءٍ آخر — سقط البندُ الثاني. وأنا سقتُ لك مذهبًا يقول به، ولم أُبطله.

٤ · وإن قلتَ لي: «مرّت بي هذه المواضعُ فلم أجد فيها ما تصف» — فأنا أُصدّقك، ولا أقول لك إنّك لم تعرف اسمَها.

والجدولُ ليس دليلًا

وهنا أقف قبل أن يُساء فهم كلّ ما مضى.

لا شيءَ في هذه الورقة يرجّح صدقًا ولا كذبًا. الفكرةُ الموحشة قد تكون صادقة، والمريحةُ قد تكون باطلة، والكونُ غيرُ ملزَمٍ بأن يكون صالحًا للسكن. فإن كان قولُك حقًّا فكلُّ ما عدّدتُه عليك ثمنٌ واجبُ الدفع، ولا يُشترى بالثمن قولٌ آخر. وهذه رسالةٌ لا برهان، ومن قدّم لك جدولَ أرباحٍ وخسائرَ على أنّه دليلٌ فقد باعك سلعةً بغير اسمها.

فما فائدتُها إذًا؟ واحدةٌ فقط: أن تعرف ما اشتريتَ.

فأكثرُ من عرفتُ في الجهتين لم يعرف. من دخل ظنّ أنّه اشترى راحةً فوجد سؤالًا لا ينام. ومن خرج ظنّ أنّه اشترى صدقًا مجّانًا.

ولستُ أزعم أنّ فاتورةً تأتيك لا محالة، ولا أنّك إن أنكرتَها فقد أخفيتَها عن نفسك — وقد كتبتُ ذلك في نسخةٍ أولى وحذفتُه، لأنّ دعوى لا تُردّ لا تصلح دعوى: من جعل إنكارَك شاهدًا عليك فقد أخرج كلامَه من الحساب إلى التنجيم. إنّما أقول: إن مرّ بك شيءٌ من هذا فاعرف اسمه، وإن لم يمرّ فوصفي لك خطأ، وأنت أعلم بنفسك منّي.

وأطلب واحدةً: أن يكون في دفترك عمودان لا عمودٌ واحد، وأن يكون في العمود الذي ضدّك ما هو مكتوبٌ بخطّك أنت. وقد فعلتُ ذلك في ورقتي هذه على قدري: أسقطتُ بندًا بيدي، وسقتُ عليك حجّةً تهدم موضعي، وسمّيتُ ما يُبطلني.

أن تدفع الثمنَ وأنت تعرف اسمَه أشرفُ من أن تدفعه وأنت تحسبه مجّانًا.